الأحد 29 مايو 2022
فن وثقافة

مصب نهر تانسيفت يروي حكايات قبيلة "ركراكة" و"السبعة رجال" بين الأمس واليوم (9)

مصب نهر تانسيفت يروي حكايات قبيلة "ركراكة" و"السبعة رجال" بين الأمس واليوم (9) الشيخ بوجمعة والشيخة حفيظة الحسناوية مع مجموعة أولاد بن عكيدة

تمكن الوباء اللعين "كورونا" من تأجيل موسم طواف شرفاء "ركراكة" برسم سنة 2020، ووقفت الجائحة سدا منيعا ضد قبائل ركراكة والشياظمة وعبدة ودكالة وغيرهم في إحياء سنة التواصل الروحي والاجتماعي والاقتصادي.. وحرمتهم من الاحتفاء واستحضار موروثهم الشعبي وعاداتهم وطقوسهم وتقاليدهم التي ألفوا إقامتها كل سنة في فصل الربيع (بعد خروج الليالي).

في سفر "أنفاس بريس" والنبش في موضوع ظاهرة موسم طواف "ركراكة" الضارب في القدم، بعد الاستعانة في الحلقة الأولى ببعض المصادر التاريخية التي تناولت "السبعة رجال" والتعريف بهم، وبعلاقتهم بالمجال والإنسان، وكيف استوطنوا الأرض وقاوموا الغزاة، للمحافظة على استقرارهم وأمنهم واستمرار نسبهم، وقدمنا ملخص لمحة تاريخية عن "ركراكة" و"السبعة رجال" والسفر في زمن حروبهم وصراعاتهم مع المحتل والغزاة، وكيف استطاعت القبلية ضمان استمرارها وصولا إلى ترسيخ هذا الموسم السنوي الذي يحج له المغاربة من كل أنحاء الوطن لإحياء صلة الرحم.

في الحلقة التاسعة من ذاكرة (مصب نهر تانسيفت يروي حكايات قبيلة "ركراكة" و"السبعة رجال" بين الأمس واليوم)، يستمر حكي الشيخ بوجمعة بن عكيدة للجريدة ليصف ارتباط المجموعة بـ "دور ركراكة" ارتباطا روحيا وعاطفيا ووجدانيا، ويروي الشيخ بوجمعة كيف جاءت فكرة مصاحبة أولاد بن عكيدة طواف ركراكة والانتقال من موسم إلى آخر سنة 1972/ 1973. وكيف تدبروا أمرهم. وأهم الصور والمشاهد الراسخة في ذهنه والتي كانت سببا رئيسيا في بلورة المشروع الفني ونجومية أولاد بن عكيدة.

 

"دور ركراكة" ساهم في بلورة المشروع الفني ونجومية مجموعة أولاد بن عكيدة

انتقال مجموعة أولاد بن عكيدة من موسم لآخر خلال دور ركراكة الربيعي سنة 1972، أكسبها تجربة مهمة على مستوى التواصل والتعامل مع أهالي المنطقة وعائلات ركراكة، ولقنتها مدرسة "سبعة رجال" سلوك التواضع والاحترام ونبل الأخلاق، سواء بمجال الشياظمة أو حاحا أثناء إقامة ليالي السمر وصناعة الفرح وفن الفرجة الشعبية، ونسجت في إبانه علاقات صداقة مع أعيان المنطقة ورجالاتها وبعض المسؤولين، وداع صيت أولاد بن عكيدة كمجموعة شابة تجيد أداء الغناء والموسيقى التقليدية وأنماط العيوط المغربية.

 

وحسب الشيخ سي بوجمعة فقد علمتهم مدرسة "دور ركراكة" المتنقلة من موسم إلى موسم عدة دروس منها: "كيف يمكن أن تكون شيخا متواضعا و محترما وصبورا، ولقنتنا التجربة كيف نحافظ على علاقات الود والإحترام بين أفراد المجموعة الغنائية ذكورا وإناثا، ومعنى أن تكسب قلب المتلقي المتعطش للحظة فرح إنسانية، وتساهم في تمرير رسائل عشق ثقافتنا الشعبية المتنوعة الروافد والخصوصيات، وكيف تستجيب لرغبات الجمهور وخصوصا في حضرة ناس وأهالي و صلحاء سبعة رجال".

