الجمعة 27 نوفمبر 2020
في الصميم

مسجد الكركرات.. بين مرجعية إمارة المؤمنين وإعمار مدن الصحراء

مسجد الكركرات.. بين مرجعية إمارة المؤمنين وإعمار مدن الصحراء عبد الرحيم أريري
الخطوة التي أقدم عليها المغرب يوم 18 نونبر2020 (بمجرد تطهير معبر الكركرات من عصابات البوليساريو) بوضع الحجر الأساس لبناء مسجد الكركرات بغلاف مالي قدره 880 مليون سنتيم، لا تكتسي أهمية رمزية روحية من كون المسجد ترجمة لمرجعية أمير المؤمنين كمرجعية تغطي الغرب الإفريقي ككل فقط، بل إن الإذن بالبدء في بناء مسجد الكركرات  وتحديد سقف زمني لا يتعدى 12 شهرا لإكماله، هو ميساج مفاده أن المجهود الحربي الذي يبذله المغرب لحماية وحدته الترابية ضد الجزائر والبوليساريو لن يثنيه عن رفع التحدي لإعمار الصحراء.

هذا التحدي ليس وليد اليوم، بل يجد جذوره في عام 1975، تاريخ استرجاع الأقاليم الجنوبية، حيث نهضت مدن بالصحراء في رمشة عين، وتم إعمار المنطقة بشكل لم يتحق في الجزائر رغم فوائضها المالية ورغم نفطها وغازها. 
ملف إعمار الصحراء، شكل غصة في حلق الجزائر التي لم تهدأ آلتها الدعائية على التشويش على المغرب. وتعد سنة 2010، سنة حاسمة في تاريخ الصحراء، إذ بعد الهجومات المتتالية للجزائر والبوليزاريو وإشهار ورقة «نهب ثروات الصحراء»، اضطر المغرب إلى استعمال ذخيرته القوية عبر ترتيب خرجة إعلامية للسفير المغربي بواشنطن آنذاك، عزيز مكوار، في لقاء صحفي مع «نيويورك تايمز» يوم 8 يوليوز 2010. تلك الخرجة دحضت بالحجة والدليل ما تدعيه الجزائر والبوليزاريو، حيث كشف الديبلوماسي المغربي مكوار أن المغرب أنفق ما مجموعه 4 ملايير دولار لتنمية وإعمار الأقاليم الصحراوية، أي ما يعادل بالعملة المغربية 4 آلاف مليار سنتيم. بمعنى أن المغرب استثمر في الصحراء حوالي 111 مليار سنتيم كل سنة بين 1975 و2010.

بمعنى أن المغاربة خلال هذه الفترة كانوا يضخون في كل ساعة بالصحراء 125 ألف درهم. وهذا مبلغ لم يسبق لأي دولة (من حجم المغرب اقتصاديا) أن أنفقته على جهة من جهاتها.
كشف المغرب لهذه الأرقام، جاء في سياق «تعافي» الجزائر من تبعات الحرب الأهلية المعروفة بـ «العشرية السوداء»، واضطرارها إلى البحث عن مشجب تعلق عليه إخفاقاتها من جهة، وأيضا في سياق الملل الذي شعرت به الجزائر والبوليساريو بعد إعمال قرار وقف إطلاق النار عام 1991 من جهة ثانية، حيث اضطرت الجزائر والبوليساريو إلى اللعب «بورقة حقوق الإنسان بالصحراء ونهب الثروات من طرف المغرب» ، وهي الورقة التي أحرقها المغرب بالحجج الدامغة وبالهجومات المضادة، بلغت أوجهها حين فضح الملك محمد السادس رشوة الجزائر للمنظمات الحقوقية الدولية من جهة في خطابه 6 نونبر 2013، وحين أعلن حفيد محمد الخامس أنه مقابل كل درهم واحد يأخذه المغاربة من الصحراء فإنهم ينفقون 7 دراهم في الأقاليم الجنوبية من جهة ثانية في خطابه 06 نونبر 2014.
 
وتوج ذلك بقرار الملك القاضي باعتماد برنامج تنموي خاص للأقاليم الجنوبية في خطاب 6 نونبر 2015 بقيمة 77 مليار درهم، ليختمها محمد السادس بالقرار الذي طالما انتظره المغرب، ألا وهو ربط شمال المغرب بجنوبه بالخط السككي حينما أعلن الملك في عيد المسيرة 6 نونبر 2019، عن أحد أكبر الإجراءات المهيكلة للتراب الوطني، ألا وهي البدء في إنجاز الدراسات لربط مراكش بأكادير بخط السكك الحديدة في أفق تمديده للأقاليم الصحراوية، بحكم أن استرجاع المغرب للصحراء غير المعطيات الجغرافية وجعل أكادير تتوسط المملكة .هذا الوضع (أي توسط أكادير للمملكة) فرض اعتماد طفرة في البنى التحتية لخلق الثروة والرواج.
وبالتالي إذا جمعنا ما أعلنه السفير مكوار من أرقام بشأن ما استثمره المغرب في الصحراء (40 مليار درهم بين 75 و2010)، وما خصصه المغرب لوكالة تنمية أقاليم الجنوب بين 2010 و2015 من اعتمادات (7مليار درهم)، وما برمجه المغرب من استثمارات خاصة بالنموذج التنموي للأقاليم الجنوبية المعلن عنه لمرحلة 2015-2020 المتضمن للعديد من المشاريع، كالطريق السريع تيزنيت الداخلة وميناء الداخلة الأطلسي ومنشآت الطاقة وغيرها من الأوراش (77 مليار درهم)، يكون المغرب قد ضخ كاستثمار في الأقاليم الجنوبية بين 1975 و2019 ما مجموعه 124 مليار درهم (أي 12 مليار و400 مليون دولار). هذا دون احتساب ما التزم به المغرب من مشاريع مهيكلة في الخطاب الملكي ليوم 6 نونبر 2019 بحكم أن الدراسات لم تتم بعد ولن يعرف المبلغ إلا بعد إتمام الدراسات.
 
إن هذا المجهود الاستثماري للمغرب بالأقاليم الجنوبية ليس له إلا تفسير واحد، ألا وهو :" المغرب في أرضه وقادر لوحده على إعمار الصحراء أحب من أحب وكره من كره".