الجمعة 24 سبتمبر 2021
فن وثقافة

مصب نهر تانسيفت يروي حكايات قبيلة "ركراكة" و"السبعة رجال" بين الأمس واليوم (26)

مصب نهر تانسيفت يروي حكايات قبيلة "ركراكة" و"السبعة رجال" بين الأمس واليوم (26) العياشي يتوسط مشهد انطلاق الطايفة ومقدم ركراكة بين الأمس واليوم

تمكن الوباء اللعين "كورونا" من تأجيل موسم طواف شرفاء "ركراكة" برسم سنة 2020، ووقفت الجائحة سدا منيعا ضد قبائل ركراكة والشياظمة وعبدة ودكالة وغيرهم في إحياء سنة التواصل الروحي والاجتماعي والاقتصادي.. وحرمتهم من الاحتفاء واستحضار موروثهم الشعبي وعاداتهم وطقوسهم وتقاليدهم التي ألفوا إقامتها كل سنة في فصل الربيع (بعد خروج الليالي).

 في سفر "أنفاس بريس" والنبش في موضوع ظاهرة موسم طواف "ركراكة" الضارب في القدم، بعد الاستعانة في الحلقة الأولى ببعض المصادر التاريخية التي تناولت "السبعة رجال" والتعريف بهم، وبعلاقتهم بالمجال والإنسان، وكيف استوطنوا الأرض وقاوموا الغزاة، للمحافظة على استقرارهم وأمنهم واستمرار نسبهم، وقدمنا ملخص لمحة تاريخية عن "ركراكة" و"السبعة رجال" والسفر في زمن حروبهم وصراعاتهم مع المحتل والغزاة، وكيف استطاعت القبلية ضمان استمرارها وصولا إلى ترسيخ هذا الموسم السنوي الذي يحج له المغاربة من كل أنحاء الوطن لإحياء صلة الرحم.

 في الحلقة السادسة والعشرين نقدم لقرئنا حكي وشهادات سي العياشي الحراك بصفته أبن المنطقة وواكب الدور منذ نعومة أظافره، وراكم عدة معطيات عن طريق الرواية الشفهية من أفواه أهالي القبيلة.

 

مفهوم "الخيمة" و"الطايفة" في ثقافة أهالي ركراكة

اسم العياشي الحراك معروف في أوساط شيخات وشيوخ العيطة والفنانين الشعبيين عبر ربوع المملكة نظرا لثقافته الشعبية البدوية الواسعة التي تشبعت بفنون الحكي الأسطوري والرواية الشفاهية بمنطقة الشياظمة، يعتبر نفسه سليل أهالي ركراكة، هو الذي رأى النور بمسقط رأسه سنة 1956 (رجوع الملك محمد الخامس) بدوار السهوبة بجماعة تفتاشت، أب لأسرة أنجبت ستة أطفال، تستقر اليوم بمدينة أسفي، يمتهن مهمة حارس ليلي فضلا عن امتلاكه لـ "كوتشي" لنقل زبنائه بمواصفات جميلة ومريحة وهو الذي ينطبق عليه وصف غناء (مٌولْ الْكٌوتْشي جْمعْ كلْشي بضاضْ يْرشي).

 

العياشي الحراك في مقتبل العمر، وهو لا يتجاوز 15 سنة، وتحديدا سنة 1971، قرر أن يطوف مع موكب دور ركراكة (44 يوما) موسم بموسم، و يتعرف على الأضرحة و أمكنة الزوايا الركراكية المتاخمة للبحر والجبل وشعاب الواد وهضاب المداشر، في وقت مازال الطواف على مواسم ركراكة يقطع مسافاته الزوار مشيا على الأرجل أو على متن الدواب والعربات المجرورة، في غياب وسائل النقل الحديثة... بمعنى أن ضيف الجريدة له سوابق معرفية ودراية بمجال "السبعة رجال" وطقوس وعادات "الدور الربيعي" بالمنطقة .

 

العياشي الحراك يصر على ضرورة نقل حكيه الشفهي إلى القراء، علما -يقول محدثنا- بأنه ليس بباحث متخصص أو مثقف أكاديمي مشهود له بمنهجية البحث والتحليل وقراءة الوثائق التاريخية ومراجعها الموثقة بالدراسات ذات الصلة.

 

في حديثنا عن دور ركراكة طلبنا من سي العياشي الحراك أن يعطينا تفسيرا عن رمزية ودلالة "الخيمة" و "الطايفة" بصفته واكب الدور وطقوسه وعاداته منذ نعومة أظافره، واستمتع في طفولته بمشاهدات و حكايات وروايات شفهية عديدة مكنته من جمع عدة معلومات عن "السبعة رجال" وأعاد صياغتها بلسانه وفق تمثلاته الخاصة .

تحضر دلالة رمزية "الخيمة" و"الطايفة" في دور ركراكة كثلاثية حتمية لتأطير استمرار بركة أولياء الله الصالحين بمنطقة الشياظمة وحاحا وعبدة.. ويتعامل معها الناس حسب مستواهم الاجتماعي والمعرفي والثقافي ...

