الجمعة 26 فبراير 2021
كتاب الرأي

الطنطاوي: البيجيديون ولغة «التفطاح» التي كشفت عن «اللسان طويل والذراع قصير»

الطنطاوي: البيجيديون ولغة «التفطاح» التي كشفت عن «اللسان طويل والذراع قصير» محمد الطنطاوي
مدة سنين ومختلف المدن المغربية تلتهمها سيول فيضانات فصل الشتاء الممطر، وفي كل مرة تستنفر السلطات العمومية إمكانياتها ومجهوداتها لحماية المواطنات والمواطنين من قلق وفتك الطبيعة بالإنسان وما تخلفه من مآسي اجتماعية وبيئية تصل إلى حد قطع الطرقات وانهيار المنازل عل رؤوس أهاليها، وتصدع منشآت القناطر والطرق.. ونفوق العديد من رؤوس الأغنام والأبقار وجرف المحاصيل الزراعية.
تسونامي الفيضانات والسيول الجارفة التي عرفتها عدة مدن مغربية في بحر الأسبوع الأول من شهر يناير 2021، يؤكد مرة أخرى أن المسؤولين عن تدبير الشأن العام و الحرص على جودة المرفق العمومي ينطبق عليهم المثل المغربي «اللسان طويل والذراع قصير».
خيبة أمل أصابت الشعب المغربي في عز الجائحة منذ شهر مارس 2020، والتي كشفت عن ضعف منظومتنا الصحية مقابل «تفطاح» الحكومة ومن يدورك في فلكها، لنستقبل سنة 2021 بخيبة أمل وبفضيحة حقيقة شعارات من قطر بهم سقف الحراك الفبرايري ذات سنة.
خيبة الشعب المغربي نتيجة التدبير الفاشل لـ «نخبة» البيجيدي بالعديد من المدن مدة عشر سنوات من تاريخ حكمهم باسم دستور 2011 الذي ربط بين المسؤولية والمحاسبة سواء داخل أروقة الحكومة ومجلس النواب بغرفتيه، أو بمجالس المدن والجهات والأقاليم والجماعات الترابية التي يدبرها واضعي أقنعة التدين بمؤسساتنا المنتخبة.
نحمد الله أن بضع مليمترات من أمطار الخير، لعبت أدوار لجان التفتيش ومارست غضبها على تقارير الغش والفساد المجمدة في الرفوف.. بضع ميليمترات ساءلت وعرت واقع بنيتنا التحتية المتهالكة، والتي رصدت لمشاريعها الملايير تلوى الأخرى، لإصلاح المنشآت الفنية وتعبيد الطرقات، والقناطر، وتعزيز بنية شرايين الشوارع والأزقة، وتقوية وتوسيع مجاري الصرف الصحي وقنوات التطهير، وكشفت بالملموس عن بهتان وزيف الشعارات الكاذبة المغلفة بالتدين والتي شنفت بها مسامعنا خطابات وبلاغات وبيانات الحزب «لامبا» الإسلامي الذي لا يجيد المنتسبين إليه إلا «تخراج العينين» و»التفطاح» بأقنعة مزيفة.
لقد سجلنا بقلق أن العديد من المدن التي يسيرها ويدبر شأنها المحلي «نخبة» العدالة والتنمية، عاشت تحت رحمة الفيضانات والسيول وانهيار المنازل بالأحياء العتيقة على رؤوس أهاليها، ولم يكلف نفس الحزب نفسه عناء تقديم اعتذار للشعب المكلوم، ولم يجرؤوا على تحمل مسؤولية فضيحة ما وقع بصفتهم كمنتخبين، ألم تكن تصريحاتهم وتلميحاتهم وأعذارهم أكثر غرابة وأقبح من الزلة؟
إن المسؤولية المباشرة يتحملها هؤلاء الجاثمين على صدر الشعب، والقانون التنظيمي المتعلق بالجامعات الترابية رقم 113/14 يقر بذلك، حيث حدد أن «المسؤولية المباشرة للمجالس المنتخبة في تدبير المرفق العمومية وتجويد خدماته..ومن بينها البنية التحية للصرف الصحي وقنوات التطهير تحت أرضية الشوارع والطرقات وداخل الأزقة والأحياء الشعبية (عمالة مقاطعات الدار البيضاء آنفا، وعمالة مقاطعات سيدي البرنوصي، و عمالة مقاطعات مولاي رشيد..) نموذجا.
إن القانون يحمل المسؤولية المباشرة من طينة هؤلاء المنتخبين بمختلف المؤسسات المنتخبة، إلا أن صقور العدالة والتنمية دائما يتملصون من التزاماتهم ويرمون باللائمة على الشركات التي تدبر المرفق العمومي في إطار صفقات يسهر على تطبيق شروط دفاتر تحملاتها رئيس الحكومة ووزيره وعمدته ورؤساء المجالس المحلية والإقليمية والجهوية.
