الثلاثاء 7 ديسمبر 2021
فن وثقافة

مصب نهر تانسيفت يروي حكايات قبيلة "ركراكة" و"السبعة رجال" بين الأمس واليوم (13)

مصب نهر تانسيفت يروي حكايات قبيلة "ركراكة" و"السبعة رجال" بين الأمس واليوم (13) الفنان أحميد بجانب الأمير العياشي ومشهد من عرض "لجواد" برياض فاس سنوات السبعينيات

تمكن الوباء اللعين "كورونا" من تأجيل موسم طواف شرفاء "ركراكة" برسم سنة 2020، ووقفت الجائحة سدا منيعا ضد قبائل ركراكة و الشياظمة و عبدة و دكالة وغيرهم في إحياء سنة التواصل الروحي والاجتماعي والاقتصادي.. وحرمتهم من الاحتفاء واستحضار موروثهم الشعبي وعاداتهم وطقوسهم وتقاليدهم التي ألفوا إقامتها كل سنة في فصل الربيع (بعد خروج الليالي).

 

في سفر "أنفاس بريس" والنبش في موضوع ظاهرة موسم طواف "ركراكة" الضارب في القدم، بعد الاستعانة في الحلقة الأولى ببعض المصادر التاريخية التي تناولت "السبعة رجال" والتعريف بهم، وبعلاقتهم بالمجال والإنسان، وكيف استوطنوا الأرض وقاوموا الغزاة، للمحافظة على استقرارهم وأمنهم واستمرار نسبهم، وقدمنا ملخص لمحة تاريخية عن "ركراكة" و"السبعة رجال" والسفر في زمن حروبهم وصراعاتهم مع المحتل والغزاة، وكيف استطاعت القبلية ضمان استمرارها وصولا إلى ترسيخ هذا الموسم السنوي الذي يحج له المغاربة من كل أنحاء الوطن لإحياء صلة الرحم.

 

لقد تقاطرت الشهادات والحكايات على جريدة "أنفاس بريس" من أفواه الفنانين والمبدعين وشيوخ العيطة وفناني الحلقة، والمنتسبين لأهالي وشرفاء ركراكة، وأبناء القبائل المنتمين لأرض "سبعة رجال"، سواء لتوضيح أو تثمين وتعزيز ما جاء في حلقاتنا السباقة بخصوص سلسلة ملفنا الإعلامي الذي اخترنا له عنوان: (مصب نهر تانسيفت يروي حكايات قبيلة "ركراكة" و"السبعة رجال" بين الأمس واليوم ) .

في هذا السياق نقدم الحلقة الثالثة عشر من هذه السلسلة، والتي استضافت من خلالها الجريدة فنان الظاهرة الغيوانية، مؤسس فرقة "لجواد" و مجموعة أبنات الغيوان المبدع أحميدة الباهيري، ليروي لنا قصة ذكريات ارتباطه الروحي والعاطفي مع تربة صلحاء ركراكة، ومن هي الشخصيات التي أثرت في مساره الطفولي، وساهمت في مشواره الإبداعي، وعلاقته بالأمكنة التي ظلت راسخة في ذهنه وشكلت انعطافة في حياته الفنية، وخصوصا ملهى "رياض فاس" لمالكه البطل العالمي في رياضة المصارعة الأمير العياشي الركراكي.

مدرسة "رياض فاس" كانت تجربة غنية عرفت فيها معنى أن تكون "ركراكيا" أصيلا

كانت حكاية الرحلة الثانية من سفر الفنان أحميدة الباهيري لدور ركراكة سنة 1999، و عمره 37 سنة، الخيط الناظم بينها وبين السفر الأول لأرض ركراكة بمنطقة الشياظمة و حاحا وعمره لا يتجاوز ستة سنوات في صيف سنة 1962، والتي مازالت مشاهدها حاضرة في ذهن الطفل أحميدة و تنعش ذاكرته المتقدة التي ساعدته في صقل مواهبه وتفجير طاقته الفنية منذ رعيان شبابه، بعد أن اكتسب مهارات الإيقاع و العزف والغناء في زمن المجموعات الغنائية الرائدة التي رافقها في المشهد الموسيقي والفني سنوات السبعينيات.

ولع الطفل أحميدة ابن مدينة مراكش بالموسيقى والغناء والثقافة الشعبية بمختلف روافدها، سينمو ويتمدد مع رحيل العائلة للدار البيضاء ورجوعها لمدينة البهجة والنخيل، حيث تشكل وعيه الاجتماعي والثقافي والفني من خلال تأثير مشاهد جامع الفنا ومظاهر الفرجة والفرح في شخصيته التي ترعرعت بفعل تجارب مختبر الحي المحمدي بالدار البيضاء، الذي كان يعج بالمبدعين والفنانين والنجوم وأهل الحال، بالإضافة إلى ترسب أحداث ومشاهد الطفولة في رحلته المبكرة لبادية ركراكة.

