الثلاثاء 22 يونيو 2021
فن وثقافة

أسباب نزول عيطة "شريفي سيدي حسن" على لسان الفنان حسن الزرهوني (1)

أسباب نزول عيطة "شريفي سيدي حسن" على لسان الفنان حسن الزرهوني (1) الفنان التشكيلي حسن الزرهوني

تعتبر عيطة "شريفي سيدي حسن" من العيوط الجميلة والرائعة التي ساهمت في توثيق أحداث تاريخية عاشها المغرب في فترة حكم السلطان المولى الحسن الأول، وتعرضت هذه "القصيدة" للإندثار والتلاشي والنسيان، إلى أن جمع بعض متونها الشعرية شيوخ العيطة من مدينة أسفي، على لسان الرواد من أمثال الشيخ ميلود الداهمو والشيخة عيدة وغيرهم.

ضيف موقع "أنفاس بريس" الفنان التشكيلي والمبدع حسن الزرهوني استجاب لنداء ثلة من أصدقائه المهووسين بفن العيطة، فغرد بلبل منطقة الكاب، وقام بتفكيك وتحليل قصيدة هذه العيطة في سياقها التاريخي، فكانت فرصة ثمينة لإشراك القراء في هذا الطبق في انتظار تفاعل المهتمين بفن العيطة والموسيقى التقليدية كتراث مغربي أصيل.

في حديث ثقافي و فني للجريدة مع المبدع والفنان التشكيلي والموسيقي الأستاذ حسن الزرهوني أشار إلى أنه من اللازم تسمية عيطة "سيدي حسن" التي تتناول السياق التاريخي لآخر محلة سلطانية للمولى الحسن الأول بـ "عيطة شريفي سيدي حسن"، على اعتبار أننا نتحدث عن سلطان المغرب في مرحلة معينة.

من المعلوم أن الكتابات والدراسات التاريخية قد وصفت السلطان مُولاي الحسَن الأول بأنه كان "في قمَّة سطوته، سُلطاناً قويًّا، وإلى حدٍّ ما قَاسيَّا، و كُفؤاً بكل تَأكيد. طاقتُه لا تَضعُف أبداً. حافَظ على الأمن بين القَبائل السَّائبة. حدَّ من الفِتن التي تَنشأ بلا هَوادة، مُتنقلاً باستمرار عبر ربُوع البلاد، يَصحبُه حَشدُ حَرْكَاتِهِ (التي بلغت بين 19 و20 حَرْكَةْ عبر ربوع مملكته)". وكان من النَّاذر أن يَقضي السُّلطان مُولاي الحسَن أكثر من ستَّةِ أشهُرٍ مُتواصلة في واحدة من عواصم مملكته، ولقب ب السلطان الذي "كان عرشه على صهوة جواده"، لذلك جاء في المتن العيطي لعيطة "شريفي سيدي حسن" ما يؤكد هذا الوصف: (شوفو سيدي حتى من علامو كاسي عودو).

يرى الأستاذ حسن الزرهوني أن هذه القصيدة المغناة "لا تتصف بوحدة عضوية وموضوعية" (وحدة الموضوع)، بمعنى أن "مواضيعها متعددة، وتم نظم أبياتها الزجلية في فترة تاريخية معينة، إلا أنها تعرضت للإندثار والنسيان". على اعتبار أن كل نصوص العيطة "لم تكن مدونة وموثقة واعتمدت في نشأتها وتركيبها على التعبير الشفهي البدوي".

إن الموضوع الأساسي لـ عيطة "شريفي سيدي حسن" يرتبط بحَرْكَاتِهِ السلطانية ـ حسب ضيف الجريدة ـ الذي أكد على أن "المدة الزمنية لكل حَرْكَةْ كانت تختلف من مجال جغرافي لآخر، لتنفيذ المخططات و المهام المحددة الأهداف، في علاقة مع صعوبة التنقل عبر تضاريس وعرة، وقطع مسافات طويلة مليئة بالمفاجآت، لإخماد انتفاضات القبائل الثائرة".

من المؤكد أن الإعلان عن خروج المحلة السلطانية في تلك الفترة كان يسبقه إعداد لوجيستيكي ومادي وبشري وترتيبات مهمة من بينها "المكاتب الشريفة التي تسهر على توجيه المسؤولين المكلفين بتدبير وتسيير شأن المحلة، على مستوى الخدم و المئونة والألبسة والأسلحة والخيول والعساكر والمحاربين وكل ما يحتاجه الفرسان وخيولهم من مستلزمات.."، فضلا عن إصدار قرارات إدارية وعسكرية لتنفيذ "الأوامر التي كانت تصدر عن مهندسي وأطر الدولة المكلفين بالقيام بمسح طوبوغرافي لضبط تضاريس الطرقات والمعابر الصالحة للمرور". هذه المهمة الهندسية تنضاف إليها مسألة "تقسيم اجتياز الطريق لفترات زمنية  حسب الساعات واليوم والليالي، وتحديد مواقع ونقط الإستراحة والإقامة لما يستبد العياء والتعب بمكونات المحلة السلطانية" حسب تحليل حسن الزرهوني

في هذا السياق يستشهد ضيف الجريدة بمتن عيطي يقول: "نزلوا تْغَذاوَ راه لْخايْلْ عْياوْ"، وأوضح بأن هذا المتن العيطي "نجده كذلك في عيطة (العمالة) بمعنى أن بعض أبيات قصيدة "شريفي سيدي حسن"، تم توظيفها بحسن نية كإشارات ضمن غناء عيطة "العمالة". فضلا عن أبيات أخرى تصف قوة المحلة السلطانية مثل "لعلام خضر شاﯖ الويدان" و "لعلام خضر شاﯖ في تازة"، و "شوفو سيدي حتى من علامو كاسي عودو"..وأمثلة أخرى تم إدراجها في عطية "العمالة" وهي تنتسب فعلا لعيطة "شريفي سيدي حسن".

