الاثنين 25 يناير 2021
فن وثقافة

خليل الدامون في مدارات: للأسف البرلمان لم يصل إلى مشروع صناعة سينما مغربية

خليل الدامون في مدارات: للأسف البرلمان لم يصل إلى مشروع صناعة سينما مغربية خليل الدامون (يمينا) وعبد الإله التهاني (يسارا)

استمرارا في تقديم سلسلة حوارات برنامج "مدارات" الذي يعده ويقدمه الزميل عبد الإله التهاني من خلال استضافته لنخبة من المثقفين والمبدعين والمفكرين، ومتابعة جريدة "أنفاس بريس" رفقة مستمعي الإذاعة الوطنية له. فقد خصص برنامج "حوار في الثقافة والمجتمع" حلقة جديدة ليلة السبت 14 نونبر 2020، لمناقشة الفن السابع بالمغرب، حيث استضاف البرنامج الناقد السينمائي الأستاذ خليل الدامون الذي عرف بكتاباته الأدبية، ومشاركته الوازنة في الندوات الفكرية، ومواكبته البناءة لكل أوجه التدبير العمومي في مجال الفن السابع، وعرف أيضا بإسهاماته في تعزيز حركة النقد المغربي والارتقاء بالنقاش العمومي على المستوى السينمائي .

 زمن البداية وعشق السينما

عن زمن البدايات قال ضيف برنامج مدارات "طبعا العودة إلى نهاية الستينيات وبداية السبعينيات أمر يجعلني أعود بنوع من النوستالجيا لفترة مشرقة ومضيئة حيث انطلقت الشعلة الثقافية في المغرب على جميع المستويات الثقافية والإبداعية والفنية".

وأوضح بأنه "ينتمي لجيل السبعينيات الذي تكون بجامعة فاس بظهر المهراز، على يد عدة أسماء من الأساتذة "، من أمثال "محمد السرغيني، وصالح الأشطر، وحسن المنيعي، وأمجد الطرابلسي..وغيرهم" ممن أعطوا "الزخم الكبير للثقافة في المغرب بعد الاستقلال".

 ويتذكر خليل الدامون تلك الفترة الذهبية الهامة جدا بعد تخرجه من الجامعة للحديث بشرف عن الأسماء التي تخرجت من ظهر المهراز، وتميزت بديناميتها السياسية والثقافية مثل"عبد الصمد بلكبير، علال الأزهر، عنيبة الحمري، محمد الدغمومي، أبو يوسف طه" ليشهد الزميل عبد الإله التهاني الذي كان حاضرا في ذلك الزمن البهي والجميل والذي كان يطمح جيلها آنذاك إلى "تأسيس الثقافة بالمغرب".

في سياق حديثه عن فترة السبعينيات أكد خليل الدامون على أنها كانت منطلقا "لعملية تأسيس عدة فضاءات ومؤسسات ذات أهداف ثقافية وفكرية وفنية مثل (اتحاد كتاب المغرب ـ الجامعة الوطنية للأندية السينمائية ـ مجلة الإشارة..)، واستحضر في حديثه بصمة الصراع بين تيارين ثقافيين بالقول "أن فترة جيل السبعينيات كانت تعرف صراعا ثقافيا بين تيارين، التيار التقليدي والتيار التجديدي"، وبأسف يخلص إلى أنه "لم نجد البديل الحقيقي لهذا الجيل".

طنجة محور الثقافة والعمل الجمعوي

الصورة الثقافية التي تشكلت لدى ضيف برنامج حوار في الثقافة والمجتمع، عن مدينة طنجة، على اعتبار أنها منطقة دولية وترك الاستعمار بها عدة بنيات تحتية على مستوى فضاءات المسرح والسينما طابعها الخالص هو "العمل الجمعوي، وثقافة النادي السينمائي"، و رغم سيطرة البعثات الأجنبية "فالتيار الوطني جاء بعد ذلك من أجل أن يواجه المسار الأجنبي" يقول خليل الدامون مؤكدا أن جيله "كان يشتغل على المستوى الجمعوي (جمعية بن بطوطة) ويدعو إلى نشر الثقافة الوطنية من خلال المحاضرات و الندوات الفكرية".