في سنة 1974 لما شاء القدر أن ينسحب الفنان أحميدة من مجموعة المشاهب، قرر تكوين مجموعة "لجواد" التي انطلقت في الساحة الفنية من مدينة الدار البيضاء، وكانت الفرقة تتكون من الفنانين أحميدة وأخاه سي محمد الباهيري، والفنان اللوز (رحمة الله عليه)، والفنانة حليمة الحجاجي (رحمة الله عليها)، والتحقت فيما بعد الفنانة سكينة.. وآخرين

في هذا السياق يقول الفنان أحميدة "صعب جدا أن تعيش في مدينة بحجم الدار البيضاء وأنت لا تضمن لقمة عيشك ومتطلبات الحياة وفي نفس الوقت تبحث عن استقرار مسيرتك الفنية ونجاحها، لذلك قررنا البحث عن العمل وتقديم إبداعاتنا الفنية أمام الجمهور"، مع العلم أن في تلك الفترة كانت المهرجانات قليلة وفرص تقديم سهرات أمام الجمهور منعدمة تماما ..لينتصب سؤال كيف سيعيش الفنان ويبدع في هذه الظروف الصعبة.

ألم يكن أحميدة في خلوته في تلك الفترة قد فكر في شرفاء ركراكة وكرمهم وجودهم، واستحضر أدعيتهم وابتهالاتهم وبركتهم وطقوسهم الإحتفالية لتكون فأل خير عليه وهو يغني في صمت وجودي مقطع من أغنية جيل جيلالة "لجواد آآآ لجواد ضماني، أنا فعاركم آآآ رجال الله لا دوزوني "؟، ألم يكن قد تمنى في قرارات نفسه أن تحيطه عناية الشرفاء وتسدي له خدمة تيسر له وللمجموعة فرصة عمل بمدينة الدار البيضاء، لضمان قوتهم اليومي رفقة أفراد مجموعة "لجواد"؟

"لقد سخر لنا القدر أحد عناصر الأمن الوطني، الذي اقترح علينا الإشتغال بأحد الملاهي الليلية بمدينة الدار البيضاء سنة 1974، وفاتحني في الموضوع ..فقبلت العرض طبعا بعد نقاش مقنع من أعضاء المجموعة"، يوضح الفنان أحميدة الذي أضاف بأن "المجموعات الغنائية آنذاك لم تكن تقبل تقديم عروضها الفنية والغناء في الملاهي الليلية". لكن أحميدة القادم رفقة "لجواد" من مدينة مراكش تنتصب أمامه دائما أسئلة الإندماج والعيش في الدار البيضاء مثل سائر الفنانين والمبدعين، وهو الذي مازال غريبا عن محيطها الاجتماعي ويبحث عن الإستقرار وضمان نجاح مشروعه الفني الذي خطط له؟

"نعم كان اقتراح رجل الأمن صائبا واعتبرناه متنفسا ماديا لضمان الاستقرار والمضي في مشوارنا الفني، وقررنا الإشتغال بملهى رياض فاس عند صاحبة البطل العالمي في رياضة المصارعة الحرة الأمير العياشي سليل شرفاء ركراكة بمنطقة مرامر، المعروفة بموسمها السنوي ضمن الدور".

البطل الأمير العياشي الركراكي ـ حسب العديد من الشهادات ـ كان قد سافر واستقر في فرنسا في بداية الستينيات لممارسة رياضة المصارعة الحرة التي كانت مشهورة في المغرب وتحضا باهتمام الرياضيين، وكان حريصا على نجوميته، بعد أن تزوج إحدى الفرنسيات التي رافقته في مشوار حياته حيث سيقرر العودة إلى المغرب، وقرر شراء رياض فاس وإدارة مشروعه الاستثماري.

سنة 1974 كانت نقطة بداية اشتغال مجموعة لجواد برآسة الفنان أحميد الباهيري في بملهى رياض فاس بالدار البيضاء، حيث يقول أحميدة "شاءت الأقدار مرة ثالثة أن أكون في حضرة رجال ركراكة بفضل اشتغالنا عند الأمير العياشي برياض فاس، و وجدت في تلك الفترة رفقة لجواد، العديد من الفنانين الكبار، و أغلب مجموعات الشيوخ و الشيخات، يؤدون عروضهم الفنية بالملهى الليلي المذكور، مثل أولاد بن عكيدة من أسفي، وشيوخ الدار البيضاء و عمالقة الروايس الأمازيغ من ملوك العزف على آلة الرباب مثل الرايس بونصير، والرايس أبيزماون، والرايس بولمسايل، ومولاي أحمد لمدن...والفنانة الزيانية عايشة أوعلا....وغيرهم من الفنانين والفنانات".

