الجمعة 26 فبراير 2021
كتاب الرأي

محمد بوبكري: اتهامات خالد نزار للمغرب اعتراف بضلوع حكام الجزائر في التدخل في الشؤون الداخلية لجيرانهم…

محمد بوبكري: اتهامات خالد نزار للمغرب اعتراف بضلوع حكام الجزائر في التدخل في الشؤون الداخلية لجيرانهم… محمد بوبكري
يلاحظ المتتبعون للشأن الجزائري أنه كلما اشتدت الضغوط على حكام الجزائر لجأ الجنرالات إلى تحميل المسؤولية لقوى خارجية لإلهاء الشعب الجزائري باختلاق حكاية وجود مؤامرات داخلية وخارجية تحاك ضد الجزائر. وقد انفضحت هذه اللعبة التي يهدفون من ورائها إلى تضليل الشعب الجزائري الغارق في مشاكل كبرى نتيجة فساد حكامه، حتى لا يطالب برحيلهم وبناء دولة مدنية ديمقراطية.
وللتدليل على ما أقول يمكن أن أستحضر قيام جنرالات الجزائر، وعلى رأسهم خالد نزار وتوفيق في نهاية ثمانينيات القرن الماضي، بالتحضير للاستيلاء على السلطة، ما مكنهم من نهب أموال الشعب الجزائر وتهريبها إلى الخارج. فقد قاموا بالضغط على الرئيس الشاذلي بنجديد ليقرأ خطابا كتبوه له يعترف فيه بأن حكومته مسؤولة وحدها عن الأوضاع المتردية للشعب الجزائري. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل اخترقوا جماعات الإسلام السياسي وتنظيمات أخرى لتأليب الشارع ضد الحكومة. وهكذا تمكنوا من تدشين "العشرية السوداء" التي قتل فيها الجنرال نزار، بمشاركة حليفه الجنرال توفيق وجنرالات آخرين، أزيد من نصف مليون جزائري. وقد تمكنت هذه العصابة بقيادة هذين الجنرالين وجنرالات آخرين من تجنيد جماعات الإسلام الإرهابية للمشاركة في عملهم الانقلابي، حيث كانوا يحملون هذه الجماعات مسؤولية مختلف الأحداث الإرهابية التي عرفتها الجزائر خلال هذه "العشرية السوداء"، كما أنهم كانوا يقدمون أنفسهم بكونهم أعداء للإرهاب والإرهابيين. هكذا استطاعت هذه العصابة عن طريق هذه المسرحية من زرع الرعب في نفوس الجزائرين، فتمكنت من الانقلاب على الرئيس الشاذلي بنجديد، ثم جاءت بالمرحوم محمد بوضياف لتغتاله بعد ذلك.
يعد المرحوم محمد بوضياف رمزا كبيرا من رموز حركة التحرير الوطني الجزائرية. ونظرا لتضحياته ورمزيته التاريخية، وبسبب إقامته في مدينة القنيطرة المغربية، فقد كان هؤلاء الجنرالات يخشونه لأنه كان رجلا نقيا له شعبية واسعة في مختلف الأوساط الجزائرية التي تعتبر الجنرالات الذين يحكمونها مجرد ضباط صف تابعين لفرنسا، ما يفيد أن هذه أفراد هذه العصابة كانوا يعتقدون أن محمد بوضياف قد يشكل خطرا عليهم في يوم ما. لهذا خططوا للإتيان به إلى الجزائر والتخلص منه، وهو حصل فعلا، بل لا يتوقف جنرالات الجزائر عن اغتيال المختلفين معهم، كما لا يترددون في اغتيال حلفائهم السابقين من الجنرالات كلما اختلفوا معهم. ويعني هذا أنهم امتهنوا الحقد والانتقام والاغتيال كلما وجدوا سبيلا إلى ذلك. لقد أصبح الكذب والتضليل والافتراء مهنة لديهم، كما أن الشعب الجزائري وكل المهتمين بالشأن الجزائري قد صاروا على علم بممارساتهم هذه التي أصبحت ثابتا في كل من سياستهم الداخلية والخارجية. 
