الثلاثاء 2 مارس 2021
فن وثقافة

فؤاد شردودي يرصد رحلته مع الشعر والتشكيل في "مدارات" التهاني

فؤاد شردودي يرصد رحلته مع الشعر والتشكيل في "مدارات" التهاني الشاعر والتشكيلي فؤاد شردودي (يمينا) والزميل عبد الإله التهاني

حل الشاعر والفنان التشكيلي، فؤاد شردودي، ضيفا، في حلقة جديدة من حوار الثقافة والمجتمع، ليلة السبت 16 يناير 2021، على ضفاف برنامج "مدارات"، الذي يعده ويقدمه الزميل عبد الإله التهاني، حيث سافر عشاق البرنامج مع الضيف في رحلة مائزة مع الشعر والفن التشكيلي، ونزوع الفنان والشاعر فؤاد شردودي المبكر للرسم، فضلا عن تعلقه بالكتابة الشعرية، وتأسيسه لازدواجية إبداعية، تراوح بين التعبير بالألوان والكلمات، حيث يتآلف فيها الشعر والفن التشكيلي.

في هذه الحلقة، التي تابعتها "أنفاس بريس"، مع المستمعات والمستمعين، تحدث ضيف "مدارات" عن خصوصيات إنتاجه التشكيلي وهويته الإبداعية المطبوعة بتجريدية تعبيرية، ورهانه على ألوان بذاتها، إضافة إلى وقوفه عند طبيعة الحساسية التشكيلية الجديدة، كما جسدها الجيل الحالي من الفنانين التشكيليين المغاربة، وكذا رؤية فؤاد شردودي بشأن إعادة إرساء التربية البصرية في المنظومة التعليمية المغربية.

 

الزميل التهاني في تقديمه للفنان فؤاد شردودي وصفه بـ "الوجه الثقافي القادم من جغرافيا الألوان، شاعر قادم إلينا من خيالات وصور جمالية"، في حرابه "تآلف الشعر والفن التشكيلي" لينتج "رصيدا من الإصدارات الشعرية والعشرات من اللوحات التي ولدت من خيال فؤاد شردودي". ومن إصداراته التي أغنى بها الخزانة الشعرية: "السماء تغادر المحطة"، "ماسكا ذيل كوكب"، "من باب الاحتياط"، "عداوات يوم واحد".. فضلا عن مشاركاته في أروقة العشرات من المعارض الفنية داخل وخارج المغرب.

 

البدايات وإرهاصات الطفولة

 حول بداياته الطفولية قال الفنان شردودي "يصعب الإمساك بالبدايات وتحديد الجواب، المهم أنني لم أجد في وعيي المبكر سوى محفز الكتابة والرسم كطفل وتلميذ"، هذا الموقف فتح الباب أمام الضيف ليستحضر في حديثه "رجال تعليم لعبوا دورا أساسيا في تشكيل هذا الوعي المبكر في صف الابتدائي". وأوضح بأن أحد أفراد عائلته شقيق والدته "خالي الفنان و المبدع موسيقيا كان يرعى شغبي الفني منذ الطفولة، وكان يجلب إلي أوراقا للرسم وأقلاما ملونة ومجلات وقصص".

وعبر شردودي عن شعور الطفل فؤاد في مرحلة الابتدائي بالقول: "أكون سعيدا وأنا أسهر الليالي وبين يدي أوراق  وأقلام ملونة وأرسم ما يخطر ببالي"، نفس الشيء مارسه معه أحد رجال التعليم في الصف الابتدائي والذي "كان يقتني علبة أوراق وأقلام ملونة، ويجلسني على طاولة في الخلف، لأرسم صورا ومشاهد مختلفة (صيدلية، حمام، شرطي، طيور..) هذه الرسومات كان يوظفها الأستاذ في دروسه التوضيحية للتلاميذ، وكم كنت فخورا وأنا أشاهد رسوماتي معلقة على سبورة القسم".

طفولة الفنان فؤاد شردودي كانت "مليئة بما هو ثقافي وإبداعي" حسب تعبيره، وكان يحس بأن والده "كان بداخله فنانا لم تتح له فرصة التعبير، لأنه كان يحب رسوماتي وما أنتجه بحسي الطفولي".

 

ازدواجية مكملة بين الشعري والتشكيلي

عن سؤال الجمع بين الشعر والتشكيل قال ضيف الزميل التهاني "أنا لا أجيد الفصل بين التعبيرين، أومن بأنهما فعلان إبداعيان متكاملان، كلاهما يعتمد على الصورة أساسا له، لا أهرب من هذا إلى ذاك، أعيش بينهما في ود تام، كنت منشطرا بينهما مثل الطائر الذي يحلق بجناحين"؛ لذلك يعتبر شردودي بأن "الشعر رسم ناطق والرسم شعر صامت"، على اعتبار أن "التداخل بين الفنون والإبداعات جعل مني رساما يرسم بأربع أيادي (يقصد يد الشاعر ويد الرسام)".