في تلك الفترة يوضح ضيف مدارات "ظهر نوع من النشاط والنقاش الفكري و الثقافي في صراع مع التيار التقليدي الذي كان يمثله عبد الله كنون وآخرون، وبعض الزوايا الصوفية كالتي كانت تتزعمها عائلة بن الصديق وغيرها، وبين التيار التجديدي الذي يتزعمه محمد شكري ومحمد الدغمومي، ومحمد الشط، وأحمد بوكماخ .."، ويضيف الدامون قائلا : " لقد كان الجو مناسبا لتأسيس النادي السينمائي الطنجي"

فترة تأسيس النادي السينمائي الطنجي عرفت "مساهمة الأستاذ نور الدين الصايل في التأطير والإشعاع، وعرض ومناقشة الأفلام السينمائية في قاعة سينما مبروكة التي اندثرت الآن وتحولت إلى عقار إسمنتي (عمارة)". وعن نفس القاعة يتذكر الناقد السينمائي خليل الدامون بأنها "احتضنت أول مهرجان لسينما البحر الأبيض المتوسط، وكانت الدورة الأولى والوحيدة"

الدامون وطريق النقد السينمائي

عن مسار الكتابة الأدبية أكد الدامون قائلا: "لقد كتبت كثيرا في المجال الأدبي في جريدة المحرر، ومجلة أقلام، ومجموعة من المجلات العراقية، وفي تلك الفترة حصلت على عضوية باتحاد كتاب المغرب في عهد رئاسته من طرف الأستاذ محمد برادة".

 وأوضح بأن "الكتابة في مجال النص الأدبي تحتاج إلى نوع من التركيز والتفرغ وإعطاء الوقت الكلي لفعل الكتابة"، ما يبرر ذلك كون ضيف برنامج مدارات كان مركزا و منشغلا "بالمجال التنظيمي ضمن مكونات الجامعة الوطنية للأندية السينمائية بالمغرب" وتفرغ "لتأسيس جمعية الوعي الثقافي والنادي السينمائي بمدينة وزان"

"المسؤولية كانت تقتضي التركيز على متابعة ومواكبة الأندية السينمائية بالمغرب في مرحلتها الأولى والتي وصلت إلى 70 نادي سينمائي"، يقول الكاتب العام للجامعة الوطنية للأندية السينمائية بالمغرب الأستاذ خليل الدامون، موضحا بأن "المسألة التنظيمية كانت تأخذ مني الوقت الكثير، على مستوى تتبع لائحة الأفلام، والنقل وإيصالها للأنديةّ"

وشدد في حديثه عن النقد بأن "النقد السينمائي نشاط مختلف لأنه مرتبط بمجال الصورة وليس بالكتابة.. النقد السينمائي ليس مرتبطا بالمكتوب بقدر ما هو مرتبط بالصورة...النقاد السينمائيون مؤطرون بكيفية مستقلة عن الكتابات الأخرى، لأن النقد السينمائي له طابع خاص" . وخلص إلى أنه "تمكنا من فرض وجود النقد السينمائي، ونقله من مرحلة الشفوي إلى مرحلة المكتوب"

الحديث في السينما "كان يؤطره نقاد الفن السابع في عدة برامج إذاعية وتلفزية من أمثال نور الدين الصايل، وحمادي كيرون، وعبد الجليل لبويري، وأحمد السيجلماسي، ومحمد الدهان.."يوضح الدامون مضيفا بأن "النقد السينمائي كان له تأثير كبير وواسع جدا في الثقافة السينمائية، نظرا لتعاطي الجمهور اللعريض مع الأفلام ، والنقد السينمائي كان وراء تأسيس السينما الوطنية لأنه كان يطالب بسينما وطنية"

خليل الدامون يكتب قليلا

"هناك عدة عوامل جعلتني لا أكون زاهدا في الكتابة"على اعتبار يقول الناقد السينمائي خليل الدامون "كنت كل شهر أحضر وأشارك في عدة ملتقيات وندوات ثقافية وفكرية بمدن مغربية لها ارتباط بالأندية السينمائية، وكنت أشارك في عدة لجن تحكيم وطنية وعربية"

لذلك فهذه الحركية "تجعلك رهين السفر واللقاءات، ولا تترك لك الوقت الكافي للابتعاد عن التنظيم والتفرغ للكتابة...لأن الكتابة مسؤولية"، وانتقد الإسهال في الكتابة بالقول"للأسف الشديد هناك من يكتب كثيرا ولكن عمق كتاباته ومستواها يحتاج إلى نقاش"، لذلك "أفضل أن أكتب قليلا"، وخاصة أن "الكتابة في مجال السينما مسؤولة لأنها مرتبطة بثقافة خاصة، تنتقل من الكتابة إلى المرئي".

