السبت 16 يناير 2021
فن وثقافة

مصب نهر تانسيفت يروي حكايات قبيلة "ركراكة" و"السبعة رجال" بين الأمس واليوم (14)

مصب نهر تانسيفت يروي حكايات قبيلة "ركراكة" و"السبعة رجال" بين الأمس واليوم (14) مجموعة الشيخ عمر الزايدي مع الفنانة ميلودة

تمكن الوباء اللعين "كورونا" من تأجيل موسم طواف شرفاء "ركراكة" برسم سنة 2020، ووقفت الجائحة سدا منيعا ضد قبائل ركراكة والشياظمة وعبدة ودكالة وغيرهم في إحياء سنة التواصل الروحي والاجتماعي والاقتصادي.. وحرمتهم من الاحتفاء واستحضار موروثهم الشعبي وعاداتهم وطقوسهم وتقاليدهم التي ألفوا إقامتها كل سنة في فصل الربيع (بعد خروج الليالي).

في سفر "أنفاس بريس" والنبش في موضوع ظاهرة موسم طواف "ركراكة" الضارب في القدم، بعد الاستعانة في الحلقة الأولى ببعض المصادر التاريخية التي تناولت "السبعة رجال" والتعريف بهم، وبعلاقتهم بالمجال والإنسان، وكيف استوطنوا الأرض وقاوموا الغزاة، للمحافظة على استقرارهم وأمنهم واستمرار نسبهم، وقدمنا ملخص لمحة تاريخية عن "ركراكة" و"السبعة رجال" والسفر في زمن حروبهم وصراعاتهم مع المحتل والغزاة، وكيف استطاعت القبلية ضمان استمرارها وصولا إلى ترسيخ هذا الموسم السنوي الذي يحج له المغاربة من كل أنحاء الوطن لإحياء صلة الرحم.

وتقاطرت الشهادات والحكايات على جريدة "أنفاس بريس" من أفواه الفنانين والمبدعين وشيوخ العيطة وفناني الحلقة، والمنتسبين لأهالي وشرفاء ركراكة، وأبناء القبائل المنتمين لأرض "سبعة رجال"، سواء لتوضيح أو تثمين وتعزيز ما جاء في حلقاتنا السباقة بخصوص سلسلة ملفنا الإعلامي الذي اخترنا له عنوان: (مصب نهر تانسيفت يروي حكايات قبيلة "ركراكة" و"السبعة رجال" بين الأمس واليوم).

في الحلقة الرابعة عشر من هذه السلسلة يحكي الشيخ عمر الزايدي عن رحلته الفنية التي سافر من خلالها مع موكب دور ركراكة خلال سنوات السبعينيات من القرن الماضي ليشتغل مع عدة شيوخ ومجموعات عنائية في حضرة أهالي ركراكة وليالي سمرهم التي تقام بالمجال الجغرافي لـ 44 ولي صالح.

 

رحلة صقر العيطة في سفره الوجداني والفني في حضرة دور ركراكة

رحلة صقر فن العيطة الشيخ عمر الزايدي التامني في الحياة منذ طفولته، منحته إدراك كل تفرعات الموسيقى والغناء والإيقاع، بعد أن ترعرع واشتد عوده في "وكر الفن العيطي" بحي مولاي الحسن المتاخم لأحياء سيدي عبد الكريم وواد الباشا وجنان الشقوري بأسفي، تلك الفضاءات التي تعتبر مفاتيح أبواب ومعالم مجال جغرافية عبدة الساحرة لولوج عاصمة السمك والفخار بحاضرة المحيط. من هذا المغرس العريق والمنبت الأصيل سافر الصقر بجناحين متوازنين نحو الأفق الرحب مسجلا مساره الفني رفقة العديد من الشيوخ والشيخات، كفنان مبدع وكاتب كلمات وملحن وعازف وضابط إيقاع ومغني وحفاظ لقصائد الملحون وأغاني العيطة والفن الشعبي بمختلف أصنافه ومواضيعه.