وتجدر الإشارة إلى أنه قد سبق أن حكم على الجنرال خالد نزار بـ 20 سنة سجنا، كما حكم على حليفه الجنرال توفيق بـ 15 سنة سجنا، فهرب الأول إلى الخارج، واستقر في إسبانيا، في حين تم اعتقال الثاني وإدخاله السجن. وأخيرا عاد خالد نزار إلى الجزائر على متن طائرة رئاسية خاصة، وأصر قبل دخوله إلى منزله على أن يتوقف موكبه أمام المحكمة التي حكمت عليه بعشرين سنة سجنا، وأخرج نص الحكم من جيبه، ومزقه أمام الملأ قبل أن ينصرف إلى بيته. كما غادر الجنرال توفيق السجن. وهكذا، ألغيت الأحكام الصادرة في حقهما وفي حق أفراد عصابتهما وكأنهم لم يرتكبوا جرائم في حق الشعب الجزائري ولم ينهبوا أمواله، ولم يرموه في يم الفقر والجوع والأمراض والعراء...
وبعد قرار اعتراف الولايات المتحدة الأمريكية بشرعية سيادة المغرب على صحرائه، وبعد مشاركة السفير الأمريكي في المغرب في تدشين مقر القنصلية العامة لبلاده، اشتد الخناق على أعناق جنرالات الجزائر، فأخذوا يتحسسون رؤوسهم، وبدأوا حملاتهم المسعورة ضد المغرب، تعبيرا عن حقدهم عليه، وهذا ما جعل الجنرال الدموي خالد نزار يستنفر مواقع التواصل الاجتماعي المأجورة للافتراء على المغرب. وإمعانا في تسميم الأجواء بين البلدين، فقد زعم أحد مواقع التواصل الاجتماعي التابعة له أن السفير الأمريكي المستر "دايفيد فيشر" قد تمت إقالته من مهامه بعد مشاركته في تدشين القنصلية العامة للولايات المتحدة الأمريكية بمدينة الداخلة. وهذا ما يؤكد أن هذا الجنرال يريد أن يبدو للرأي العام أنه يمتلك نفوذا كبيرا يمكنه من الظهور بمظهر القادر على إنقاذ الجزائر عبر هزم المغرب الذي يشكل في الحقيقة عقدة له. ويبدو لي أن هذا الجنرال غبي، لأن قرار الاعتراف الامريكي بشرعية سيادة المغرب على صحرائه هو قرار للدولة الأمريكية، وليس قرارا للسفير الأمريكي بالرباط الذي ينفذ فقط قرارات دولته، كما أن هذا الرجل وطني يسهر على خدمة مصالح دولته، ولا يمكن أن يكون دمية في يد أية دولة أجنبية، كما هو حال الجنرال نزار وعصابته.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ أوحى هذا الجنرال لأحد الصحفيين المرتزقة التابعين له بكتابة مقال يريد من ورائه إيهام الرأي العام الجزائري بأن للمغرب مخططات للتدخل في الشأن الداخلي الجزائري، مع أن المغرب بريء من هذا الافتراء براءة الذئب من دم يوسف، لأن للمغرب أخلاقا تجعله ينأى بنفسه عن التدخل في الشؤون الداخلية لجيرانه، وهذا ما سأقدم عليه الدليل قبل أن أختم هذه الورقة.
يدعي الجنرال على لسان كاتب هذا المقال أن المغرب سيطلب من الولايات المتحدة الأمريكية أن تصنف "البوليساريو" منظمة إرهابية، وأن تعتبر الجزائر داعمة للإرهاب، ما ستنجم عنه عقوبات في حق الجزائر التي سيفرض عليها المجتمع الدولي حصارا، حيث سيتم حظر بيع بترولها وغازها، مما سينعكس سلبا على الأوضاع الاجتماعية للشعب الجزائري، الأمر الذي قد يؤدي إلى قلاقل وفتن، حيث ستحدث انقسامات بيم مختلف مكونات الشعب الجزائري. وقد يؤدي ذلك إلى نزاع مسلح وتمزق، إذ قد يطلب جنوب الجزائر المهمش بالانفصال عن دولة الشمال التي تقصيه وتهمله، ولا تهتم به. كما من المحتمل، حسب المقال، أن يتدخل الاتحاد الأوروبي لرأب الصدع بين المتناحرين، ما سيفقد الجزائر سيادتها. وقد تكلف الأمم المتحدثة مبعوثا أمميا لإيجاد حل بين الأطراف المتنازعة. إضافة إلى ذلك، سيتم إنشاء دولة "أزواد" باقتطاع جزء من الجنوب الجزائري، وجزء من شمال كل من مالي والنيجر.
