الخميس 25 فبراير 2021
سياسة

محمد الغلوسي: البراغماتية تحولت من خط سياسي لخط انتهازي داخل «البيجيدي» منذ حكومة بنكيران

محمد الغلوسي: البراغماتية تحولت من خط سياسي لخط انتهازي داخل «البيجيدي» منذ حكومة بنكيران محمد الغلوسي (يسارا) وعبد الإله بنكيران

يرى محمد الغلوسي، رئيس الجمعية المغربية لحماية المال العام، أن «البيجيدي» كان يعتقد أن تدبير الشأن العام يعد مسألة أخلاقية بالدرجة الأولى، لكن بينت التجربة أن هذا الحزب يفتقد للخبرة في التدبير والتسيير، مشيرا إلى أن الحزب اعتمد على النهج البراغماتي في الحقل السياسي، وفي التدبير السياسي. لكن للأسف فقد تحولت هذه البراغماتية من خط سياسي إلى خط انتهازي داخل الحزب، ناهيك عن افتقاده إلى الكفاءات التقنية والعلمية، مما جعله يواجه إشكالات كبيرة في تدبير مدن كبرى لها إكراهات ومطالب وانتظارات كبيرة في ما يتعلق بالبنيات التحتية، والمرافق العمومية، والخدمات العمومية.

 

+ كيف تقرأ فشل مختلف التجارب الجماعي التي يشرف عليها «البيجيدي» في عدد من المدن الكبرى، وأبرزها الدار البيضاء والتي كشفتها التساقطات المطرية الأخيرة؟

- كان "البيجيدي" يعتقد أن تدبير الشأن العام يعد مسألة أخلاقية بالدرجة الأولى، يعني يكفي أن يتصف الشخص بالأخلاق وأن يتقي الله وأن يتوفر على ضمير حي، وأن صفاء السريرة ونظافة اليد يعد عاملا كبيرا للنجاح في تدبير الشأن العمومي، في خلط واضح بين السياسة والدين. لكن بينت التجربة أن هذا الحزب يفتقد للخبرة في التدبير والتسيير، وقد خاض معارك كثيرة كي يثبت أنه حزب وطني وأنه لا يمكن أن يشكل أي خطر على النظام، فهو حزب عادي كغيره من الأحزاب المغربية، كما ظل يروج بأنه يتعرض للحصار لكونه يتبنى مرجعية دينية ومرجعية أخلاقية، وأن مناضليه وأطره يتمتعون بقدر عال من النزاهة الفكرية والأدبية. وبالتالي لا يخاف عليه من تولي مسؤولية تدبير الشأن العام، حيث قدم نفسه كبديل مستلهما تجربة حزب العدالة والتنمية بتركيا، حيث اعتمد على النهج البراغماتي في الحقل السياسي، وفي التدبير السياسي. لكن للأسف فقد تحولت هذه البراغماتية من خط سياسي إلى خط انتهازي، بالإضافة إلى ضعف الكفاءات التقنية والعلمية لأطر وأعضاء حزب العدالة والتنمية، وهو ما جعله يواجه إشكالات كبيرة في تدبير مدن كبرى لها إكراهات ومطالب وانتظارات كبيرة في ما يتعلق بالبنيات التحتية، والمرافق العمومية، والخدمات العمومية، وبالتالي فقد فاقت هذه المطالب عرض حزب العدالة والتنمية الذي يفتقد إلى تصورات، وإلى رؤية لتدبير المدن.

 

+ في هذا الإطار يمكن استحضار فضحية غرق مدينة الدار البيضاء في مياه الأمطار، والتي سبقتها فضائح أخرى بمدن أخرى يشرف على تسييرها «البيجيدي» في السنوات الماضية، فأين يكمن الخلل في نظرك؟

- حتى نكون منصفين، فساجد عمر لمدة طويلة كعمدة لمدينة الدار البيضاء، وبالتالي فالمشاكل التي تعاني منها المدن الكبرى تتحملها النخب التي تعاقبت على التسيير بشكل كبير، ومشكل تردي البنيات التحتية بالدار البيضاء لا يمكن أن نربطه بفترة 4 سنوات التي تحمل فيها حزب العدالة والتنمية مسؤولية تدبير الشأن المحلي فقط، بل هو تراكم لسنوات من التدبير الذي كانت تتحكم فيه بعض الجهات والمصالح التي تفرغت لخدمة المصالح الشخصية وخدمة بعض اللوبيات دون الالتفات إلى إشكالية التنمية، وإشكالية الخدمات العمومية في هذه المدينة.

