السبت 24 يوليو 2021
فن وثقافة

عبد المجيد فنيش يحكي مسار قدومه للمسرح في "مدارات" التهاني

عبد المجيد فنيش يحكي مسار قدومه للمسرح في "مدارات" التهاني المسرحي عبد المجيد فنيش (يمينا) والزميل عبد الإله التهاني

استضاف الإعلامي عبد الإله التهاني، في حلقة جديدة من برنامج "مدارات"، على أمواج الإذاعة الوطنية من الرباط ، يوم السبت 23 يناير 2021، المخرج المسرحي عبد المجيد فنيش، وذلك في حوار استعاد فيه هذا الأخير أهم محطات تجربته المسرحية، تأليفا وإخراجا، والخصوصية التي ميزتها، من حيث استلهامها المتواصل لعناصر ومكونات الثقافة الشعبية المغربية، وخاصة توظيفها لغنى التراث الشفاهي المغربي والموروث الشعبي، ولاسيما منه فن الملحون. دون أن ينسى عبدالمجيد فنيش الحديث، عن تجربته في إخراج عدد من المسرحيات، لكل من عبد الله شقرون وعبد الكريم برشيد، وعبد السلام الشرايبي، وعبد السلام الحبيب، وأنور الجندي، والكاتب السوري سعد الله ونوس، مرورا بإسهاماته التنظيرية حول المسرح المغربي، وانطباعاته بشأن عدد من القضايا، ذات الصلة بالشأن المسرحي في المغرب.

 

في البداية قدم الزميل التهاني ضيفه عبد المجيد فنيش، باعتباره فنانا عبر مسالك الزمن المسرحي على امتداد ما يزيد عن أربعة عقود، وظل صانعا للفرجة المسرحية بأدوات ومكونات وعناصر جمالية يصفها في قوالب تراثية أصيلة؛ وتحضر قضايا وهموم الحاضر في مسرحياته، لكنه يسكبها في صيغها التراثية الأصيلة المفعمة بالجمال؛ وظلت لمساته ورؤيته  للعمل المسرحي حاضرة حتى في المسرحيات التي ألفها غيره وتولى هو إخراجها.

وذكر التهاني من الأعمال التي ألفها الكاتب المسرحي عبد المجيد فنيش: خمس ليالي في حضرة الجيلالي، ملحون الوفاء، إشراقات ملحونية، كوكتيل شهرزاد، والديجور الديجور.. ومن المسرحيات التي تولى إخراجها، وهي من تأليف كتاب مسرحيين آخرين، مسرحيات  ألفها عبد الكريم برشيد "عنترة في المرايا المكسرة"، "الولي البهلول"، "سيرك  الدنيا"، "يا ليل يا عين"؛ ومسرحية "طوق الحمامة" للمرحوم عبد ألله شقرون؛ و"يوم من زماننا" للكاتب السوري سعد الله ونوس؛ و"عروة يحضر زمانه ويأتي" للمرحوم مولاي أحمد العراقي؛ و"قاعدة بلا استثناء" للمرحوم عبد السلام الحبيب؛ وقام بإخراج مسرحية "السلامة وستر مولانا" للمرحوم أنور الجندي... كما أعد فنيش للإذاعة الوطنية عددا من البرامج منها: "الدقات  الثلاث"، "تمثيلية ونقاش"، "ديوان المعاني"، "سويعة رمضانية"، "ملحونية اليوم"، مقامات...

 

- المجيء إلى المسرح

جوابا عن سؤال للزميل التهاني عن مجيء ضيفه للمسرح، قال فنيش: "كان بيتنا في المدينة العتيقة (سلا) فيه بئر، وكان إفطار الإخوة بمناسبة صيامهم الأول يتم فوق هذا البئر الذي يتم تزيينه؛ وقد يطلب الوالدان من الصائم في يومه الأول عند إفطاره الإفصاح عن رغبة ما لتلبيتها، فطلبت السماح بإدخال مجموعة من الأطفال أصدقائي لنقوم بتمثيل في البيت؛ وكانت التلفزة المغربية آنذاك قد انطلقت، وبدأ تأثيرها علينا ونحن في سنتنا السابعة أو الثامنة من عمرنا.. هكذا تم الأمر إلى جانب أخي الأكبر سعيد فنيش الذي كان مولعا بالسينما لدرجة أنه ابتكر آلة للبث السينمائي بوسائل بسيطة جدا، وكان يدخل أصدقاءه إلى الطابق الثاني من البيت، وكنت أعيش معهم تلك اللحظات، وهو ما أوحى لي بأن أدخل أنا كذلك أصدقائي لنمثل جميعا، ونقلد بعض الأشياء التي كنا نراها ونحن صبية.. وتطورت الموهبة في الطور الابتدائي، حيث أديت في مناسبة دينية دور مؤذن الرسول بلال بن رباح.. والغريب أنه أوكل إلي هذا الدور وأنا الأبيض الأشقر أزرق العينين؛ ولاحظ مدير المدرسة خلال التداريب هذه المفارقة، لكنه استدرك قائلا: نعم يمكنه أن يلعب دور شخصية بلال لأنهما يلتقيان في شيء واحد، وهو بياض القلب! بعد ذلك، في الطور الإعدادي، كانت الانطلاقة في التفكير في جمعية مسرحية حملت سنة 1974 لحظة الانتقال إلى الطور الثانوي اسم "جمعية هواة الفن المسرحي".