 

خيمة ركراكة التي تحمل على متن الناقة، يتم نصبها بمكان معين داخل فضاءات المواسم التي تقام بالتتابع مدة الطواف (44 دور)، لذلك فالخيمة ترمز -حسب حديثنا مع ضيف الجريدة- إلى "الدفء والأمن والأمان، وتمثل كذلك بالنسبة لآخرين دار للثقافة والعلم والدين، وفي نظر فئة أخرى هي بمثابة سقيفة رجراجة التي يجتمع تحتها كبار القبيلة وأعيانها للتشاور والاستشارة، أو لنقل هي السقيفة التي استظل بظلها (السبعة رجال) ومن بعدهم أهالي ركراكة في رحلاتهم لنشر رسالة الدعوة الإسلامية.." وظلت الخيمة على هذه الحال إلى زمننا هذا حيث تمثل اليوم سقيفة الشرفاء من أهالي ركراكة (من مقدمين وأشياخ وفقهاء وطلبة) الذين يتلقون الزيارة والهدايا والهبات مقابل أدعية التيسير والفتح والهناء والنجاح في الحياة، والتبرك ببركتهم ونصائحهم.

أما الناقة كوسيلة نقل والتي مازالت تؤثث طقس الطواف والرحلة رغم أنه من الممكن تحديث هذه الوسيلة بمركبة حديثة وسريعة تغني عن عادة الرحلة والسفر قديما، لكن أهمية حضورها تكمن في رمزية استحضار عادة سفر ورحلة القوافل في الصحراء وما تتكبده من مشاق ومتاعب وإكراهات قطع المسافات الطويلة.

 

أفادنا العياشي الحراك بأن مفردة "الطايفة" التي تطلق كذلك على "موكب ركراكة"، فهي كلمة جامعة وشاملة تعني في اعتقاده، "الجهاد في سبيل إعلاء كلمة الله"، على اعتبار أن "ركراكة" كانوا يطوفون كمراسلين بين القبائل في مهمة لـ "نشر كلمة الإسلام وترسيخ قيم دين النبي محمد". وتحيل كلمة "الطايفة" كذلك على مجموعة من الأشخاص "يحملون رسالة عقيدة الدين الإسلامي وتعاليمه السمحة ويستمرون في نشرها وإعلاء كلمتها ".

 

يوضح ضيفنا بأن نشر الدعوة ارتبط تاريخيا بـ "الخيمة"، التي يتم نصبها بفضاء الموسم، وهي "رمز التداول في الشأن الديني والعلاقات الاجتماعية المبنية على التضامن والتسامح والتعايش". أما "الطايفة" فقد ارتبطت بفضاءات المساجد والزوايا والأضرحة، وظلت "الخيمة" حاضرة في مواسم الدور شاهدة على طقوس وعادات أهالي ركراكة، وتعتبر فضاء للنقاش والتواصل وإقامة الأدعية والفاتحة وتسلم الزيارة والهدايا والهبات للاستفادة من البركة .

أفراد "الطايفة" -حسب العياشي- يبيتون في "المساجد والأضرحة والزوايا أو في ضيافة أهالي القبيلة، ويستقبلون الزوار ويتبركون من أدعيتهم".. وتعني كلمة "الطايفة" بالنسبة للعياشي الحراك الركراكي: "هي كلمة تعني القلب المفتوح، وهي تعكس مفهوم التواضع والكرم، وهي إعلاء لكلمة الدين، وخرجت هذه الكلمة من فضاء الطلبة /الفقهاء والعلماء والفنانين، وتعني كذلك جلسات الحديث والقراءة الجماعية للقرآن، ورواية الأزليات والحكايات والاستمتاع بالفن الراقي وتراث الفروسية هي كلمة تتفتح فيها القلوب .."

 

أصحاب "الخيمة" منهم من ينعته الناس من الفقهاء المؤمنين الصالحين والأتقياء الحاملين لكتاب الله، والذين صقلوا معرفتهم بأمور الدين والدنيا، وورثوا عن أجدادهم وأسلافهم مسؤولية تأطير الناس وتعليمهم أمور الدين والحياة و التحري وتفقد أحوال القبائل وطباعهم ومعتقداتهم.. وهل مازالوا على دين محمد في الزمن القديم؟ في هذا السياق يقول العياشي الحراك "لقد عاش على أرض المغرب عدة أجناس وأقوام تتنوع وتتعدد معتقداتهم الدينية ويمارسون طقوس وعبادات تختلف عن تعاليم الدين الإسلامي...وهم من كانوا ضد قبيلة رجراجة ويتربصون بها".