 

دوافع الاختيار للمدرسة التجريدية

"الأمر كان بتخطيط وسبق إصرار"، يقول فؤاد شردودي، وأوضح بأن رسوماته الأولى "كانت واقعية وتشخيصية محضة (الطبيعة ومشاهد الجمال ...)"، لكنه سيكتشف أن "هذا الأسلوب في الرسم لا يعطي للرسام ذلك البعد التأويلي والنظري في أعماله"، بحكم أن التجريد هو "ملاذا للهروب من المباشرة ومن السطحية". وبصفته فنانا قال: "لا أعتبر نفسي داخل إطار جغرافي محدود.. كفنان أعكس ما يشغلني وما أخاطب به الإنسان، أخاطب به الكونية".

 

في الحاجة إلى التربية الفنية والجمالية بالمدرسة العمومية

 وعن سؤال التلقي والتعامل مع اللوحة، أكد ضيف حوار في الثقافة والمجتمع بأن "قراءة اللوحة تحتاج لمفاتيح جمالية ونقدية"، ولم يفته أن يوضح بأن في المغرب "كثير من العوائق" التي تحد من التفاعل مع الفن التشكيلي على مستوى "المدرسة، والعائلة، والمحيط"، لأن صعوبة قراءة اللوحة التجريدية مرده إلى "انعدام الوعي البصري".

في سياق متصل قال شردودي: "هناك تراجع كبير، الحاجة ملحة لتعزيز التربية الفنية والجمالية بالبرامج التعليمية"؛ وشدد على أن "المجتمع الذي يحترم شرطه التاريخي عليه أن يهتم بالجمال في المناهج التعليمية والتربوية لأنها تعتبر من مكونات الشخصية".

 

حديث في ألوان لوحات شردودي

"شخصيا أعتبر كل لوحة مغامرة خاصة، واللوحة سفر في عوالمي الذاتية وقراءتي للواقع.. فعلا هناك نسق لوني داخل أعمالي الفنية لكن لا أعتبره مقصودا، لأن داخل مختبر لوني معنى علما أنني أنجذب لهذه الألوان دون غيرها"، في إشارة لاستعمال اللون الرمادي الخفيف والأبيض والأسود والأصفر.. واستشهد الضيف بقولة الفنان إدريس بلمليح الذي قال: "الأزرق هو الفضاء الذي أرتاح فيه، هو لون الرومانسية الحالمة والقلقة أيضا، وهو لون التأمل". وأوضح بأن "الألوان مفتوحة على التأويل، وكل لون يحمل أسرارا، لأن الألوان حمالة أوجه وحمالة للمعنى، كل لوحة لها قراءتها ودلالتها"...

 

في شعره ولوحاته احتفال بالتجريد والسريالية

"عناويني الشعرية ألجأ فيها إلى ما يكون وفيا لتصوري الشعري، وهذا ينبع من استراتيجية بصرية في الشعر، من أجل أن أبعث روحا حية داخل القصيدة، العناوين تضعك أمام تصور لتدخل عالم النص ولو أنها عبارة عن رسالة مشفرة بين الشاعر والمتلقي"، يقول ضيف الزميل التهاني.

 الفنان فؤاد شردودي رغم أنه لا يؤمن بمقاربة التصنيف، "لأنها تنتهي مع مرور الوقت ، والشعر الجيد يمتد ويبقى.. لأننا نتحدث عن شعر وعن قصيدة"، فقد صنف نفسه في الحركة الشعرية من جيل التسعينيات "سنة 1994 بدأت النشر في مجموعة من المجلات والجرائد المغربية والعربية".

 

إرساء الجسور بين الشعر والتشكيل

كثيرا ما كتب الشعر ورسم، ليعكس الترابط القائم بين الشعر والتشكيل لذلك يقول: "الرسم والشعر يستدعيان بعضهما بالتحاور والتجاور"، وخاض تجارب عديدة في هذا المضمار "تجارب متعددة يحضر فيها الشعر بعنفوانه، وخصوصا معرضي سنة 2009 عن تجربة الشاعر الفلسطيني محمود درويش، ومعرض جماعي مشترك في أحضان بيت الشعر سنة 2018 احتفاء بعشرية محمود درويش..". لذلك يقول الشاعر والفنان فؤاد شردودي بأن "الحضور الشعري والألوان والصور البصرية تسكنني، وما يقودني أصلا هو السؤال البسيط الذي اتبع تفاصيله كضوء منفلت.. أخوض دائما تجارب جديدة، وأجد في ذلك متعة كبيرة وفرح طفولي ممتع".

 

حساسية تشكيلية جديدة

في هذا السياق أكد شردودي بأن "مسألة الحساسية تنبع من سؤال المغايرة" على مستوى "خطاب تشكيلي ظهرت ملامحه في بداية المدرسة التجريدية بالدار البيضاء مع عدة أسماء رسخت خطابا تشكيليا بصريا في المغرب يوافق أسئلة الهوية البصرية وأسئلة التراث والحداثة، تبحث عن أجوبة لأسئلة خارج حدود جغرافيا معينة".. وشدد ضيف التهاني على أن "كتابة نص جيد أو إنتاج لوحة جيدة هو نجاح في حد ذاته" مؤكدا على أنه لا يجيد "فعل أي شيء غير الكتابة والرسم وأكرس كل وقتي في ذلك"؛ مشيرا بالقول "لا أظن أن التشكيلي سيغلب الشاعر".