 

تجربة شهر ونصف من الحركة المستمرة و التجوال عبر جغرافيا تضاريس صلحاء "دور ركراكة"، في رحلة أولاد بن عكيدة التواصلية، كانت بعبق روحية وديني وفني، و تخللتها مشاهد إنسانية واجتماعية تأسست على قواعد طقوس وعادات وتقاليد شرفاء و أهالي ركراكة، ظلت راسخة في الذهن سلوكا وممارسة، وكانت كافية لولادة المشروع الفني للمجموعة في علاقة مع دور "سبعة رجال" الذي كان سببا في إحداث منعطف تاريخي وجه بوصلة الفرقة الفنية.

 

لقد شربت فرقة أولاد بن عكيدة من ينبوع فن العيطة المغربية احتكاكا وممارسة مع فطاحلة شيوخها وشيخاتها، واستنشقت عبير عطر فن الحلقة الذي أغنى معارفها ومداركها الفنية بدور ركراكة الربيعي "عدد لا يحصى من (ربايع الشياخ) وفناني الحلقة استفدنا من إبداعاتهم وعلو كعبهم الفني، وأخذنا عنهم الصنعة والحرفة، ولقنونا معاني الحياة البسيطة وشروط الصعود للنجومية على لسم قاعدة القناعة والوفاء والإخلاص للحرفة"، يوضح الشيخ بوجمعة بن عكيدة

 

ويصف تجربة اشتغال المجموعة خلال مرافقتها للدور بالقول: "اشتغالنا في تلك المواسم (44 موسم) بشكل منضبط وملتزم وبكل احترام في حضرة ركراكة، عزز مكانة المجموعة وموقعها الفني ضمن المجموعات الغنائية التي كانت تنتقل مع الدور من موسم لآخر، وأصبح لنا سفراء أوفياء يروجون في جلساتهم لعلو كعبنا في مختلف المناطق، ونسجنا علاقات طيبة مع أناس لهم حظوة متميزة بين أهالي ركراكة بمختلف مدن المغرب، وتمكنا من الانتقال للعمل بمدينة الدار البيضاء لخوض تجربة أخرى بفضل دور ركراكة".

 

الشيخ سي بوجمعة يعتبر أن محطة ركراكة سنة 1972، كانت فاصلة في حياة مجموعة أولاد بن عكيدة بقوله: "لقد أخذنا (لخبيزة) البركة من شرفاء ركراكة، وأحاطتنا ابتهالاتهم، و دعاوي الخير التي أطلقوها في ساحة لمة الأحباب بالتيسير واليمن والخير العميم، وفتحت أمامنا أبواب النجومية الفنية بعد إدماج الفنانة الشيخة حفيظة الحسناوية ضمن أفراد المجموعة سنة 1973."

 

نوستالجيا سنة 1973، في ذاكرة الشيخ سي بوجمعة تتوزع بين عدة مواقف وقرارات ومشاهد تؤرخ لترجمة (دعاوي الخير) لشرفاء ركراكة مع المجموعة الشابة التي سينطلق مشوارها الفني الوطني والدولي "في هذه السنة الميمونة كنا مازلنا نقطن بحي تراب الصيني بأسفي أدمجنا ضمن المجموعة بعض الشيخات، والتحقت بنا في تلك الفترة الفنانة الشيخة حفيظة الحسناوية، التي عقدت قرانها مع أخي الشيخ بوشعيب بن عكيدة".

 

نظرا للمكانة الخاصة التي أصبحت لمجموعة أولاد بن عكيدة عند أهالي ركراكة، تقاطرت عليهم دعوات إقامة حفلات وليالي السمر بدور ركراكة برسم سنة 1973، وكانت أول مشاركة للشيخة حفيظة الحسناوية رفيقة درب الشيخ بوشعيب وإخوته بوجمعة وميلود بن عكيدة في موسم العروسيين عند عائلة الحاج الحسين بوصبع بصفته أحد أعيان المنقطة.

