السبت 27 فبراير 2021
كتاب الرأي

د. الطيب حمضي: المفاتيح الأساسية لحملة وطنية ناجعة وناجحة للتلقيح ضد كوفيد 19

د. الطيب حمضي: المفاتيح الأساسية لحملة وطنية ناجعة وناجحة للتلقيح ضد كوفيد 19 د. الطيب حمضي

نجاح الحملة الوطنية للتلقيح هو نجاحها في الحفاظ على صحة وحياة المُلَقّحين، والحصول على المناعة الجماعية في أقرب الآجال للعودة التدريجية للحياة الطبيعية، من خلال الانخراط الواسع والتلقائي لأوسع فئات المواطنين في عملية التلقيح.

نقدم في هذه الورقة أهم التوجيهات والاقتراحات المستخلصة من الدراسات العلمية من أجل حملة تواصلية ناجعة وفعالة، أي اقناع عدد من المواطنين المترددين بدرجة أمان اللقاحات، وطمأنتهم حول أهميتها وفعاليتها، وبأهمية التلقيح في الحفاظ على حياتهم وحياة من يحبون، وفي الوصول في أقرب وقت ممكن للمناعة الجماعية والعودة التدريجية للحياة الطبيعية.

العلم والعلماء قاموا بدورهم وقدموا للبشرية لقاحات عدة، وليس واحدا فقط، آمنة وفعالة في اقل من سنة واحدة على ظهور الجائحة.

جلالة الملك بتتبع وتوجيه مباشرين مكن بلادنا من الولوج الى التلقيح في الوقت المناسب، من اجل حماية الشعب المغربي ضمن الكوكبة الأولى من الدول عالميا، ودون تمييز بين المواطنين بعد اعتماد المجانية للجميع.

الدولة المغربية وفي مقدمتها المنظومة الصحية والإدارية وكل المتدخلين، مدنيين وعسكريين، مستعدون تمام الاستعداد لعمل عظيم وجبار لتدبير عملية التلقيح في ظروف آمنة ومطمئنة.

اليوم المسؤولية والحل للخروج الآمن والمبكر من الازمة الصحية بيد المواطنين، لكن يبقى على عاتقنا كمهنيين صحيين وكإعلاميين وكمقررين وفاعلين أن نساعد المواطنين المترددين على اتخاد القرار الصائب في الوقت المناسب بتجاوز تخوفاتهم المشروعة ولكن الغير مبررة علميا. وهذا هو دور الحملة التوعوية والتحسيسية التي يجب أن تنطلق بقوة من اليوم.

هذه أهم المفاتيح المستنبطة من الدراسات العلمية واقتراحات الخبراء واستمزاجات الرأي في عدد من دول العالم من أجل حملة توعوية وتحسيسية وتواصلية ناجعة، ثم بعدها استعراض لسباب ومحددات هده الحملة ومفاتيحها:

 

1) وضع أطباء العائلة والأطباء المعالجون وطب القرب في قلب الاستراتيجية: من أجل تعزيز الثقة في اللقاحات لا بد من انخراط واشراك الأطباء والمهنيين الصحيين الدين هم في علاقة يومية ومستمرة مع المواطنين من القطاعين العام والخاص معا، أي الأطباء المعالجين وأطباء العائلة. هؤلاء الأطباء هم الأكثر قربا وتواصلا مع مرضاهم وعائلاتهم والدراسات تؤكد منسوب الثقة في توجيهاتهم أكثر من غيرهم.

 

2) الشفافية التامة: يجب توضيح المكاسب المنتظرة من التلقيح وإبراز فوائد ذلك، ووضع المواطنين أمام الصورة الحقيقية لدرجة أمان وسلامة اللقاحات المُثبتة بالتجارب والدراسات، بكل شفافية، دون محاولة إنكار أو حجب أي معطيات مؤكدة أو محتملة حول الأضرار الجانبية المحتملة أو المسجلة.

 

3) استراتيجية التواصل الإيجابي وليس التخويف: الفئات المترددة هي في العادة الأقل احتمالا للتعرض للأضرار، أو من تعتقد دلك، والأكثر اعتراضا على اللقاحات، واستراتيجية التواصل عن طريق التخويف من مضاعفات عدم التلقيح تعطي نتائج عكسية، لذلك يستحب التركيز على الجوانب الإيجابية والمنافع المكتسبة من التلقيح.

 

4) التأكيد على روح التضامن والايثار لدى المواطنين: بالنسبة للرافضين والمترددين لا يهم خطر عدم التلقيح بالنسبة لهم كأفراد، لأنهم أصلا يعتقدون -عن خطأ- أن التلقيح ربما مغامرة أخطر من عدمه. لذلك يجب التركيز، عوض ذلك، على الفوائد المكتسبة من تلقيحهم ومساهمتهم بدلك في حماية أسرهم وأحبتهم، وفي حماية الاخرين الأكثر هشاشة داخل المجتمع، ومن أجل اكتساب المناعة الجماعية، وإخراج البلاد من الأزمة الصحية، ومساهمة تلقيحهم، هم كأفراد، في ضمان العودة للحياة الاجتماعية والمدرسية لطبيعتها، وعودة الدورة الاقتصادية واكتساب مصادر الرزق وفرص العمل للأسر والمواطنين. وهنا  التوجه نحو الشباب شرط لا محيد عنه.

 

5) التركيز على أهمية وملامح حياتنا ما قبل الجائحة: التركيز على التذكير بطبيعة الحياة قبل الجائحة والإجراءات الاحترازية والترابية، على بساطة تلك الحياة، ولكن بفرصها الاجتماعية والأسرية والفردية، والعمل من أجل التسريع بالعودة لها في أقرب الآجال، من خلال اكتساب مناعة جماعية بفضل التلقيح.

