السبت 24 يوليو 2021
فن وثقافة

مصب نهر تانسيفت يروي حكايات قبيلة "ركراكة" و"السبعة رجال" بين الأمس واليوم (23)

مصب نهر تانسيفت يروي حكايات قبيلة "ركراكة" و"السبعة رجال" بين الأمس واليوم (23) "مول العودة" (الفارس وفرسه الأبيض)

تمكن الوباء اللعين "كورونا" من تأجيل موسم طواف شرفاء "ركراكة" برسم سنة 2020، ووقفت الجائحة سدا منيعا ضد قبائل ركراكة والشياظمة وعبدة ودكالة وغيرهم في إحياء سنة التواصل الروحي والاجتماعي والاقتصادي.. وحرمتهم من الاحتفاء واستحضار موروثهم الشعبي وعاداتهم وطقوسهم وتقاليدهم التي ألفوا إقامتها كل سنة في فصل الربيع (بعد خروج الليالي).

 في سفر "أنفاس بريس" والنبش في موضوع ظاهرة موسم طواف "ركراكة" الضارب في القدم، بعد الاستعانة في الحلقة الأولى ببعض المصادر التاريخية التي تناولت "السبعة رجال" والتعريف بهم، وبعلاقتهم بالمجال والإنسان، وكيف استوطنوا الأرض وقاوموا الغزاة، للمحافظة على استقرارهم وأمنهم واستمرار نسبهم، وقدمنا ملخص لمحة تاريخية عن "ركراكة" و"السبعة رجال" والسفر في زمن حروبهم وصراعاتهم مع المحتل والغزاة، وكيف استطاعت القبلية ضمان استمرارها وصولا إلى ترسيخ هذا الموسم السنوي الذي يحج له المغاربة من كل أنحاء الوطن لإحياء صلة الرحم.

 لقد تقاطرت الشهادات والحكايات على جريدة "أنفاس بريس" من أفواه الفنانين والمبدعين وشيوخ العيطة وفناني الحلقة، والمنتسبين لأهالي وشرفاء ركراكة، وأبناء القبائل المنتمين لأرض "سبعة رجال"، سواء لتوضيح أو تثمين وتعزيز ما جاء في حلقاتنا السباقة بخصوص سلسلة ملفنا الإعلامي الذي اخترنا له عنوان: (مصب نهر تانسيفت يروي حكايات قبيلة "ركراكة" و"السبعة رجال" بين الأمس واليوم).

في الحلقة الثالثة والعشرين نقدم قراءة مفترضة لرمزية طقس مقدم (مول العودة) "الفارس وفرسه الأبيض" الذي يتزعم موكب "دور ركراكة"، وكيف تحول من طقس بطولي وتاريخي جهادي ديني تواصلي إلى طقس خرافي..

 

من الطقوس الرمزية الأساسية المعتمدة في "دور ركراكة" الذي يقام خلال فصل الربيع من كل سنة، خروج موكب "الطايفة" تتقدمه ناقة تحمل خيمة حمراء، ويتزعمه لمقدم "مول العودة" يمتطي صهوة فرس لونها أبيض، يرتدي ألبسة تقليدية بيضاء تتكون غالبا من (جلباب، و تشامير، وفرجية وبلغة، وعمامة تلف الرأس).

هذا الطقس المألوف كعادة ورثها أهالي شرفاء ركراكة يشارك فيه عدة أشخاص كل حسب دوره ومهمته ضمن مكونات الموكب، وهم يقطعون المسافات على متن الدواب المحملة بالأغراض ولوازم الرحلة لزيارة أضرحة ومواسم ركراكة (44 ولي صالح) والمنتسبين لزواياهم المنتشرة عبر مجال منطقة الصويرة و الشياظمة و حاحا..ومن الأذكار والابتهالات والأناشيد الدينية التي يرددها الموكب:

 

"جيناكم يا الناس لفضال

 نسعاو على بابكم

 نسعاو الله لكريم

 يسقينا من حوضكم"...

 

إنه "نشيد" بمثابة إعلان عن قدوم وفد "ركراكة" لزيارة أهاليهم، وتفقد أحوالهم، وإحياء روابط الدم والدين والعلاقات الاجتماعية، واستحضار ذاكرة "السبعة رجال" بتمثلاتها الشعبية وعاداتهم وتقاليدهم، وتوطيد أواصر المحبة المتبادلة والاحترام والتقدير لشجرة أنساب "ركراكة" وإخلاصهم ووفائهم لانتمائهم المشترك .

 

إن رمزية حضور الفرس تحيل على ركوب الخيل وعلاقتها بالجهاد والحروب التي دارت رحاها بالمنطقة ضد العدو، وحضور الفارس باللباس الأبيض يرمز إلى قوة الشخصية وصفائها وطهارتها ونقائها، ويعكس كذلك شخصية "الركراكي" التي كانت تمثل رجل الدين العالم والفقيه الورع والتقي الذي يجدد أواصر الروابط العائلية والقبلية لأنساب شجرة ركراكة ويرسخ مبادئ تعاليم الدين الإسلامي السمحة والمتفتحة.