 

+ ما رأيك في الرأي القائل إن «البيجيدي» هو أصلا لا يؤمن بالديمقراطية في تدبير الشأن المحلي، والدليل هو تهميش وإقصاء الأصوات المعارضة في عدد من المجالس التي يشرف على تسييرها، ويمكن أن نعطي نموذج جماعة ميدلت، ومجلس جهة درعة – تافيلالت؟

- حزب العدالة والتنمية يجسد جزءا من فكر الإخوان المسلمين الذي لا يؤمن أصلا بالديمقراطية ويختزلها فقط في صناديق الاقتراع، والأغلبية العددية، دون استحضار باقي القيم الأخرى للديمقراطية التي يرى أنها لم تنبت في تربة إسلامية، بل في تربة علمانية، غربية، خارج سياقنا الحضاري والثقافي. وبالتالي فحزب العدالة والتنمية اضطر في انتظار ظروف وشروط أخرى، بعد أن عاين ما وقع لتجربة حكم الإخوان في مصر، ونفس الأمر حصل في تونس، علما أن «البيجيدي» كان يطمح إلى تعميق هذا الفكر وترسيخه والتحول إلى قوة توتاليتارية وشمولية، ولا أدل على ذلك من التراجعات التي حصلت على المستوى الفني والثقافي والسينمائي، وتصنيف الفن إلى فن مقبول وآخر غير مقبول، ويمكن أن نذكر بمهاجمة عبد الإله بنكيران لصحفية تنتمي للقناة الثانية داخل المؤسسة التشريعية بسبب لباسها أمام الملأ، وأمام الكاميرات.

والعامل الثاني الذي يفسر انحناء «البيجيدي» هو أن الدولة وباقي الفاعلين السياسيين سمحوا لهذا الحزب بأن يدبر كل المدن الكبرى، وأن يتولى تدبير الشأن الحكومي، واصطدام حزب العدالة والتنمية بالمسؤولية وبالإكراهات الكبيرة، وتمدد أطماع بعض قادته، وبعض أطره، كما أن الارتقاء الاجتماعي الذي حصل لبعض قادته جعل هذا الحزب يراجع قليلا بعض توجهاته المرتبطة بالفكر الشمولي والفكر الأصولي، ولو على الأقل من الناحية العملية، وها هو ينحني مجددا لعاصفة التطبيع مع إسرائيل، وينحني أمام كل المواقف التي دافع عنها من قبيل محاربة الفساد والرشوة، ومحاكمة المفسدين وناهبي المال العام.

 

+ يرى البعض أن مؤسسات الحكامة التي وردت في الدستور، لم تتعاط بالشكل المطلوب مع الاختلالات المسجلة في تدبير الشأن المحلي بعدد من المدن الكبرى، وخصوصا الجماعات التي يشرف على تسييرها «البيجيدي»، فهل يعزى الأمر إلى حسابات سياسية معينة؟

- موضوع مؤسسات الحكامة ومحاربة الفساد، وتخليق الحياة العامة في المغرب حصل فيه نوع من التردد الكبير، نظرا لأن هذا الحقل تتدخل فيه عوامل متعددة، وفيه مصالح متعارضة، وبالتالي فاقتحام هذا المجال ليس بالأمر السهل، فالدولة نفسها والفاعلون السياسيون يتخوفون من اقتحام هذا المجال، لأن امتدادات هذا المجال قد لا تكون في حدود رئيس جماعة أو موظف، بل قد تمتد إلى أطراف أخرى في اللعبة السياسية، وبالتالي فهذا التخوف جعل التعاطي مع هذا الموضوع يتم بنوع من الحذر، فتقديم المتورطين في الفساد ينبغي أن يكون شاملا، ومادام أن هذا الأمر غير ممكن، فبعض الأطراف تتخوف من اتهامها باستهداف طرف دون آخر، لأن محاربة الفساد لا يقبل أن تخضع للانتقائية، وهو ما يفسر تعامل الدولة مع الموضوع بنوع من التدرج، ونوع من التريث، وفي أحيان كثيرة بنوع من التردد والتخوف، لذلك فهي تقدم بين الفينة والأخرى بعض الملفات هنا وهناك. وكما تعلم، فإن رؤساء الجماعات لا يشتغلون بمعزل عن الولاة والعمال ورجال السلطة، وهو الأمر الذي يفسر هذا التخوف من إعمال المحاسبة في حق عدد من رؤساء الجماعات المتورطين في الفساد، ولابد من الإشارة إلى أن موضوع محاربة الفساد وظف سياسيا من طرف حزب العدالة والتنمية وكانت فيه نوع من المزايدات، وقد رأينا كيف تم الإعلان في بداية حكومة بنكيران عن أسماء مستغلي بعض المقالع و رخص النقل، لكن توقفت هذه الأمور عند بدايتها، حيث اختار حزب العدالة والتنمية رفع الراية البيضاء، وإطلاق المقولة المشهورة عند عبد الإله بنكيران «عفا لله عما سلف»، فكان بمثابة خطاب طمأنة إلى المراكز المستفيدة من الفساد ومن الريع والرشوة.