السبت 16 يناير 2021
منبر أنفاس

سعيد اوبنعلي: حوامل إملشيل..نزيف لا ينتهي

سعيد اوبنعلي: حوامل إملشيل..نزيف لا ينتهي سعيد اوبنعلي
في الوقت الذي تتغنى فيه الدولة بالعدالة الاجتماعية والمجالية وتقريب الإدارة من المواطن، وقاعدة الرأسمال البشري أساس كل تنمية منشودة، وغيرها من الشعارات التي بشر بها الدستور الجديد، والتي يعتبر ما تسميه الدولة بورش الجهوية المتقدمة أصلها، وفي ظل سعي الدولة المغربية إلى تنزيل ما تسميه بالنموذج التنموي الجديد، لازال أهالي تخوم الجبال يعانون الويلات في خرق سافر لكل التشريعات الوضعية والسماوية كأنهم مواطنون من الدرجة الثانية، وما قضية حوامل إملشيل كنزيف مستمر سوى تجلي واضح لهذا الخرق، إذ الأروح البشرية لا تساوي شيء في مثل هذه المناطق الجبلية النائية التي يتعمق جرحها في فصل الشتاء من كل سنة بفعل امتزاج لعنة الجغرافيا مع مفعول السياسات العمومية الفاشلة، لتطل علينا أقلام مأجورة خبيثة بعناوين فارغة المحتوى تربط الأمر بالولادة التقليدية كأن المناطق الجبلية متوفرة على مستشفيات مجهزة بأحدث الوسائل وبالعدد الكافي من الأطر الطبية المختصة ورفض السكان الولوج إليها مفضلين اللاعلم عن العلم الطبي أو المخاطرة على الحياة، أو كأن للمرأة الحامل إمكانية تأجيل المخاض.
نعم لكل ذات أجلها ونحن كأمة إسلامية مؤمنون بالقدر، لكننا نسجل بأن موت حوامل إملشيل وأجنتهن هو موت سياسي أكثر منه بيولوجي، فأين تفعيل لجن اليقظة التي تحدثها الداخلية بمعية المجالس المنتخبة والأطر الصحية لمواجهة تداعيات موجة البرد باتخاذ تدابير إستباقية ناجعة؟ وعن هذا السؤال تتفرع أسئلة أخرى ملحة من قبيل: التدخل المستعجل لفك العزلة وإنقاذ الحوامل وباقي المرضى باستعمال المروحيات المجهزة كلما دعت الضرورة إلى ذلك.
إن ما يحدث لمنطقة إملشيل كغيرها من المناطق الجبلية النائية يسائل الدولة المغربية بكل مكوناتها مؤسسات مركزية ومصالح خارجية، منتخبين محليين وجهويين فعاليات مدنية وهيئات حقوقية مثقفات ومثقفين وعموم المواطنات والمواطنين، خاصة وأن التهميش الذي طال ويطال هذه المنطقة هو نتيجة مباشرة لسياسات عمومية كلاسيكية متراكمة لعقود طويلة تكرس ثنائية المركز والهامش في ضرب لمبدأ إلتقائية السياسات العمومية والديمقراطية التشاركية التي تمنح للمواطنين والمواطنات وفعاليات المجتمع المدني الوسائل والآليات القانونية الكفيلة بمساهمتهم في وضع برامج تنموية ملائمة لخصوصية المجال عرض الحائط، فاقتقار المناطق الجبلية لأبسط شروط العيش دليل ساطع على بطلان محتوى الجهوية المتقدمة وكل ما جاء به الدستور كأسمى وثيقة في البلاد، إذ لا يعقل أن نتحدث عن مجتمع حداثي والمسالك الطرقية التي تكشف الفيضانات عورتها في كل سنة تعود بنا إلى العصور الحجرية، ولا يستطيع السليم قطعها ناهيك عن الحوامل وباقي المرضى، مثلما لا يمكن الحديث عن مجتمع متقدم ومستشفياته الجهوية لا تقدم خدمات علاجية تستجيب لحاجبات المواطنين، وتمنح لكل من أراد القيام بالفحص عن طريق جهاز السكانير مواعد تقارب أحيانا خمسة أشهر أما المراكز الصحية والمستوصفات فقصة مؤلمة أخرى، حيث انعدام التجهيزات الطبية الضرورية وعدم تشغيل المتوفر منها، إلى جانب النقص الحاد في الأطر الطبية، ولا يمكن الحديث كذلك عن مجتمع متطور والمساطر الإدارية فيه معقدة الى درجة تجعل الفقير يفضل العودة إلى منزله حتى وإن لم يقض أغراضه. فاتقوا الله في أبناء تخوم الجبال يا مدبري شأن ذا البلد، وأيقظوا عقولكم كي تستوعبوا خطأ معادلة أن الفقير لا يمثل شيء بالنسبة للغني، اللهم كونه خزان انتخابي ضامن للحصول على كراسي تمكنكم من بلوغ أهدافكم بجعل السياسة مهنة وطريق أنجع للاغتناء، وعوضوها بمعادلة صحيحة جديدة كشفها وباء كورونا مفادها أن بناء البيت المحلي( المجتمع المحلي، طرقات ومدارس ومستشفيات..) هو الكفيل باستمراريتكم، فعلاجكم اليوم بعدما أغلقت الحدود بين الدول لا يمكنه أن يتم إلا في مجتمعكم المحلي يا إعوجاجيي الضمير، فترنموا المعاني يا من لازال ذهنه يشتغل، فاليوم حوامل إملشيل وغدا دوركم أنتم في حال استمرار نفس التدبير الفاشل.