 

يوضح ضيف الجريدة أن "الحاج الحسين بوصبع كان عاشق للخيل والبارود، يستقبل برياضه (الدار لكبيرة) الوفود من أهالي ركراكة والمدعوين من مختلف أنحاء المغرب، ويقيم احتفالات فنية لضيوفه بطقوس وعادات يتقاسمها الشرفاء بنخوة الكرم الحاتمي وحسن الضيافة، طيلة أيام المواسم التي يأتي دورها والمتاخمة لمحيط جماعة العروسيين مثل مواسم (العروسيين، وتلمست، وبراكة الراضي، وبراكة لامين، وبير كوات"...

 

موسم العروسيين كان من أجمل مواسم دور ركراكة -يحكي الشيخ بوجمعة- "الزائر لأرض العروسيين، ينبهر أمام مشاهد محرك الخيل الذي زينت جنباته بالأعلام الوطنية، وخيم استقبال الفرسان وأسنحتهم وملابسهم التقليدية الجميلة، ومرابط الخيل، وساحة فن الحلقة، واصطفاف الباعة والتجار العارضين لمختلف سلعهم بسوق العروسيين، وتقاطر الوفود من كل حدب وصوب في مشهد غرائبي تشرئب له الأعناق وتقشعر له الأبدان".

 

محطة موسم ركراكة العروسيين سنة 1973، كانت منطلقا فنيا للشيخة حفيظة الحسناوية التي رافقت مجموعة الإخوة أولاد بن عكيدة (بوجمعة وبوشعيب وميلود)، "كان إدماجها وزواجها بأخي الشيخ بوشعيب فاتحة خير علينا، إلى أن التحقت بنا إيقونة العيطة الشيخة فاطنة بنت الحسين رحمها الله، حيث دام اشتغالها مع أولاد بن عكيدة زهاء 25 سنة"، هذه الفترة يعتبرها الباحثون والمهتمون بالموسيقى التقليدية الفترة الذهبية للعيطة المغربية دون منازع.

 

لم تعد مجموعة أولاد بن عكيدة ترافق مواسم الدور وتنتقل من موسم إلى آخر كما كان الأمر سنة 1972، بل اكتفت بمحطات أساسية أثناء انطلاق أو اختتام الدور، حيث يتم دعوتها من طرف بعض الأعيان أو المسؤولين لتقديم وصلاتها الفنية بعد أن اكتسبت شهرة بالمجال الجغرافي لسبعة رجال: "أصبحت تقام سهرات فنية وليالي السمر والنزاهة ببعض المناطق بتمويل من بعض الأعيان أو المسؤولين ببعض المؤسسات المنتخبة، ويتم دعوة فرق غنائية مشهورة وفناني الحلقة سواء من مدينة خريبكة أو الدار البيضاء ومراكش وأسفي والصويرة وسطات.. ولم نعد نخرج لمرافقة الدور وموكب الشرفاء نحو المواسم".

 

في هذا السياق سيتم انتقاء مجموعة أولاد بن عكيدة لتقديم وجبات غنائية بمدينة الصويرة عند الحاج ميلود الشعبي، أو في البيت العامر عند الحاج لبيض، أو بدعوة كريمة من الحاج محمدان الذي كان ينطلق الدور تحت إشرافه وخروج الخيمة الحمراء من زاوية بن حميدة مع مراسيم الذبيحة (الهدية) بمعية كل ممثلي السلطات المحلية والمنتخبة وفعاليات المنطقة.

 

لما كان يحين موعد دور ركراكة "يغلق التجار الكبار المنحدرين من شجرة ركراكة جميع محلاتهم التجارية بمختلف المدن (أسفي، الدار البيضاء، فاس، طنجة، الناظور، الأقاليم الصحراوية..) ويمنحون أنفسهم وعائلتهم فرصة إجازة السفر لمرافقة موكب ركراكة واستعادة لحظات الزمن الجميل لإحياء صلة الرحم والمساهمة في الحركة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والفنية"، يستطرد ضيف الجريدة في الحكي...