الإعداد للمحلة السلطانية في عهد السلطان مولاي الحسن كان يتطلب أيضا "ضبط المجال الجغرافي، وتسجيل وتقييد أسماء القبائل التي ستجتازها من أجل مساهماتها بالعدة والعتاد وتزويد فرسانها ومحاربيهم و خيولهم المشاركة في المحلة بالمئونة والألبسة حسب المدة الزمنية التي ستقضيها في الرحلة السلطانية" وفق تحليل حسن الزرهوني.

بالنسبة لآخر حركة سلطانية للمولى الحسن الأول فقد "كان جيشه في حاجة ماسة إلى الترميم والتنظيم والدعم، وتوفير العدة والأسلحة والمؤن". في هذه الفترة التي يؤرخها الباحثون في سنة 1894 "طلب السلطان من أوروبا تزويده بالبنادق، لأن معمل الماكينة بفاس لا ينتج بالكاد سوى خمسة بنادق في اليوم، وهذا المنتوج لا يكفي لإخماد انتفاضات القبائل الثائرة"، هذا بالإضافة إلى نشوب "مواجهات بين المحتل الإسباني بمدينة مليلية وأهل الريف، وفرضت إسبانيا على المغرب غرامات و ذعائر باهظة تقدر بحوالي 6 ملايين دورو (عملة) ، وخزائن السلطان لا تتوفر على القيمة المالية المطلوبة لإقامة السلام، وليست له القدرة على مواجهة المحتل الإسباني". وفق حديث الزرهوني.

المراجع التي اعتمدها موقع "أنفاس بريس"، لتثمين هذه المعطيات التاريخية سبق أن نشرنا حلقاتها (29 حلقة) سابقا من كتاب "المغرب الذي كان" (لم ينشره بعد الأستاذ هشام بنعمر) تؤكد أن السُّلطان شد الرحال من فاس خلال "فصل الصَّيف نحو المنطقة الجنوبية عَابراً جبال الأطلس المُجاورة لقصبة المخزن، نُزولاً  إلى وادي زيز الأعلى. وكانت هذه الحملة تحتاج إلى تنظيم مُحكم يتجاوز بكثير الإمكانيات التي يتوفر عليها المغاربة، مهما بلغَ حجم الموارد السَّانحة. لم يتم تقدير الحاجيَّات الغذائية بشكل دقيق حيث لم يكن في استطاعة القبائل الصحراوية تقديمُ الكثير من المئونة. كان الماء قليلاً ورَديئاً، والحرارة مُرتفعة".

و حسب نفس المراجع التاريخية فقد تميَّز سيرُ المحلة السلطانية بـ "البُطء بسبب الحاجة إلى إخضَاع القبائل التي تعبرها، وتَأخَّر وصُول السُّلطان إلى تَافيلالت إلى غاية اقتراب حُلول فصل الشِّتاء، تتبعُه جيوشٌ مُنهكةٌ تعاني من ارتفاع الحرارة وتَقلُّصِ دوابِّ الرُّكوب. و عادَ السُّلطان من حركة تافيلالت رجُلاً خَائراً. اسْتَفحل مرضُه الدَّاخلي أكثر فأكثر بسبب جسَامة المُهمة، حيث لم ينعم بالرَّاحة الضَّرورية، كما أنه لم يتقيَّد بالنِّظام الغذائي (الحِمية) الذي تتَطلبُه حالته ووضعه الصِّحي. و مكثَ السلطان بضعة أشهر في عاصمة الجنُوب مراكش، وفي شهر شتنبر من سنة 1894، انصرف لإخماد (فتنة) قبائل تَادلة. خيَّم وسط بلادٍ عدُوَّة، وهناك وافتهُ المنيَّة".

وهذا ما أكده ضيف الجريدة حسن الزرهوني في حديثه لتفكيك قصيدة عيطة "شريفي سيدي حسن" حيث قال: "بوصول السلطان مدنية مراكش بدأ يشعر بالعياء والتعب وتسلل المرض لجسده بشكل كبير، ورغم ذلك توجه إلى الجنوب مرورا بجبال الأطلس، نزولا بواد زيز في اتجاه تافيلالت لإخماد بعض الإنتفاضات، في ظل نقص المئونة والعتاد و نذرة الماء وحرارة الصيف وقلة إمكانيات القبائل الصحراوية...لذلك كانت المحلة تسير ببطء شديد".

استقر مولاي الحسن الأول بمدينة مراكش في فصل الربيع سنة 1894 ، وكان يهيئ للعودة لمدينة فاس، على اعتبار أنه "كان يعتزم على مواجهة قبائل أيت سخمان التي نشبت معها مواجهات كثيرة اغتيل على إثرها المولى السرور أخ السلطان، وكان لابد من الثأر والقضاء على انتفاضتهم".