 

ساكنة حاضرة المحيط بمدينة أسفي خاصة ومنطقة عبدة عامة "تضبط جيدا توقيت انطلاق دور ركراكة الربيعي، على عقارب ساعة توديع الليالي حياني (شهر مارس)، بل أنها تمرست على ضبط خريطة جغرافيا دور ركراكة الذي ينطلق من منطقة جماعة تالمست وتحديدا من نقطة ضريح سيدي علي بن بوعلي حيث يتم بناء ونصب الخيمة الحمراء، وخروج (مول العودة) يتقدم الموكب، والإعلان عن افتتاح موسم الدور لزيارة 44 وليا صالحا في رحلة تواصلية بعمقها الروحي والصوفي والإنساني والاجتماعي والتجاري من موسم إلى آخر إلى أن يتفرق الجمع المبارك بمنطقة حد درا" يوضح الشيخ عمر الزايدي صقر فن العيطة.

 

ويسترسل الشيخ سي عمر في حكيه قائلا: "كانت الوفود تأتي من كل مدن المغرب، زوارا وضيوفا، سواء من مدينة أسفي والصويرة و الدار البيضاء ومكناس وفاس، ومن مراكش وتطوان وطنجة، ومدن الناظور وأكادير وكلميم وطنطان..."، هي رحلة ربيعية نحو الفرح وصناعة الفرجة وإحياء رابط الدم .

كل الزوايا والأضرحة والقبائل تستقبل زوارها وضيوفها وأهاليها لإحياء صلة الرحم وزيارة شرفاء ركراكة من أهل قرمود وأهل تالمست وأهل مرامر وأهل حد درا، وكل أهل الشياظمة وأهل حاحا.. الكل يأتي وفق ميعاد الزمن والمكان لممارسة طقوس وعادات الدور في جو أخوي وعائلي متميز.

 

وحسب الشيخ عمر فأن "ربايع الشيوخ والشيخات وفناني الحلقة، كانوا لا يفوتون فرصة الزيارة والمشاركة والاشتغال بالمجال الفني طيلة الدور، في حفلات وليالي السمر بالمواسم منهم مجموعات اليوسفية، وأسفي، والصويرة، ومنطقة الغرب، والدار البيضاء، ومراكش وخريبكة.. أغلب الفرق تعتبر الدور سانحة للقاء والتواصل وتبادل الخبرات والتجارب الفنية، وفرصة لإحياء لمة لفراجة والفرح مع زبنائهم من أهالي شرفاء ركراكة".

ويحكي صقر العيطة عن واقع حال تلك الفترة بالقول: "كانت الفرق الغنائية تكتري غرفا للإقامة بالمواسم، وتتعاقد مع الزبناء لإحياء حفلات فنية أو ليالي سمر عائلية بعدة مناطق تستنفر طاقة شبابها ورجالاتها لضيافة الوافدين والمدعوين.. الجميل الذي نفتقده اليوم هو أنك كنت تجد أهالي الدواوير المحيطة بنقطة الموسم تقيم ليالي السمر والحفلات الفنية ليلا في أجواء احتفالية وتواصلية دون أدنى مشكل تنظيمي".

 

كل موسم من مجموع مواسم دور ركراكة (44 ولي صالح)، يبهرك بحلقات الذكر وتلاوة القرآن بأصوات خاشعة طيلة النهار، وتوزيع الأدعية على الناس، وتلقي الزيارة والهدايا والتبرعات، واستقبال أصناف الوجبات الغذائية داخل الخيمة الحمراء، وداخل الخيم المنصوبة هنا وهناك، وببعض المنازل المحيطة بالموسم.

"أربع وأربعين يوما تتوزع بين الشعائر والطقوس الدينية، والفرجة الفنية، وانتعاش الحركة الاقتصادية، وإحياء روابط الدم والعلاقات الاجتماعية.. أينما وليت وجهك تجد حلقات من الذكر والابتهال والأدعية التي تنطق بها ألسن وقلوب الشرفاء ولمجاديب وأهل الحال... تتخللها موائد التغذية، وصواني الشاي والمكسرات والحلويات وأنواع الفطائر"، هكذا يصف الشيخ عمر المشاهد التي ظلت راسخة في رحلاته الربيعية لدور ركراكة.

 

ويستحضر ضيف الجريدة عروض فرجة فن الحلقة خلال دور ركراكة قائلا: "جميع محترفي فن الحلقة بالمغرب يرحلون صوب دور ركراكة لتقديم عروضهم الفنية، ويتبعون الموكب من موسم لآخر، ويقيمون فسحتهم الفرجوية نهارا في أسواق المواسم، وبالليل في حضرة أعيان وعائلات أهل ركراكة لصناعة الفرح رفقة المجموعات الغنائية". مؤكدا أنه "طيلة مرافقتي للدور في تلك الفترة لم أشاهد أو أسجل أي صدام أو شجار بين الناس، لم أسمع ضجيجا أو وقع أمامي أي نزاع خلال السهرات وليالي السمر، كنا نشتغل بدون مكبرات الصوت، نعتمد على الآلات الوترية وصوت الشيخة الطباعة وأفراد المجموعة يخترق سكون ليل المواسم ويتردد صداه بعيدا".

