السبت 16 يناير 2021
سياسة

الجدار الأمني.. قصة كفاح ودفاع عن الصحراء بين ملكين

الجدار الأمني.. قصة كفاح ودفاع عن الصحراء بين ملكين قصة جدار هزم جنيرالات الجزائر والبوليساريو
ما وقع بمعبر الكركرات من استفزازات من قبل عصابة البوليساريو، أعاد إلى الأذهان السياسة الحكيمة للملك الراحل الحسن الثاني، ببناء الجدار الأمني لصد عدوان الجزائر والبوليساريو في حرب الصحراء.. استكمال بناء هذا الجدار بعد تطهير الكركرات يربط الماضي بالحاضر.. "أنفاس بريس"، تروي فصول كفاح القوات المسلحة الملكية ضد أعداء الوحدة الترابية.. وقصة جدار يختزل تاريخ مقاومة ودفاع عن الأرض

 
الجدار الأمني 1 
 
بدأ تنفيذ إنشاء الجدار الأمني الأول فعليا في شهر غشت 1980، وقد استهدف التخطيط لهذا الجدار البالغ طوله الإجمالي 600 كلم استغلال التموجات الأرضية إلى أقصى حد ممكن. حيث استند على حواجز طبيعية فكان الإنشاء والبناء انطلاقا من منطقة الزاك ليسير باتجاه الغرب. واستأنفت الأعمال على جبال «الوركزيز» ليكمل ذلك الحاجز الطبيعي حاجز اصطناعي يتكون من ساتر ترابي ابتداء من «المسيد» إلى «رأس الخنفرة» في اتجاه الجنوب حتى يلتقى الساتر بالحزام الأمني للسمارة، ثم يلتف حول المدينة من جنوبها ليتقدم باتجاه «بوكراع» حيث كانت الأعمال جادة لبناء جدار آخر.
وقد كان الغرض من إقامة الجدار الأمني واضحا بهدف تأمين الخطوط الخلفية للقوات المسلحة الملكية تحركاتها وتمرينها وحرمان العدو من إمكانية الوصول إليها، ثم ثانيا حماية المناطق الآهلة بالسكان والمعروفة بالمثلث الاقتصادي: السمارة، بوكراع، العيون، ثم منع تسلسل الخصم وفتح طرق المواصلات أمام الحركة الطبيعية.
وقد بلغ الخط الدفاعي إلى السمارة يوم 2 مارس 1981 تزامنا مع عيد العرش، وانتهى من بنائه بتاريخ 14 ماي 1981 بمناسبة ذكرى إنشاء القوات المسلحة الملكية، عندما التقى الساتر الترابي المنطلق من بوكراع مع الساترالذي خرج من السمارة عند منطقة «اسكن» التي لم تشهد إلا بعض المناوشات مع البوليساريو التي كانت خائرة القوى لما أصابها من تدمير وإحباط في معارك رأس الخنفرة، حيث تحطمت حشودهم وأصيبوا بخسائر فادحة سمحت بإتمام هذه المرحلة بسهولة.
 
الجدار الأمني 2 
 
بلغ طول الجدار الأمني الثاني 225 كلم، وقد كان الهدف الأساسي من إقامته فك حصار مدينة بوجدور التي عمدت البوليساريو إلى عزلها عن مدينة العيون العاصمة باستغلال بعد المسافة الفاصلة بينهما لزرع الألغام على الطريق المؤدي إليها لمنع الحركة العادية، ثم الاستفادة من الظروف والأحوال لنصب الكمائن أو القيام بالغارات كلما سنحت الفرصة أثناء تنقل القوافل بين المدينتين أو ضد القوات التي تعمل على تطهير الطريق لحماية القوافل أو القيام بالدوريات.
وقد ابتدأ العمل في هذا الجزء من الجدار بعدما تجلت واضحة  الفوائد التعبوية للجدران أو الأحزمة السابقة، بالخصوص الجدار الأول الذي فتح طرق المواصلات ومحاور التموين بين طانطان والعيون والسمارة.
وقد استغرقت عملية البناء 42 يوما من 4 ماي إلى يوم 16 يونيو 1982، تم خلالها إنشاء الساتر، ثم حماية الكل بواسطة نطاق من الأسلاك الشائكة، تدعم ذلك كله وسائط إلكترونية قوامها رادارات وأجهزة إبصار واستشعار لرصد ومراقبة التحركات أمام الجدار الأمني لحرمان البوليزاريو من الاقتراب أو التسلل لتحقيق المفاجأة التي تشكل أهم مبدأ من مبادئ حرب العصابات التي طالما عملت البوليزاريو على الاستفادة منها. 
 