 

- مرحلة الانطلاقة المسرحية

وأضاف فنيش أن "الانطلاقة الحقيقية من بعد 1974 إلى الثمانين هي مرحلة البدايات المرتبطة بأعمال مسرحية داخل المؤسسات التعليمية والتجارب الأولى في إطار إقصائيات المهرجانات الوطنية لمسرح الهواة؛ إلى أن التقيت بالمرحوم الأستاذ مولاي أحمد  العراقي الذي أعطاني نصا، وطلب مني أن أشتغل عليه؛ هو نص "عروة يحضر زمانه ويأتي"؛ ليحصل العمل على جائزة عمل الانسجام الجماعي بين العناصر الفنية وجائزة أحسن نص، وهو نص مطبوع وموجود في المكتبات.. وتزامنت هذه المرحلة مع بداية الغوص في حقل الملحون أساسا من خلال جلسات أسبوعية تتم كل خميس، من خلال الحضور اليومي في مقهى الفقيه المرحوم عبد السلام الفيلالي التي كانت عبارة عن صالون أدبي  الملحون؛ وكان تأثير هذا المتن التراثي، الذي انطلق مبكرا كذلك، خاصة وأن جدي المرحوم أحمد السفياني الذي كان مولعا بالأمداح والسماع ينظم في بيته، مرتين في الشهر، ليلة المديح والسماع، في بوطويل بمدينة سلا العتيقة. من تم جاء هذا التداخل بين ما هو مديح وسماع مع تجربتي مع مولاي أحمد العراقي.. وهذا ما جسد المسار الذي ارتبط به الإبداع الدرامي بما هو تراثي عموما؛ ليكون الانضمام إلى جماعة المسرح الاحتفالية في بدايتها مع الكبار: عبد الكريم برشيد مؤسسا، والطيب الصديقي، وأحمد الطيب لعلج، وفريد بتبارك، وعبد الرحمن بنزيدان وأحمد البتولي، وأسماء أخرى..

أنجزت  خلال هذه  المرحلة تسعة نصوص لعبد الكريم برشيد، وقد غطت زمنا، من 1981 إلى يومنا هذا، حيث أشتغل الآن على آخر ما كتب الأستاذ عبد الكريم برشيد  مسرحية "يا مسافر  وحدك"، وهي كتابة جديدة  بكل المعايير لكن  لحضور دائم  النبرة التراثية، وهذا ما جعلني أميل إليها مرة أخرى بعد توقف عن إنتاج الأعمال الدرامية...

 

- المسرح والتراث الشفاهي والمأثورات الشعبية

وتابع ضيف "مدارات" حكيه قائلا بخصوص المسرح في علاقته بالتراث الشعبي "إن هذا المصدر الملهم في توجهي المسرحي ليس اختيارا طوعيا، بل نبع لوحده هكذا بحكم التنشئة الاجتماعية داخل الأسرة، وبفعل عامل حضوري وتتبعي للموسيقى الاندلسية وحصص الملحون والأمداح والسماع، سواء كانت رجالية أو نسائية، وكذا طقوس مدينة سلا التي عشتها في الطفولة؛ وإذن وجدت نفسي بالضرورة داخل المسرح التراثي، ولم يكن اختيارا مطلقا.. وهو سؤال طرح علي أكثر من مرة ومناسبة؛ ولذلك أقول دائما: أنا شخصيا لا أفهم هذا المنحى الذي اتخذته في المسرح، لأني أعتبر ذلك جزءا من حياتي اليومية"...

وفي تذكير الزميل التهاني بأن عبد المجيد فنيش من الذين يعطون أهمية كبيرة للفرجة في المسرح انطلاقا من التصور الاحتفالي لوظيفة المسرح بحكم انخراطه في المدرسة الاحتفالية التي يقودها عبد الكريم برشيد، أوضح فنيش أن عبد الكريم برشيد قد قال "منذ 30 سنة: أطلقت اسم المسرح الاحتفالي، وأنا لا أدري إلى أين سيذهب هذا المسرح". مضيفا (فنيش) أنه يمكن القول بأن الإبداع المسرحي عند عبد الكريم برشيد يمكن أن يتحول عامة من مسرح احتفالي إلى فكر احتفالي أو معيشي؛ وهو ما يمكن ملامسته على مستوى النصوص التي ظلت قائمة على المتن التراثي، هذا هو البعد الأول. أما البعد الثاني فيرى فيه برشيد بأن الأمر كله ليس لعبة مسرحية وليس عرضا بقدر ما هو بحث عن تحويل اللقاء المسرحي إلى حقيقة التواصل برداء تراثي؛ تواصل يهدف إلى بناء واقع آخر معاصر.. وقد ذهب برشيد بعيدا في هذا الأمر إلى أن وصل إلى مقولته الشهيرة، والتي عملنا نحن كمخرجين في المسرح -يقول فنيش- إلى إظهارها: "إنسانية الإنسان وحيوية الحياة ومدنية المدينة"!! ومن خلال هذه المقولة يشكك برشيد في أن الإنسان يعيش إنسانيته الحقيقية وفي مدنية حقيقية وحياة حقيقية.. وبالتالي كيف يترجم هذا السؤال الفلسفي في عمل إبداعي؟ فهذه قضية ليست بالبساطة فقد سعت نصوص عبد الكريم برشيد وإنجازاتي وإنجازات مخرجين آخرين إلى ترجمة هذه المبادئ كاملة عبر الفرجة؛ على أن الأساسي فيها أن يجد الإنسان المغربي فيها نفسه عبر اللغة العربية المغداة بموروثات من "الدوارج"، وليست دارجة واحدة، وارتباطها بما هو لحني وايقاعي.