الجمعة 26 فبراير 2021
كتاب الرأي

محمد بوبكري: في تقويض دعاية أعداء الوحدة الترابية المغربية في الداخل والخارج

محمد بوبكري: في تقويض دعاية أعداء الوحدة الترابية المغربية في الداخل والخارج محمد بوبكري
عندما أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية اعترافها بشرعية سيادة المغرب على صحرائه، هرعت بعض جماعات الإسلام السياسي في المغرب إلى ترديد الدعايات الرخيصة والخسيسة التي تروجها تركيا والجزائر وإيران قائلة إن المغرب باع فلسطين مقابل حصوله على اعتراف الولايات المتحدة الأمريكية بشرعية سيادته على صحرائه. لكن هذه الجماعات لا تعرف منطق ولا دلالة الكلام الذي تردده، لأنه يفيد كما لو كانت فلسطين في ملكية المغرب حتى يتمكن من بيعها. وإذا كانوا يتوهمون ذلك، فأين تم تحفيظ فلسطين في اسم المغرب؟ وهل فعلا يمتلكها؟! وما دام التاريخ والواقع يؤكدان أن المغرب لا يمتلك فلسطين، فإنه لا يمكنه بيعها، لأنها ليست له. هكذا يدل منطق هذه الجماعات وأسيادها على فراغ حجتهم. وعندما نواجههم بعدم ارتكازهم في دعايتهم هذه على أي منطق يقدم حجة دامغة سليمة مبنية على واقع ملموس، ونبين لهم أن كلامهم مجرد حق أريد به باطل، لأن الوطنية تفرض عليهم عدم الانخراط فيما يسيء للوطن، والحال أنهم اختاروا، عن وعي أو عن غير وعي، الانضمام إلى صفوف الذي يعملون على ضرب الوحدة الترابية المغربية، فإنهم يضيفون: إن الصحراء مجرد قضية وطنية، وفلسطين قضية قومية عربية وإسلامية. ويستنتجون من ذلك أن القضية العربية الإسلامية أعلى مرتبة وأرفع شأنا من القضية الوطنية المغربية.
عندما أتأمل منطق هؤلاء أجده متهافتا أصلا، بل عنصريا يتعارض مع المنطق الذي تنهض عليه القيم الكونية التي تؤمن بالتعدد والاختلاف. كما أن هؤلاء عندما يقولون فلسطين عربية، فإن هذا يعني أنها ليست قضية المواطنين الذين ليسوا مواطنين من أصل عربي أو مواطنين في بلدان ومناطق أخرى من العالم. لذلك فإن هذا الكلام يحرم القضية الفلسطينية من الدعم الدولي، لأنهم عندما يريدون جعلها حكرا على العرب، فإنهم ينسفونها من أساسها، حيث ينجرفون إلى حرمانها من كونها قضية إنسانية حتى تتعاطف معها الإنسانية جمعاء. أضف إلى ذلك أن النزعة العربية هي نزعة قبلية أصلا تضع الجنس أو القبيلة العربيين فوق الوطن، كما أنها تعتبر القبيلة العربية فوق الإنسانية كلها.
وينطبق الأمر نفسه عندما تقول جماعات الإسلام السياسي المنغلقة التكفيرية إن القضية الفلسطينية قضية إسلامية. يجرنا منطق هذه الجماعات إلى النظر إلى أن خطابها هذا قد جعلها تحول القضية الفلسطينية إلى قصية طائفية ومذهبية. ونظرا لكون هذه الجماعات تضع الطائفة، أو الجماعة الدينية فوق الوطن، فهذا يدل على أن هذه الجماعات لا تؤمن بالوطن، ولا تدعي أنه لا يمكن بناء دولة بدون وطن. فـ "حماس" وغيرها من جماعات الإسلام لا تؤمن بالوطن حتى ولو كان فلسطين، حيث تعتقد أن الطائفة، أو الجماعة هي وطنها. إنها لا تؤمن بالوطن، بل تؤمن بأممية إسلامية متجسدة خلافة إسلامية ستتحكم في العالم بأسره. وهذا ما يشكل وهما قائما على السحر والخرافة، ما يعني أن عقلية هؤلاء بدائية تلفظها روح العصر، ولا يمكن إنجاز أوهامها إطلاقا حالا، أو استقبالا، لأن العالم يسير في اتجاه الانفتاح والتعدد والحوار والتفاوض والتعايش، إذ بدون ذلك، سيزج بنفسه في حروب لا نهاية لها، ما قد يفضي إلى الفناء.