الجدار الأمني 3 
 
شرع في إقامة هذا القسم من الجدار الكلي يوم 19 دجنبر 1983، وتم الانتهاء من أشغاله يوم فاتح مارس 1984، أي أنه بدأ العمل فيه بعد سنة ونصف من إقامة سابقه، حيث كانت هذه المدة كافية لزيادة التأكد من فعالية خطط قيادة القوات المسلحة الملكية، وأن هذه الخطط تحقق ما تهدف إليه القيادة الوطنية العليا من جدوى عسكرية واقتصادية وسياسية واجتماعية.
ففي ظرف ثلاثة أشهر تم إنشاء وبناء جدار طوله 300 كلم بمعدل 100 كلم في الشهر. وقد امتد الساتر الترابي لجميع تجهيزاته من منطقة «امكالة» ومرتفعاتها التي اشتهرت بالموقعة التي أدت إلى أسر حوالي 100 جندي جزائري كانوا قد تسللوا إلى الأراضي المسترجعة غداة انسحاب الجيش الإسباني بعد توقيع الاتفاقية الثلاثية بين المغرب وموريتانيا وإسبانيا.
وقد اتجه الجدار بعد ذلك من «امكالة» غربا بموازاة الحدود الموريتانية شمال «بئر موكرين».
وبإقامة هذا الجدار حرمت البوليساريو من الممرات التي كانت تستعملها لتتسرب إلى منطقة وادي الذهب عبر مرتفعات ووديان «امكالة»، فصار لزاما عليها العبور من الأراضي الموريتانية للقيام بأي عمليات تريد القيام بها في تلك المنطقة. وقد انتهت الأعمال في هذا الجدار يوم فاتح مارس 1984، فتم أيضا إبعاد أي خطر عن مدينة «السمارة» التي توسع نشاطها الاقتصادي والعمراني بعد فتح الطريق إلى «العيون».
 
 
الجدار الأمني 4 
 
خلال فترة زمنية قصيرة نسبيا تم بناء الجدار الخامس الممتد بين «الزاك» على مشارف «الحمادة» ومنطقة «لفريرينات» بالقرب من السمارة، وهكذا أدمج في المنطقة المؤمنة كل من مركز «الجديرية» ومركز «الحوزة» التي كان البوليساريو يدعي ويتبجح أنها عاصمة دولته الموهومة.
وهكذا أفرغت الساقية الحمراء من عناصر البوليساريو بعد اشتباكات انتحارية فاشلة، وانتهت أعمال البناء مساء يوم 10 ماي 1984.
 
الجدار الأمني 5 
 
كان الحزام الأمني الخامس أكثر طولا من سابقيه، فقد امتد على مسافة قدرت بـ 400 كلم انطلق من نقطة «البعج» على «الوركزيز» شرق الزاك ليتقدم بمحاذاة الحدود الجزائرية الموريتانية، ثم ينحرف غربا في اتجاه «البريكة»، حيث التقى مع الجدار الأمني الثالث جاعلا من «الحمادة» والساقية الحمراء بمنابعها ومرتفعاتها منطقة آمنة مطمئنة. وبهذا امتنع على البوليساريو الوصول إلى مناطق معينة مثل «التكاة» على مجرى الساقية الحمراء التي طالما اعتبرتها البوليساريو ملاجئ حصينة تستطيع الاختباء بها في فترات الانسحاب والاختفاء.
وقد مكن هذا الجدار من حرمان عناصر البوليساريو من وصول الساقية الحمراء، بل حرمهم من إمكانية التسرب عبر الحدود الجزائرية في اتجاه الأراضي المسترجعة إلا إذا تم خرق حرمة الأراضي الموريتانية انطلاقا من الجزائر. 
ويمكن الإشارة إلى أن بناء هذا الجزء من الحزام استغرق المدة الزمنية  الفاصلة بين تاريخ 4 دجنبر 1984 و15 يناير 1985.
 