يبدو أن هذه المسرحية التي اختلقها الجنرال نزار تدل على رغبته العميقة في إلهاء الشعب الجزائري وصرف انتباهه عن مشاكله الاجتماعية الكثيرة، وصرف انتباهه إلى الخارج. وما لا يريد أن يعترف به هذا الجنرال وعصابته هو أن "البوليساريو" تنظيم إرهابي لأنه يستقبل الإرهابيين من كل حدب وصوب، بل إنه يؤطرهم ويدربهم على استخدام مختلف الأسلحة، حيث تمرنت زمرته على ذلك على يد مليشيات حزب الله التي دربتها على حرب العصابات وحفر الخنادق. وقد كان ذلك بقرار من حكام إيران. وليعلم نزار أن القوى العظمى تعلم كل شيء عن الأعمال الإرهابية لـ"البوليساريو" وما يتوصل به من دعم وتأطير وتوجيه من قبل جنرالات الجزائر. هكذا، فإن للقوى العظمى حضورا في دول الساحل والصحراء التونسية والليبية وشمال مالي وموريتانيا، ما يجعلها تتوفر على كل المعطيات التي يريد خالد نزار التغطية عليها ببلادة إنسان ينتمي فكريا إلى عصر بائد.
وإذا كان خالد نزار يتهم المغرب بالتدخل في الشؤون الداخلية للجزائر، فإن هذا يؤكد أنه على علم بأن القوى العظمى تعلم بالنوايا التوسعية لجنرالات الجزائر، وما يقومون به من قلاقل وأحداث دامية حتى ينعدم الاستقرار ويخلو لهم المجال ليتمكنوا هم وحلفاؤهم من احتلال المنطقة وبسط سيطرتهم عليها. إن جنرالات الجزائر هم الذين يحشرون أنفهم في الشؤون الداخلية لجيرانهم؛ ألم يتدخلوا في الشأن الداخلي الموريتاني، حيث قلبوا نظام الرئيس المختار ولد داده؟ ألم يخططوا لاحتلال هذا البلد؟ ألم يخلقوا "البوليساريو" لفصل الصحراء المغربية عن وطنها الأب، بهدف احتلالها بعد أن يتم لهم انفصالها عن المغرب؟ ولماذا ما يزالون يحتلون أراض مغربية وتونسية وليبية؟ ولماذا يخططون لاحتلال موريتانيا ودول الساحل؟ ألا يعني هذا أنهم حركة مناهضة للتحرر؟ ألم ينظموا اعتداء على مدينة قفصة التونسية الواقعة في الجنوب الغربي لتونس، حيث بعثوا بميليشيات مولوها وسلحوها ودربوها لاحتلال ثكنة عسكرية بهذه المدينة وقتل حراسها وجنودها، وبعد ذلك انتقلوا إلى الشوارع وفتكوا بالمارة؟ ألم يتدخل جنرالات الجزائر في شمال مالي عبر تكوين جماعات الإرهاب هناك وتسليحها وتكليفها بارتكاب الكثير من الأعمال الإرهابية والمتاجرة في البشر والأسلحة وتهريب المخدرات...؟ ألم يحشدوا الجيوش على الحدود الليبية للضغط من أجل أن يكونوا طرفا في الحوار الليبي؟ ألم يسحبوا جنودهم من الحدود الليبية خوفا من ردة فعل القوى العظمى الغربية تعلم بطموحاتها التوسعية وباشتغالها ضد الامن القومي لهذه القوى؟ ألم يتدخلوا في الانتخابات الرئاسية في بلاد النيجر، وباؤوا بالفشل في مخططهم؟...
هكذا، يتضح أن افتراءات خالد نزار ضد المغرب هدفها تبرئة ذمة جنرالات الجزائر، علما أن هؤلاء يعرفون حق المعرفة أن العالم كله على علم بمؤامرتهم وألاعيبهم ضد جيرانهم وضد الأمن القومي للقوى الغربية، كما يتضح أن الجنرال نزار يسعى إلى تبرئة نفسه وعصابته لأنه يعلم أنهم سيدفعون قريبا ثمن ما يرتكبونه من جرائم.
إن المغرب والمغاربة يحبون الشعب الجزائري الشقيق، ويتمنون له الاستقرار والتقدم... ونحن نرحب بهم في المغرب، كما أننا على علم بأن حكام الجزائر لا يريدون فتح الحدود مع المغرب ليمنعوا الجزائريين من زيارة المغرب، لأنهم يخافون من تبعات ذلك، حيث يخشون تبعات اكتشاف الجزائريين للتقدم الحاصل في المغرب مقارنة ببلادهم التي لها موارد تفوق موارده. ونظرا لكون هؤلاء الحكام ينهبون عائدات بترول الجزائر وغازها، هم يعتقدون أن زيارة الجزائريين للمغرب ستجعلهم ينتفضون ضد حكامهم، حيث بدأ الشعب الجزائري في مختلف المدن يرفع شعارات يطالب فيها برحيل النظام العسكري وتعويضه بدولة مدنية ديمقراطية...