لذلك، على هذه الجماعات القومية القبلية، أو الطائفية أن تعي أننا نحن المغاربة نضع وطننا فوق كل شيء، ولا يمكن أن نجعله أسيرا لأوهامها، كما أننا لا نقبل الانسياق وراء أوهامها التي تخفي النزعة التوسعية لكل من الجزائر وتركيا وإيران والقوى التي تقف وراء حكام هذه البلدان. وأتمنى لهذه الجماعات ولهذه البلدان من أوهامها المرضية التي قد تأتي عليها يوما.
فوق ذلك، إذا كانت هذه الجماعات تجعل القبيلة العربية والطائفة الدينية فوق الوطن، فإنني أناهض هذا المنطق البدائي، لأنني أرى أنه دعوة إلى إضعاف الأوطان عبر تفتيتها. وإذا تحقق ذلك، لا قدر الله، فمن سيدعم القضية الفلسطينية؟! ألن يؤدي ذلك إلى تعميق ضعف أوطان الشرق الأوسط والفلسطينيين معا؟ ألن ينجم عنه تفتيت الشعب الفلسطيني واندثاره؟
فضلا عن ذلك، إذا كان الرئيس التركي الطيب رجب أردوغان يدعي الدفاع عن الإسلام والمسلمين، ويمول الجماعات الإسلامية الإرهابية في بلدان الشرق الأوسط وأفريقيا بغية استتباعها لتحقيق وهم إعادة تأسيس الخلافة العثمانية، فإن ذلك يفرض طرح الأسئلة الآتية على شيوخ جماعات الإسلام السياسي في المغرب: لماذا يتسول أردوغان مؤخرا بنيامين ناتنياهو، مرددا أنه يرغب في إعادة تأسيس علاقات جيدة مع إسرائيل؟ إنه يتسول ويتوسل إسرائيل حتى تتدخل له لدى الدول الغربية لكيلا يتعرض للعقوباتها، لأنها اكتشفت أنه منافق وكذاب وغدار. فلقد تأكد لها أن خصوم الحلف الأطلسي قد تمكنوا من اختراقه عن طريق تركيا التي لم تتوقف عن تزويد روسيا بأسرار هذا الحلف. لذلك، فقد أصبح محتملا جدا أن يتم فرض الحصار كذلك على تركيا، بل إنه من المحتمل جدا أن يتم فصلها عن الحلف الأطلسي، ولا أظن أن الرئيس الأمريكي جو بايدن وحلفائه الأوروبيين قد يتأخرون طويلا في طرد أردوغان من الحلف الأطلسي. فإذا كان أردوغان قد صار متسولا على أبواب إسرائيل لينجو بجلده، فلماذا يدعي إرادة الدفاع عن فلسطين؟ وهل تركيا قادرة على مواجهة إسرائيل؟ وهل إيران والجزائر قادرتان على ذلك؟ إنها كلها لا تقدر على الإقدام على هذه الخطوة، لأن هذه الدول تعي جيدا ضعفها، وأنها ستعرض ذاتها للخراب، أي للزوال لو دخلت في حرب مع إسرائيل.
تؤكد هذه المعطيات أن هذه الدول جبانة وكذابة، لأنها تقول ما تعجز عن فعله. لكن لماذا تقبل جماعات الإسلام السياسي السير على نهجها بترويج دعايتها الرخيصة ضد الوحدة الترابية المغربية؟ وهذا ما يعني أن هذه الجماعات تتفق مع ادعاءات هذه الدول المناوئة للمغرب مقابل ما تتوصل به منها من عمولات. لكن، أليس من البؤس والحقارة أن يسيء الفرد إلى الوحدة الترابية لوطنه مقابل حفنة من الدولارات؟ إنها الخيانة الوطنية العظمى عينها!!
علاوة على ذلك، لقد تعامل كبار الحاخامات من أصل مغربي بأسلوب حضاري مع وطنهم المغرب، لأنهم لم يجعلوا دينهم يتحول ضد شرعية الوحدة الترابية المغربية، ما جعلهم يبدون متحضرين ومنفتحين، حيث ساندوا ويساندون الوحدة الترابية لوطنهم. هكذا أصبح هؤلاء الحاخامات أكثر وطنية من شيوخ جماعات الإسلام السياسي المتأسلمين الذين يدعون الإسلام ويجهرون بكفرهم بالوطن. إنهم لم يقرأوا القرآن الكريم، لأنهم لا يعون أن الله تعالى وجه كتابه المجيد إلى الناس جميعا، بغض النظر عن جنسهم ولونهم ودينهم وبلدهم وطبقتهم، حيث يقول سبحانه في هذا الكتاب العظيم: "يأيها الناس..."، "يا أيها الإنسان..." (يوسف الصديق). لذلك، فالإسلام يتميز بالانفتاح والتفتح وقبول التعددية والاختلاف... وذلك عكس ما تدعيه جماعات الإسلام السياسي المنغلقة.