الجدار الأمني 6 
 
لإعادة ربط الاتصال بين الداخلة والعيون، تم مباشرة بعد الانتهاء من بناء الجدار الأمني الخامس الاستعداد لاستغلال الخبرات المكتسبة خلال أعمال البناء السابقة لإقامة جدار يدخل منطقة وادي الذهب ضمن النطاق الأمني وفتحها على الأجزاء الشمالية المؤمنة. وهكذا انطلقت الأشغال بتاريخ 14 ماي 1985 من نقطة عند «امكالة» ليسير بناء الجدار سريعا باتجاه المحيط الأطلسي عند «إمليلي» جنوب الداخلة ليؤمن كلا من «كلتة زمور» ومرتفعاتها التي عرفت صراعا مع «البوليساريو» عدة مرات، ثم منطقة «أم دريكة»، ومركز «بير أنزران» التي اشتهرت بمقاومتها لمحاولة «البوليساريو» اقتحام موقعها والسيطرة عليه. وهكذا تم تأمين كل ما يقع شمال هذه النقط على طول 650 كلم. وقد امتد قسم من الجدار بموازاة الحدود الموريتانية لمسافة تتجاوز 100 كلم قبل أن ينحرف في اتجاه الغرب ليصل إلى الشاطىء الأطلسي عند نقطة «إمللي» جنوب الداخلة، حيث أصبح خليج الداخلة محميا بواسطة الجدار حماية تامة من الجانب البري. أما الجانب البحري فتحرسه البحرية الملكية بمساعدة القوات الجوية.
 
إتمام إحكام الطوق على الجزائر والبوليساريو
 
15 يناير 1985: الانتهاء من بناء الجدار الأمني (400 كلم) عبر وادي درعة ووادي الساقية الحمراء. على طول الحدود مع الجزائر جنوب جبل واقزيز. وهو ما مكن الجيش الملكي من إضافة 17000. كلم مربع في المناطق الآمنة وبإدخال المحبس والفارسية، وتوكات والمقيطين ومجموع وادي الساقية الحمراء في المنطقة الآمنة.
16 مارس 1985: الملك الراحل الحسن الثاني رفقة ولي العهد يزور الجدار الأمني في منطقة تبعد عن بوكراع بـ40 كيلومترا مرفوقا بالجنرالات الآتية أسماؤهم: إدريس بنعيسى، عبد العزيز بناني، عبد القادر لوباريس، محمد القباج، حسني بنسليمان، ومحمد الشرقاوي، وخلال هذه الزيارة اطلع على المخابئ تحت الأرض وموقع الأسلحة. ويوم 17 مارس زار القاعدة الجوية بالعيون حيث شكر كل الجنود ووشح مختلف وحداتهم (مختلف الاسلحة) بالوسام الحربي اعترافا بالدور الذي بذلوه طيلة تسعة أعوام لتأمين الأقاليم الجنوبية (1976-1984).
يونيو - غشت 1985: تشييد خط دفاعي آخر نحو وادي الذهب لمنع تسلل البوليساريو من موريتانيا وبفضله تحكمت جيوش المغرب في مساحة آمنة جديدة تقدر ب90 ألف كلم مربع، مما يجعل البوليساريو مضطرا إلى السير 1000 كيلو مترا إذا رغب في شن هجوم على المغرب انطلاقا من موريتانيا.
 
اعتمدنا في استخراج هذه المعطيات التاريخية على كتاب «الجيش المغربي عبر التاريخ» للأستاذ عبد الحق المريني.
الصادر عن مطبعة المعاريف الجديدة ـ الرباط ـ 1997