في هذا السياق بشر الناقد السينمائي مستمعي برنامج مدارات بأنه "يحضر الآن كتابا مهما عن مسار النقد السينمائي في المغرب، وسيصدر في الأشهر القادمة"

كثرة المهرجانات مقابل انقراض قاعات السينما

طرح معد ومقدم برنامج مدارات الزميل عبد الإله التهاني على ضيفه سؤال ظاهرة تميز المشهد السينمائي في المغرب، ترتبط بـ "انقراض قاعات السينما مقابل تزايد في مهرجانات السينما الدولية والوطنية". فكان الجواب تلقائيا "هذا الوضع عالجناه كثيرا على مستوى اللقاءات والندوات، وهو مرتبط بهوية وطبيعة الإنتاج السينمائي المغربي..لحد الآن لم نتمكن من تأسيس صناعة سينمائية في المغرب"، على اعتبار يقول الدامون أن "السينما تقوم أساسا على الإنتاج ومرحلة التوزيع ثم الاستهلاك في القاعات".

وشدد على ضرورة "أن تكون هناك سياسة متكاملة تربط بين حلقات الإنتاج بالتمويل والتوزيع ثم العرض...لا يعقل أن نقدم دعما لمشاريع الأفلام ولا نضمن لها قاعات العروض السينمائية"، واستغرب كون أن "أحياء المدن الجديدة على مستوى التجزئات السكنية لا تتوفر على قاعات سينمائية ودور الثقافة".

 لذلك نلاحظ أن "الجمهور ابتعد عن السينما وابتعد عن الأفلام بعد منافسة التلفزيون للسينما"، في الوقت الذي نعرف جيدا أن "السينما فيها نوع من الحرية و الإبداع، والتلفزيون لابد أن يراعي ذوق الجمهور وخصوصياته"، وأكد في نفس السياق بأنه "قد وصلنا إلى مرحلة إغلاق القاعات السينمائية، ولم يعد هناك حافز للذهاب للسينما"، مع العلم أن "المهتمون بالسينما يفكرون اليوم في ربطها بالمجال الاقتصادي"

وكناقد سينمائي كشف خليل الدامون بأن اليوم في المغرب "الصورة لا تأخذ إلا حيزا ضئيلا في التعليم، علما أنها هي الدينامو المحرك للعالم.. لم نفكر في إدراج الصورة في البرامج التعليمية....من لم يشتغل على الصورة لا يفهم ما يجري حوله"

كتابة السيناريو، و الأفلام الوثائقية والتاريخية

وبأسف قال"لم نفكر في الأفلام الوثائقية والتاريخية، نشتغل فقط على الأفلام الروائية ولا نفكر سوى في الشباك والتذاكر وعدد الجمهور فقط". وأضاف بأن "التركيز على الأفلام الروائية" بحجة الجمهور "عايز كدة"، مرده إلى "الاهتمام بإحصاء عدد التذاكر، ونسبة الجمهور، والمداخيل المادية"

وعن الفيلم الوثائقي قال"لا ننتظر من الفيلم الوثائقي مدخولا.. المدخول الوحيد منه هو صناعة الوعي وثقافة المعلومات التي نمد بها الجمهور"، أما بخصوص عدم الاهتمام بالفيلم التاريخي فقد أوضح ضيف مدارات بأن "إنتاج الفيلم التاريخي منعدم بالمغرب، لأنه مكلف جدا، ويحتاج لميزانيات ضخمة، ويحتاج إلى فضاءات واستوديوهات، وبنايات....والمغرب ليس مؤهلا لكي يصرف أموالا ضخمة في غياب منتجين حقيقيين"

وأوضح بأن أفلام الذاكرة "تحتاج إلى كتاب سيناريوهات يعرفون تاريخهم.. هذا نقص يعاني منه حقل كتابة السيناريو...وكاتب السيناريو له أهمية كبيرة ويجب أن نقدم له الدعم الكافي...نحن لا زلنا نبحث عن كتاب السيناريو في المغرب"

وعن الدعم قال "الدعم يجب أن يوجه للفيلم الوثائقي والتاريخي، هناك مادة خصبة يجب دراساتها والتعرف عليها من طرف الجيل الجديد من خلال هذا النوع من الأفلام السينمائية، والوصول إلى هذا المستوى يستوجب تأسيس صناعة سينمائية مغربية...." وأضاف خليل الدامون متحسرا "للأسف البرلمان المغربي لم يصل إلى تحقيق مشروع متكامل لصناعة سينمائية مغربية"