 

وحسب حكاية العياشي الحراك الذي يصر على تقديمها للقراء فأفراد "الطايفة" هم أولياء الله الصالحين الملقبين برجراجة وهم: "سيدي واسمين وهو سلطان مجموعة سبعة رجال، وهو دفين جبل الحديد بالشياظمة، وسيدي بوبكر الشماس دفين زاوية أقرمود بسفح الجبل من جهة البحر، بالإضافة إلى سيدي صالح بن أبي بكر الشماس ابن السابق، وهو دفين بلاد حويرة على مقربة من والده، علاوة على سيدي عبد الله أدناس الذي يوجد ضريحه بالقرب من وادي تانسيفت من الجنوب، ثم سيدي عيسى بوخابية الذي يوجد ضريحه كذلك على ضفاف وادي تانسيفت، فضلا عن سيدي سعيد بن يبقى دفين موضع تمزت، وسيدي يعلى دفين رباط شاكر بإقليم اليوسفية".

 

هؤلاء هم أصحاب الطايفة/الرسالة (الدعوة للإسلام)، حسب العياشي. ويستشهد ضيفنا بنموذج أهل أقرمود من أهالي ركراكة على اعتبار أنهم "يخرجون بـ "الطايفة" وهم من يشاركون في الموكب ويمشون وراء "مول العودة" ومقدم "الطايفة" انطلاقا من زاوية أقرمود" للطواف على المواسم .

وحسب قوله فقد "ظل مفهوم أولياء الطايفة مرتبط برسالة الإسلام ومرتبط بالسبعة رجال الذين ناصروا الدين الإسلامي ورسول الله، قبل بداية الدعوة وبعد نشر الرسالة المحمدية. لأنهم حملوا معهم مجموعة من التعاليم الإسلامية السمحة والمتفتحة التي تنظم العلاقات الاجتماعية والتوحيد والإيمان بالله".

 

وعن (نموذج) كرامات شخصيات "السبعة رجال" يؤكد سي العياشي الحراك ابن منطقة الشياظمة انطلاقا مما سمعه من الروايات المتوارثة بأن "سيدي سعيد تركه مرافقوه (ستة رجراجيين) في أرض العراق وهم في رحلتهم لشبه الجزيرة العربية، وتخلف عنهم، وبقي يعاني من الجوع والعطش وأنهكه المرض، لكنهم فوجئوا بتواجده بمكة قبل وصولهم"، حيث قال لهم أحد الأعراب "لقد سبقكم سيدي سعيد"، ومن تم أضيف لقب "السابق" إلى اسم "سيدي سعيد السابق". أما بخصوص "سيدي مسعود أحوير" المتواجد ضريحه بناحية مرامر (ما بين منطقة سيد المختار والشياظمة) فقال عنه "هو من شجرة الحواريين الذين آمنوا بالنبي عيسى".

 

"الطايفة" لها دلالة رمزية تحيل على رحلة رجراجة الأمازيغ إلى شبه الجزيرة العربية، و يلبسها محدثنا صفة "الجماعة الركراكية"، حيث يستحضر حكاية شفهية متوارثة أبا عن جد ترتبط  بـ "طمر الرسالة التي تسلمها رجراجة من الرسول بأراضي قبيلة أحمر حتى لا تسرق منهم". ويؤكد على أن "الطايفة" هي التي رسخت قديما مفهوم "الملح وبركة الأدعية والفاتحة والهدية ..".

 

وعن علاقة الملح بـ "ركراكة" يقول العياشي: "لقد تحول مكان دفن رسالتهم إلى عين ماء تجمدت بها مادة الملح بأرض زيمة بمنطقة الشماعية" (إقليم اليوسفية)، على اعتبار أن الرسالة "دفنت سابقا هناك خوفا من سرقتها من طرف أعداء الإسلام والمتربصين وقطاع الطرق.."، حسب روايته المتداولة في محكيات الموروث الثقافي الشعبي والتي عززها بدعاء الصالحين مع الناس بقولهم: (الله يجعلك بحال لالة زيمة، الملح اللي تهز في الصباح ترجع في العشية)، وأحال كلامه على مفهوم الملح في العلاقات الاجتماعية قائلا: "مشاركين بركة طعام الملح".

 

من جهة أخرى أصر ضيف الجريدة على أن جزء من "أنساب شجرة ركراكة لهم أضرحة بالجزائر وحدد وجودهم بالقبايل الأمازيغ".. مؤكدا على أن "الدور الربيعي" لا يقتصر على الشياظمة فقط بل أنه يقام في العديد من مناطق ربوع المملكة المغربية: "دور ركراكة يقام في مدينة القنيطرة و بمنطقة دكالة وقبيلة أحمر وناحية سطات والشياظمة ..".

وقدم تفسيرا لهذا الامتداد بالقول: "مثلا قبيلة لمعاشات تنتسب لأهالي ركراكة ونحن نلقب لمعاشات بـ (لعواد) وهم موزعين بين منطقة عبدة و سطات وأحمر و دكالة، وبدورهم يصلهم موكب دور أهاليهم كل سنة لتفقد أحوالهم وتجديد الروابط، وإحياء صلة الرحم... ونفس الشيء ينطبق على قبيلة النواصر.."