ثلاثة محطات في حياة الفنان أحميدة قاسمها المشترك السفر في حضرة رجال ركراكة لحرار، و شرفاء "السبعة رجال"، كلها توزعت تواريخها بين سنوات 1962 و 1974 و 1999 ودونت أحداثها ومشاهدها في ذاكرة الطفل والشاب وفنان المستقبل بمداد الفخر والاعتزاز والاعتراف بمكانة أهالي ركراكة في خاطره .

كانت ظروف الاشتغال بالملهى الليلي طيلة أربع سنوات جد مشجعة ـ حسب تصريح أحميدة الباهيري ـ بقوله: "كانت ظروف العمل جيدة، وضمنا مدخولا ماليا محترما بعد أن مكننا البطل الأمير العياشي من أجر شهري لكل أفراد مجموعة لجواد، وكان حريصا على أن لا نبذر مستحقاتنا الشهرية، ونكتفي بالعيش من مداخيل لغرامة التي كانت وفيرة وسخية من طرف عشاقنا من زبناء ملهى رياض فاس الليلي".

يحكي أحميدة قائلا:"كنا نفتتح عروضنا الفنية بملهى رياض فاس ابتداء من الساعة 9 ليلا وتمتد سهراتنا مع الزبناء إلى غاية الساعة 6 صباحا في جو حميمي وأخوي طابعه السمر والإنتشاء بالطرب والموسيقى والغناء، واستطعنا أن نصقل مواهبنا على مستوى العزف والإيقاع وأداء مختلف الأغاني، واستأنسنا مع الجمهور بفعل تراكم تجربتنا وغناها الفني والاجتماعي والتواصلي طيلة أربع سنوات".

في حديثه عن رحلة الإشتغال مدة أربع سنوات برياض فاس بفضل تدخل رجل الأمن و استجابة الأمير العياشي الركراكي قال لقد "داع صيتنا، ونقل زبناء الملهى مستوانا الفني لأصدقائهم ومعارفهم، و اقتنعوا بجودة عروضنا الموسيقية، خصوصا بعد مشاركتنا الغناء بشكل تطوعي ومن أجل الفن وإرواء عطشهم الموسيقي والغنائي فطاحلة الظاهرة الغيوانية من أمثال الفنان عبد الكريم القصبجي، والعربي باطما وبعض عناصر تكادة".

هذا المنعطف الفني سيفتح الباب أمام مجموعات شعبية وفنانين آخرين للإشتغال بالملاهي الليلية بالدار البيضاء، لكن مع مرور الزمن سيكتشف الفنان أحميدة خطورة العمل بالملهى الليلي طيلة أربع سنوات متتالية حيث يقول: "صعب جدا أن نستمر في الإشتغال مدة أربع سنوات، كل ليلة غناء وعزف... الملهى الليلي يقتل الفنان والمبدع، لا يعرفك إلا نساء و رجال الليل.. ولا تستقيم الحياة الطبيعية ونحن لا نخرج إلا تحت جنح الظلام نحو الملهى الليلي، بعد نومنا طيلة اليوم بعيدا عن حركة النهار.."، هكذا ستقرر المجموعة الخروج للعلن والبحث عن موطأ قدم في الساحة الفنية أمام جمهور متعطش للظاهرة الغيوانية لكن بشروط أخرى بعيدا عن الملاهي الليلية.

نعم لقد "قررنا التوقف عن العمل برياض فاس، والخروج للميدان الفني ومعانقة الجمهور المغربي، وتسجيل ألبومات غنائية بعد أن اكتسبنا مهارات وامتلكنا ثقافة فنية وموسيقية وغنائية" يوضح أحميد الباهيري.

رحلة الإشتغال بالمدرسة الفنية والاجتماعية سنة 1974، بملهى رياض فاس لمالكه الأمير العياشي الركراكي (رحمة الله عليه) شكلت قيمة مضافة لمجموعة لجواد والفنان أحميدة الذي يذكر خصال الرجل "كان كريما وسخيا، يعطف علينا ويفكر في مستقبلنا، لقد عشنا مع الرجل لحظات خالدة في مسارنا الفني، واحتضننا في زمن الضياع طيلة أربع سنوات، ولم يكن يبخل عنا بنصائحه وتوجيهاته وحرصه على استثمار مداخلنا في الأشياء المهمة ذات الطابع الإنساني والاجتماعي والعائلي".

الرابط الروحي والوجداني للفنان أحميد مع أهالي ركراكة ظل راسخا وموثقا في ذاكرته، ولم يفاجئه كرم الأمير العياشي الركراكي، مشغله برياض فاس والذي كان كل سنة "يعد العدة كل موسم دور ركراكة، ليحط الرحال بأرض (السبعة رجال)، محملا بالسلع ومتطلبات تموين الدور، وجلب اليد العاملة التي تطبخ وتقدم الخدمة للضيوف والزوار، والمساهمة في حفلات وسهرات السمر التي كانت تقوم سنوات السبعينيات بأرض ركراكة الطيبين".