فمن يحمي المال من أيادي الفساد والمفسدين؟ ألم يسند المشرع المغربي مهام المراقبة والمتابعة والحرص على سلامة وجودة الأشغال خلال فتح أوراش البناء والصيانة والإصلاح إلى هؤلاء المتملصين من المحاسبة والمساءلة؟
من المعلوم أن كل المؤسسات الجماعية تتوفر على مهندسين وتقنيين وفنيين، ولها من آليات العمل وتحقيق غاية جودة خدمات المرفق العمومي احتراما لأخلاق التعاقد مع المواطنات والمواطنين الذين يحولون الملايير من أموالهم لخزينة الدولة كضرائب متنوعة كل سنة، فكيف يتنكر حزب العدالة والتنمية بسهولة لمسؤوليته السياسية والاجتماعية أمام الشعب الذي أمطرته فيالق «القناديل والقنديلات» بشعاراتهم الزائفة؟ وهل نسي هؤلاء ما كان يرددوه من خطاب (الأمانة والثقة وطهارة اليد والقلب) ألستم أنتم من تؤمنون بقولة «رحم الله من عمل عملا وأتقنه»؟
واقع بئيس كشفت عنه هشاشة البينة التحتية بالعديد من المدن وخاصة بالعاصمة الاقتصادية الدار البيضاء والتي ارتهنت لسياسة البيجيدي في ميدان تدبير الشأن العام، واقع مقلق كشفه ضعف «نخبة البيجيدي» التي لا تفقه في أمور الحكم والتدبير والتسيير المعقلن، المؤسس على العمل الميداني واكتساب دراية ومعرفة بآليات الإدارة والقانون، والتمكن من وسائل التواصل والانفتاح على الشركاء بمختلف مواقعهم المؤسساتية بعيدا عن أساليب المكر.
صقور حزب «لامبا» يعرفون من أين تؤكل الكتف، وتمرسوا على صباغة صفات الحرام بلون الحلال باسم الدين، وإرضاء نزواتهم المكبوتة، بعد أن دخلوا لأنفاق نادي «الفساد» واستأنسوا بشخوصه وأمكنته، ولم يعد تقلقهم فضائح تبذير المال العام في الكماليات ضد خطاباتهم في المعارضة التي كانوا يتصدون بها لأغلبية حكومة التناوب في عهدة اليوسفي الوزير الأول قبل دستور 2011 الذي منح لرئيس الحكومة عدة اختصاصات وصلاحيات.
ألم يكن في مقدور منتخبي الإسلام السياسي أن يلغوا كل الكماليات التي تلتهم في الحسابات الإدارية لمجالسهم المنتخبة أضخم المصاريف وهي كثيرة؟ فما معنى أن يتنكر البيجيديون لخطاب التقشف في المصاريف، ويحولون اليوم الملايين لشراء السيارات الفارهة، والإبقاء على سفريات الأعضاء خارج الوطن، والإنعام عليهم بمنح منفوخة الأوداج؟ ألم يكن في مقدور هؤلاء تحويل تلك المصاريف الضخمة لتجديد وتقوية بنياتنا التحية وتعزيز قنوات التطهير ومجاري الرصف الصحي وبناء الطرقات والمنشآت.. أم أن روافد الإكراميات والهبات والهدايا سهلت مأمورية نهب فصول قطاع الغيار والمحرقات والصيانة والترميم..؟
لقد تحول فصل الشتاء من كل سنة إلى فترة يستعد لها المواطن المغربي لرثاء وضعه الاجتماعي ونعي قتلاه تحت رحمة الفيضانات في علاقة مع تدبير الشأن الوطني والمحلي من طرف نخبة العدالة والتنمية التي تتحكم في مفاصل عدة مدن مغربية، لكن الحقيقة المؤلمة التي يعرفها الجميع أنه كلما تصاعد عدد أرقام المليمترات من التساقطات المطرية، تصاعد معه عدد الرؤوس المطلوبة أمام العدالة من أجل المحاسبة.
لا يعقل أن تستمر مهزلة تعدد المهام، كيف يستقيم الضمير المهني ونخب من طينة المنتسبات والمنتسبين لحزب العدالة والتنمية تختلط مهامهم بين رئاسة الحكومة والوزارة وعمدة المدينة و رئيس مجلس إدارة وعضو بالمجلس الجهوي والإقليمي ومهام حزبية ودعوية ويستخلصون عائدات من رواتب ريع مقاعدهم التي التصقت مؤخراتهم فوقها.
محمد الطنطاوي، فاعل مدني