وهنا أهمية التواصل حول التلقيح كوسيلة وليس غاية في حد ذاتها. عدم التركيز على اللقاحات نفسها وعملية التلقيح كغاية في حد ذاتها، فالهدف في آخر المطاف ليس هو استعمال اللقاح، بل القضاء على الوباء والحفاظ على حياة الناس، والعودة للحياة الطبيعية. التلقيح هو مجرد وسيلة للعودة لحياة حرمتنا منها الجائحة واشتقنا كلنا لها.

 

6) تلقيح السياسيين والمسؤولين والنخب الفنية والرياضية والإعلامية في البداية حتى وان لم يكونوا من الأولويات، وتوضيح ان دلك ليس طمعا في الامتياز، ولكن تشجيعا للمواطنين على الانخراط الواسع والسريع من خلال بناء الثقة بين المواطن والتلقيح.

 

7) حملة موجهة للمهنيين الصحيين أنفسهم: بين هؤلاء المهنيين أنفسهم هناك بعض المترددين الذين يجب التواصل معهم علميا، ودحض الأفكار الخاطئة حول اللقاح. الأطباء ملزمون مهنيا وأخلاقيا وقانونيا بتقديم الإرشادات لمرضاهم وللناس حسب آخر ما توصل إليه العلم وحسب توصيات السلطات الصحية والطبية، وليس حسب قناعات هم الشخصية. ومن الخطأ المهني حرمان مريض من علاج أو إرشادات معمول بها علميا او موصي بها من طرف السلطات الصحية والهيئات الطبية. لكن هدا الالزام غير كاف وحده ليؤدي الطبيب المتردد واجبه بكل أمانة تجاه المريض إذا بقي لديه هو نفسه بعض من التردد.

 

8) تسهيل الولوج للقاح بالنسبة لجميع المواطنين: المجانية وتقريب محطات التلقيح من كل المواطنين أينما كانوا ومهما كانت ظروفهم. وتسهيل التسجيل المباشر والتلقيح المباشر كذلك كلما أمكن بدون عراقيل ولا الكثير من الشكليات اللهم المتعلقة بضمان السلامة خلال التلقيح وبعده.

 

9) اليقظة اللقاحية: اتخاذ كافة التدابير لتتبع اللقاح والملقحين ورصد أي آثار جانبية حقيقية أو محتملة والتواصل مع الراي العام بشأنها بشكل منتظم. هدا التأطير وهذه الشفافية لبناء الثقة بين المواطن واللقاح والمنظومة الصحية.

 

10) التسريع بإطلاق الحملة التواصلية والتحسيسية قبل انطلاق حملة التلقيح نفسها: كلما كانت الحملة التواصلية مبكرة، كلما كانت استجابة الجمهور أكثر أهمية...

 

ـــ ملحق: أسباب ومحددات هذه المفاتيح:

ككل الدول هناك فئة من المواطنين تطرح تخوفات وأسئلة مشروعة حول سلامة اللقاحات وأمانها، وآخرون يتأثرون بالأخبار الزائفة أو حتى ببعض نظريات المؤامرة التي تشكك في الوباء واللقاح المضاد له وفي كل اللقاحات.

هناك عدة عوامل تؤدي إلى التردد وانخفاض منسوب الثقة في اللقاحات المقترحة.

على خلاف الأدوية التي يصفها الأطباء للمرضى الذين يعانون من مرض ما، اللقاحات توصف لأناس لا يعانون من أي مرض بل لحمايتهم من احتمال كبير للإصابة بالمرض لاحقا من شأن عواقبه أن تكون وخيمة.

 خلال الأزمات بشكل عام والأزمات الصحية بشكل خاص يزداد انخفاض منسوب الثقة بين المواطنين والمؤسسات.

يزداد التردد مع الخوف من الاثار الجانبية للقاحات، رغم أن هذه الاثار قليلة بل نادرة مقارنة مع الأدوية التي تستعمل بشكل واسع.

هناك مشكلة تتعلق بفئة لشباب التي تعرف ترددا أكبر وخصوصا وأن خطر كوفيد لا يهم الشباب بنفس درجة كبار السن أو المرضى المزمنين.

هناك تأخر في إطلاق حملات التوعية والتحسيس باللقاحات، لأن الدراسات السريرية لم تنته إلا قبل أسابيع قليلة أو أيام قليلة لبعض اللقاحات. معلوم أن حملات التوعية كلما كانت مكبرة كلما كانت مفيدة حسب الدراسات..

بالنسبة لفئة كبيرة من المجتمع الغير المحسوبين على الفئات الهشة من مسنين وأمراض مزمنة فإن نتيجة معادلة الربح والخسارة في اللقاح على المستوى الفردي غير واضحة في نظرهم ولو عن خطأ، بينما لا يمكن إنكار فائدتها على مستوى الجماعة.

من أسباب الريبة عند البعض، الشفافية سواء من حيث الجانب الصحي أو الجانب الاقتصادي وتضارب المصالح.

عدم تلقيح المسؤولين السياسيين وبعض النخب في البداية قد يعطي رسائل خاطئة حتى وإن لم يكن هؤلاء المسؤولون من الفئات الهشة المستهدفة كأولوية. قبين شبهة الاستفادة الامتيازية من اللقاح وشبهة تجنب اللقاح يستحسن في ظروف الأزمات الصحية الكبرى تحمل شبهة الاستفادة الامتيازية والتلقيح مبكرا لإعطاء المثال وتعزيز الثقة واقتران القول بالفعل.)

 

د الطيب حمضي، طبيب وباحث في السياسات والنظم الصحية