الأحد 7 مارس 2021
فن وثقافة

"الواد الواد" وإشكالية التصنيف بين العيطة الحصباوية والحوزية

"الواد الواد" وإشكالية التصنيف بين العيطة الحصباوية والحوزية الشيخ جمال الزرهوني، عابدين الزرهوني، ولد الصوبا، الشيخ الداهمو في إحدى لحظات التميز والتكريم

في جلسة شيقة مع الباحث عبد العالي بلقايد في موضوع العيطة بعاصمة الرحامنة، تناولنا الحديث عن مقطوعة "الواد الواد" التي أداها الشيخ جمال الزرهوني كعيطة مستقلة بذاتها، في حين أقحمها الشيخ عمر الزايدي كسوسة حوزية في عيطة "سيدي حسن". وظل هذا النقاش مفتوحا دون الحسم فيه على مستوى إشكالية التصنيف.

في هذا السياق تتقاسم جريدة "أنفاس بريس" هذه الورقة التي اشتغل على مضمونها الأستاذ بلقايد، هدفنا من ذلك فتح نقاش في الأوساط المهتمة بفن العيطة والموسيقى التقليدية لغاية الوقوف على تصنيف مقطوعة "الواد الواد" التي تتغنى بالخيل والبارود وفرسان المغرب العميق بمختلف المناطق؛ حيث يخلص بلقايد إلى "أن أمر التناص بين أنواع العيوط المغربية أمر عادي وطبيعي، مادامت تصدر كلها عن مشترك ثقافي واحد محدد المرامي والأهداف، لا يحتمل التنازع أو الاختلاف".

 

مقطوعة "الواد الواد" تخترق العيطة الحصباوية، كما تتوطن متن العيطة الحوزية، ونجد فاطمة الزحافة تغنيها بصيغة الغناء الشعبي.

 

"الواد الواد" أدتها الشيخة حليمة المراكشية والشيخ أحمد نكريط كمجموعة حوزية من خارج مشيخة المخاليف بإحساس حوزي جميل، والمثير بأنها غير مسموعة مؤداة من طرف شيوخ المخاليف أو المجموعات الأخرى التي تؤدي العيطة الحوزية سواء فرقة أولاد الخبشة بقلعة السراغنة أو مجموعة ابن جرير.

 

ولكن هذا لا يعني بأنها فاقدة للصلة بمتن العيطة الحوزي، وإن كانت تؤديها مجموعات للعيطة الحصباوية بطريقة مخالفة لشيوخ مراكش.

 

الشيخ جمال الزرهوني يؤديها رفقة مجموعته بالاعتماد على آلات لوتار وبصيغة تعتمد الحساسية الفنية للعيطة الحصباوية، مما يعطي الانطباع بأنها غناء عيطي حصباوي لا يمكن إزاحته من متون العيطة الحصباوية، وقد سبق للفنان جمال الزرهوني أن صرح بأنها من العيوط التي طالها الإهمال، وقد حاول بأن يحييها كما فعل حين أعاد غناء عيطة "سيدي حسن"، مما يلفت الانتباه بأن شيوخ العيط الحوزي لا يصنفونها ضمن مكوناته، (أي مكونات العيطة)، سواء تعلق الأمر بالعيطة أو "السوسات"، ولكن أمر الأخيرة (السوسات)، فيه تضارب بين حساسيات شيوخ العيطة الحوزية.

 

في نفس السياق يعتبر الشيخ عمر الزيدي التامني في تصريحه لجريدة "أنفاس بريس" أن مقطوعة "الواد الواد" هي سوسة حوزية لعيطة "سيدي حسن"، حيث أداها بإتقان في تسجيل غنائي مع مجموعته.

 

إن سوسة "سيدي صالح" تلقى احتفاء كبيرا لدى مجموعة شيوخ المخاليف بقدر ينعدم لدى شيوخ ابن جرير، والقلعة ، مما يعني أن مكون (السوسات) في العيطة الحوزية غير محسوم في عددها بشكل دقيق.

 

الملاحظة الأخرى التي تثير الانتباه بأن هذه المقطوعة (الواد الواد) يؤديها الشيخ العبدي عمر بنهدي (جمعة سحيم) كحساسية حصباوية بنفس الصيغة للشيخة حليمة المراكشية والشيخ أحمد النكريط، سواء تعلق الأمر بالحب (حبات) الموجود فيها، أو الجمل الموسيقية والإيقاع المطبوع بالطابع الإيقاعي للعيطة الحوزية.

 

فمن حيث الشذرات التي تكون متن هذه المقطوعة، لا تعدو أن تكون استنساخا لما جاء في عيطة "خالي يا خويلي"، أو عيطة "الشجعان" الملالية، فهي لم تعمل إلا على استنساخ ما كان "حبا" يشكل أحد العيوط المحورية في معمار العيط المغربي.

 

إن الحسم بأن هذه المقطوعة هي حصباوية أو حوزية يعتبر أمرا صعبا، لأن كل متون العيطة المغربية مفتوحة على بعضها، بشكل ينتقل "حب" هذه إلى تلك دون أن يكون هذا العمل معابا فنيا.

 

العيطة المرساوية كانت مفتوحة على العيطة البلدية، التي أمدتها بالكثير من المتون والألحان، بنفس القدر الذي استفادت فيه من العيطة الحصباوية، والميازين الحوزية، ما جعلها أروع شكل غنائي به إحساس فني رائع، ينضح رومانسية ورقة في التعبير، وجمالية في الأصوات الشجية التي تحيل على الحنين والعذوبة التي تتركها كأثر عند المتلقي.

 

مقطوعة "الواد الواد" ليست هي الوحيدة التي انتقلت من العيطة الحوزية إلى الحصباوية، أو من الحصباوية إلى الحوزية، فالشيخ سي محمد ولد الصوبا الركراكي قد أدى عيطة "شريفي بويا رحال" بإتقان كبير، وإن كانت هذه الأخيرة محسوم في تصنيفها ضمن العيوط الحوزية.

 

إن أمر التناص بين أنواع العيوط المغربية أمر عادي وطبيعي، مادامت تصدر كلها عن مشترك ثقافي واحد محدد المرامي والأهداف، لا يحتمل التنازع أو الاختلاف.