الجمعة 23 إبريل 2021
فن وثقافة

بلقايد يطرح سؤال تأريخ العيطة وعلاقتها مع الأشكال الفنية الأخرى المجاورة لها ؟

بلقايد يطرح سؤال تأريخ العيطة وعلاقتها مع الأشكال الفنية الأخرى المجاورة لها ؟ الأستاذ عبد العالي بلقايد بجانب مجموعة العيطة الحصباوية للشيخ لبصير الملقب بالترين
نقدم لهذا المقال بتساؤلات حول طبيعة نشأة العيطة، وما هي المراحل التي قطعتها ككيان، أو بناء لكي تصل إلى مرحلة الإكتمال والإرتقاء من حيث هندستها التي تميزت بشكل مركب، غير البسيط الذي يضاهي في بنيته أرقى الأنماط الغنائية الموجودة بالمغرب، كالأندلسي، والملحون.
إن الشكل الذي انتهت إليه العيطة يعطي الإنطباع بأنها مرت من مراحل، ومن سيرورة تفاعلية داخلية وخارجية .
أولا : بين مكونات البنية فيما بينها، كمعطى داخلي. و ثانيا : بين البنية وأشياء العمران سواء تعلق الأمر بالأنماط الغنائية التي قد تكون عاصرتها العيطة واستفادت منها ، لكي تطور بنيتها من حيث المبنى والمعنى. أو المعطيات السوسيو ثقافية.
هل سنتبع ما رسخه الباحث عبد العزيز بن عبد الجليل في كتابه مدخل في تاريخ الموسيقى المغربية، وبالتالي نتعقب التطورات التي لحقتها عبر مراحل التاريخ المغربي وحقبه، إدريسية، مرابطية، و..و...ولكن هل هذه المنهجية ستسعف أم لا ؟
لا نعتقد، لأن الباحثين سواء المغاربة، أو الفرنسيين، أغفلوا البحث في العيطة وأعطوا إهتماما للموسيقى الأندلسية، و الأمازيغية، أكثر من الألوان الأخرى لدواعي كثيرة.
لكن نجد عبد الجليل بن عبد العزيز في إشارة له والتي لم تكن معززة بشواهد ،حيث يعتبر بأن الحوزي ظهر في العصر الموحدي لما استقدم الموحدون بنو هلال إلى المغرب وفي ذلك يقول :" فكان لهذا الحادث تأثير بارز على الموسيقى المغربية ، إذ بقدومهم ظهر إلى الوجود نوع من صنوف الطرب، ألا هو الطرب الحوزي " (الصفحة 7 من كتاب مدخل إلى تاريخ الموسيقى المغربية). فإلى أي حد هذا المعطى يمكن الإستئناس به؟
في جزء أخر من الكتاب يشير الباحث بأن البحث يظل مفتوحا في التفاعل مع مقاربة ظهور العيطة الحوزية مع قدوم بنو هلال.
الذي لا يستقيم مع المنطق في طرح الأستاذ بن عبد الجليل، بأن العيطة متنها باللغة غير اللغة الكلاسيكية، أي العربية الفصحى، فهي لغة تكسرها - أي اللغة العربية- من حيث المبنى، ومن حيث التركيب.
في تقديرنا بأن الهلاليين قد أدوا بعض الملاحم الخاصة بهم باللغة العربية، و بالإعتماد على الربابة بالأساس. أما ظهور اللغة المغربية سيحتاج إلى وقت طويل لكي يتدرب اللسان المغربي على العربية، ولكي يتم بناء اللغة كمؤسسة اجتماعية ، لأنها تواضع بين مجموعة من الناس على علامات معينة والتي ستعمل على بنية الجماعة لسانيا وثقافيا بالمعنى الأنتربولوجي.
وفي نهاية العصر الموحدي سيظهر فن "الكريحة" الذي سيعرف بالملحون كفن مغربي والذي سينتشر بالجزائر، والذي سيسميه الجزائريون بـ "الحوزي المدور"، وفي اعتقادنا سيكون بن عبد الجليل قد نقل هذا الإستنتاج عن بعض الدراسات الفرنسية التي سمت كل ما يخالف الغرناطي بالجزائر "حوزي مدور" أي كل ما يغنى بغير اللغة العربية الكلاسيكية.
إذن ما هو السبيل إلى إبراز، كيف وصلت العيطة إلى هذا المستوى من النضج على المستوى الموسيقي، وعلى مستوى بنية القول ؟
هل للعيطة تاريخ ؟
كل وجود جمالي، أو بيولوجي، أو عمل سردي ، أو مؤسسة ما، لابد من تدرجها من مراحل محددة إلى أن يكتمل بناؤها. وحتى وإن هيمنت البياضات على مساراتها الماضوية ، فهذا لن يعدم التعاطي مع ذاكرة أي موجود كيف ما كانت طبيعته، مادامت عملية وجوده قد تمت ضمن العمران البشري. فحين تغيب الوثائق فهذا لا يشكل عذرا لعدم الخوض في إشكال يقع ضمن التاريخ الفني، أو التاريخ الأدبي، أو التاريخ الثقافي بمعناه الأنتربولوجي، ولكن هل تقع العيطة ضمن فنون القول ؟ و إذا لم تقع ضمن فنون القول، فما هي طبيعتها ؟ لو كانت العيطة تقع ضمن فنون القول لكان الأمر سهلا، وهينا، ولكن ما هو ما وقعها إذن ؟ وما هي طبيعتها ؟
لقد تم تعريف العيطة تعريفات كثيرة ، ولكن هل هذه التعريفات نفدت إلى عمق طبيعتها؟
هي تعريفات قد تتناول جانبا منها ، و تغفل جوانب أخرى على قدر كبير من الأهمية، فعلى سبيل المثال يتم توصيف العيطة بأنها فن بدوي، عروبي، إلى غير ذلك من التوصيفات، وهي توصيفات تتغيى تمييزها عن الفنون التي عرفتها الحواضر التقليدية التي سكنها الموريسكيون القادمون من الأندلس، والذين استوطنوا مدن فاس و الرباط وسلا و تطوان وشفشاون.. أي المدن التقليدية.
إنه تمييز يحدد مجال تبلور العيطة الذي كان خارج أسوار هذه المدن التي عرفت فنونا أخرى، وخاصة الأندلسي، وفن الكريحة أي الملحون، مع عدم نفي وجود فن العيطة بحفلات هذه المدن التقليدية.
ولكن حين نروم المقارنة على المستوى الموسيقي والفني، نجد بأن فن العيطة كان على قدر كبير من النضج على مستوى البناء، وعلى المستوى الموسيقي، وعلى مستوى تمكن فناني العيطة من فنهم.
إن فن على قدر كبير من التركيب يتم أداؤه بقدر قليل من الآلات الموسيقية يشي بأننا أمام فنانين كبار، على قدر محترم من الثقافة الموسيقية، لأنهم ناس يشتغلون ضمن مؤسسة معينة لها وظائف تستقيها من العمران، إنها مؤسسة "عبيدات الرما" ، الذين يرتبطون بشكل عضوي مع الرماة سواء رماة القبيلة، أو الجيش السلطاني، الذي كان يضم ضمن تركيبته كذلك فرسان القبائل النائبة التي كانت تمد السلطان بالفرسان عند الحاجة.
غايتنا من هذا المقال هو تحديد مسار تاريخي، يحاول مقاربة مغايرة، هل ذلك ممكنا؟