 

يمتاز موسم ركراكة، حسب السي عمر، بحسن تنظيم الفرجة الفنية، لأن أهالي المنطقة يحبون كلام العيطة، ومجبولون على حسن الإصغاء والانضباط والاحترام، والهدوء التام "شيوخ كبار قدموا عروضهم الفنية في شروط ناجحة بسبب انضباط الجمهور واحترامه للشيخات والشيوخ الكبار من أمثال الشيخ الدعباجي والشيخ الحلاوي، والسي ابراهيم، والشيخ الزوادح، والشيخ الصاحيب بلمعطي، وصالح المكناسي و السمعلي،... والشيخة الحاجة عبوش الهداوية والشيخ بلحسن"...

 

في هذا السياق يوضح صقر العيطة: "حين ينطلق القوس في العزف على الكمان وتقاسيم آلة العود، يعم صمت رهيب في فضاء الفرجة الذي يتسع في بعض المناسبات لأكثر من 600 متفرج تحت نور ضوء الفانوس (لامبة) وبدون مكبر الصوت.."

 

من المعلوم أنه في تلك الفترة كان شرفاء ركراكة "يعقدون جلسات تطبيق العرف ضد كل من أخل بواجب الاحترام والأخلاق، لم يكن (المخزن) يتدخل في النزاعات الهامشية أو بعض الأحداث العابرة والمناوشات البسيطة خلال الدور، كل ملفات القضايا متروك معالجتها وتصفيتها والحسم فيها عن طريق العرف والعادة وكلمة الحكم تعود في الأخير لشرفاء ركراكة لحرار"، يوضح الشيخ الزايدي التامني، "كل قضايا الصدام بين البعض تحال ملفاتها على الخيمة الحمراء لشرفاء ركراكة، منهم فقهاء، وطلبة علم، ومقدمين شيوخ من القبائل هم من يفضون النزاعات بين الناس ويحكمون ويفصلون في النزاعات وكانت أغلب القضايا بعد الاستماع لأطرافها تحل عن طريق التسامح والصلح في حضرة ركراكة".

 

شرفاء ركراكة الذين يتنقلون مع الخيمة الحمراء من موسم إلى أخرى هم من أهالي القبيلة بمراتب مختلفة على مستوى قيادة موكب ركراكة منهم "مقدم الدور، ومقدم الزاوية، ومول العودة، وفقهاء من الطلبة الذين يرتلون القرآن الكريم بفضاءات الذر والابتهالات، ورجال يتكلفون بقراءة الفاتحة وتوزيع الأدعية.. ومرافقين" لذلك هم مسندون من طرف أهاليهم ومحبيهم حيث "تتقاطر عليهم أصناف الوجباتهم الغذائية من مختلف الدواوير، وتقدم لهم (فتوح) الزيارة والهدايا والتبرعات المادية و العينية مثل السكر والشمع وحتى بعض الملابس التقليدية التي تليق بمقام الشرفاء ولم لا بعض القرابين".

 

كان صقر العيطة يقضي مع أفراد المجموعات التي اشتغل معهم خلال مواسم دور ركراكة في أجواء كلها "طقوس رائعة، نتبع الموكب من موسم لآخر، مدة 44 يوما (لليلة على ليلة) لإحياء وصلات السهر والطرب والغناء بين أهالي ركراكة"، ويستحضر بمرح وألق رحلة التجربة قائلا: "كنا نخرج من مدينة أسفي في أول يوم من الدور، ونتبع الموكب عدة أيام وأسابيع بدون الظفر بفرصة استحمام إلا بعد رجوعنا لمدينة الصويرة.. كنا نرافق الدور من منطقة تالمست ونشق الطريق نحو أسفي في اتجاه سيدي أحسين مول الباب، وسيدي بن قاسم، وندخل عبر سيدي صالح، ونتجه صوب منطقة أقرمود لنتجه نحو الصويرة ونعود لتاكركوست في اتجاه العد العكسي لانتهاء الدور نحو ما تبقى من مواسم.. آخرها حد أدرا.. بسيدي بن معاشو".