 

قد يرمز هذا الفارس (مول العودة) إلى شخصية المحارب والمجاهد الذي قطع المسافات تلوى الأخرى لنشر الإسلام وصد غزوات الأعداء وحماية الأرض والعرض، ومن دلالاته الرمزية قد يحيلنا الرجل/ الفارس على شخصيات "الرجال السبعة" الذين نشروا كلمة الإسلام في المنطقة وما راكموه من تجارب على مستوى التواصل والعلاقات، و يرمز كذلك إلى أحد خبراء المعارك والحروب التي خاضها أجداد "ركراكة"، بل أنه هو الفارس المتمكن من قراءة خرائط الأمكنة والفضاءات وتضاريس الجبال والشعاب وهضاب المنطقة ونقط التجمعات السكنية، أو لنقل قد يكون دليلا يقتفي أثر أجداده الذين واجهوا هجمات المستعمر والقبائل والغزاة في البر والبحر..

 

(مول العودة) الفارس الذي يمتطي صهوة الفرس البيضاء قد يرمز أيضا لشخصية قائد الحركات الجهادية والحروب التي كانت تشنها قبائل ركراكة وتنتصر فيها على جيوش الخصوم والأعداء الذين يتربصون بهم وبأرضهم... (مول العودة) تجمعت فيه كل رموز شخصيات "ركراكة" فهو الإنسان والعالم والفقيه والفارس والحكيم والناصح والمرشد والناسك والزاهد والمتعبد والمتصوف.

 

حضور طقس (مول العودة) يؤكد بأن ذاكرة "ركراكة" ترسخ مشاهد وصور فرسانهم الذين وجدوا منذ العهود القديمة في الفرس البربري الحيوان الفاتن و الطيع والصبور، القادر على خوض الحروب، نظرا لذكائه وسرعته في الركض وسهولة ترويضه و قيادته بفضل مهارات رجالاتهم في تقنيات المناوشات القتالية التي اكتسبوها من خلال توالي الهجمات والمرتدات والانسحابات السريعة وهي نفس التقنية القتالية المعروفة في الثقافة الحربية العربية بأسلوب "الكر والفر" في المعارك.

 

لذلك فإن تمثل (مول العودة) "الفارس وفرسه" في مشهد الموكب خلال "دور ركراكة" يرمز بشكل أساسي إلى مفهوم الشجاعة، واعتراف أهالي ركراكة بحضور الخيل الاعتباري في المجال الديني، وورود ذكرها في عدة آيات قرآنية وأحاديث نبوية وفي الشعر والثقافة العربية والإسلامية، وهو اعتراف لما قدمه الحصان/ الفرس (البربري والعربي) والدور الذي لعبه في تاريخ الإنسانية منذ ترويضه لفائدته، سواء في ميدان العمل أو في حمل الأثقال وأعمال الفلاحة وقطع المسافات الطويلة، وخصوصا حضوره القوي في ساحات الحرب وميادين القتال بجانب أشرس المقاتلين الشجعان قديما، ووسط محارك التبوريدة بجماله وحيوية حركته في وقتنا الحاضر.

 

في اعتقادنا أن هذا البعد الحربي هو الرافد الأساسي لرمزية (مول العودة) "الفارس وفرسه الأبيض"، والذي يعتبر تجسيدا للحرب، وتمتد أيضا هذه الرمزية إلى طقوس وعادات استعراض القوة والشجاعة والفحولة في علاقة مع البعد النفسي وارتباطه بتراث الفروسية.

 

في سياق البحث والنبش في ظاهرة دور ركراكة، أثارنا طقس دخيل على ممارسة الشعائر الدينية والاجتماعية، يعد في نظر مواطنات ومواطنين من زوار الموسم "طقس البركة و التيسير"، ييسر أمور الزائر، ويمنحه مفاتيح "العكس" الذي يعترضه في أمور دنياه وحياته. الأمر يتعلق بـ (بركة مول العودة) حيث يصر الزوار نساء ورجالا على المرور من تحت بطن الفرس، أو الظفر ببعض شعيرات جسدها، لاستعماله في أغراض خرافية (فك العكس، طلب الزواج، العمل، المرض..) مقابل منح "فتوح البركة" للراكب على صهوة الفرس.

 

في إطار هذه الظاهرة التي اعتبرتها العديد من الشهادات بأنها دخيلة على طقوس وعادات "ركراكة" وبأنها تمثل إحدى تمظهرات الواقع الاجتماعي المعاش التي تشوه حقيقة "الدور" في علاقة بسياقه التاريخي، استحضرنا موقف الدرس السوسيولوجي الذي يؤكد أنه "حينما نتحدث ونناقش ارتكازا على التحليل السوسيولوجي في تفسير ظاهرة اجتماعية معينة ننطلق من مجموعة من المتغيرات ومن بين هذه المتغيرات قضية الجهل، قد تكون النسب مختلفة بين الفقر والجهل، ولكن هذه المتغيرات هي تضافر لإنتاج هذا النوع من الإيمان بهذه الظواهر القدسية... لأن الإنسان قد لا يسمح له الفقر بعلاج أمراضه النفسية، ثم أن المجتمع نفسه لم يعترف بعد بالعلاقات والأسباب الموضوعية وبالأمراض النفسية".

 

التحليل السوسيولوجي أيضا ينبه إلى "عملية التنشئة الاجتماعية، (الإنسان ينمو في مجتمع معين يؤمن بالخرافات) لأن هذه السلوكات أصبحت جزءا من هوية الإنسان المغربي. وأحيانا نجد تفشي ظاهرة الدجل والشعوذة والسحر حتى في الأوساط الغنية والطبقات الميسورة، حيث تجد تلك العينات تتردد على المواسم التي تتفشى فيها الخرافة، لأنهم يعتقدون اعتقادا راسخا بأن الدجل هو الطريق الوحيد حينما يعجز الإنسان عن حل مشاكله بطريقة إرادية، وينم هذا عن الفراغ النفسي والفراغ العاطفي الموضوعي"...