الجمعة 25 يونيو 2021
كتاب الرأي

عبد القادر فلالي: مأسسة المسيرة الخضراء

عبد القادر فلالي: مأسسة المسيرة الخضراء عبد القادر فلالي

عادة يتم تناول حدث المسيرة الخضراء على أساس أنه حدث تاريخي باعتباره مفترق طرق حقيقي في بناء المغرب الحالي. نريد تناول هذا الحدث كونه مؤسسة تاريخية أو بالأحرى مأسسة المسيرة الخضراء. وما افتتاح القنصليات الدولية مكاتبها في العيون والداخلة لتجسيد لمشروع مأسسة حقيقية للمسيرة الخضراء.

يتسنى لنا إضفاء الطابع المؤسسي للمسيرة الخضراء على أنه بناء يُحدد من خلال مؤشرات سطرها المؤسساتيون في الاستقلالية والقدرة على التكيف والتركيبية والاتساق. الاستقلالية هي تعالي المؤسسة عن السجال الديماغوجي للفاعلين السياسيين كانوا أحزابا أو نقابات أو تجمعات مدنية أخرى. بمعنى آخر تسمو المؤسسة عن السجالات الضيقة. ثم القدرة على التكيف التي هي قابلية مؤسسة المسيرة الخضراء التماشي مع المتغيرات الوظيفية الاستشرافية. هذه هي الطريقة التي تستمر بها المؤسسة في الاستجابة للتحديات الداخلية والخارجية. ينطوي مؤشر التركيبية على استعداد هياكل المؤسسة في إنشاء علاقات مستقرة وهوية فريدة. بينما يتعلق الاتساق بمرونة عمل الوحدات داخل المؤسسة والأساليب المستخدمة للتعامل مع كل ما هو مُتوقع وما هو غير متوقع.

نفترض أنه بمجرد الوصول إلى هذه المؤشرات التي بدورها تخلق ذاتية تطورية إلى المستويات العالية، تتضاءل كل العناصر السلبية وتصبح العناصر المؤسسة أكثر استقرارًا. الأمر الذي يجعل من مأسسة المسيرة الخضراء مؤسسة قائمة بذاتها مستوفية لجميع الأركان والدعائم.

 

الاستقلالية

نغفل كثيرا المؤسسات التاريخية التي لها علاقة بالبعد الهوياتي للأمم. فتراكمات التجارب التي بفضلها تُشكل ملامح الأمة التي على أساسها تنمو وتنضج، تكون فيها الأحداث مثل المسيرة الخضراء الذي هو حدث جبار في كل تجلياته بحيث إذا وُضع في الإطار الهوياتي للمغرب فهو يشكل حدثا طبيعيا.

فتحرك المغاربة صوب أقاليمهم الجنوبية إذا ربطناه بشخصية الأمة عبر التاريخ فهو حدث طبيعي. لأنه أمر مُتوقع من سلوك أمة وشعب تعودوا في ذاكرتهم التاريخية أن تحرير الأندلس من القشتاليين والانتصار في معركتي الزلاقة ووادي المخازن أمام أعتد القوى الدولية أنداك الإسبان والبرتغاليين هي أحداث راكمتها الشخصية المغربية وما المسيرة الخضراء إلا جزء من ذلك المغرب الحضاري الضارب في التاريخ. الأمم انعكاس لمواطنيها. فالفرد الذي شخصيته واضحة وثابتة يتحرك عبر مبادئ وأخلاق مما يجعل تحركاته مُتوقعة (البعد الإنساني ثابت) وبالتالي فالمحيط يتوقع من ذلك الفرد أن يتعامل ببعده الإنساني.

فكان مُتوقع من الأمة المغربية أن تقوم بأمر ضخم اختار المغرب فيه أن يكون في شكل مسيرة سلمية. كان من الممكن أن يكون في شكل آخر (تصعيد عسكري، نفير شعبي...)، ولكن المغرب بتراكم تاريخه الحضاري ورسوخ مبادئه اختار الجانب السلمي المتحضر، فاختار مسيرة أطلق عليها خضراء.

لقد أصبح مصطلح "مؤسسة" أكثر رواجا في حقل العلوم الاجتماعية خاصة في أبحاث معاهد أمريكا الشمالية بشكل عام التي أخرجت من رحمها المؤسساتية الجديدة حيث طرحت سؤال كيف تكون السمات التنظيمية مؤسسية، وكيف تؤثر المؤسسات على النتائج السياسية. نحن نعرّف المأسسة على أنها العملية التي من خلالها تحصل فيها المؤسسة على القيمة والاستقرار كغاية في حد ذاتها.

 

القدرة على التكيف

"المأسسة" هي غرس قيمة تتجاوز المتطلبات السطحية للمهمة قيد البحث. عندما يحقق سلوك الدولة عبر التراكمات التاريخية استقرارا قيميا، فإنه يصبح مؤسسة. نقصد بالاستقرار القيمي إلى كون ذلك الحدث أو السلوك لم يعد كيانًا ميكانيكيًا أو ظرفيا، ويمكن تغييره أو إزالته بسهولة. بدلاً من ذلك، مأسسة حدث كالمسيرة الخضراء يحقق الصيانة الذاتية لكونه هو موجود في المستقبل لأنه حدث في الماضي سنة 1975.

 يتجسد الاستقرار القيمي كلما طالت مدة وجود حدث كالمسيرة الخضراء، فيزداد تطويرها لهياكل وقدرات ومسؤوليات مميزة. بطريقة تكميلية، كلما كانت هوية الحدث أكثر تميزًا، فإنه من المرجح أن تكون أكثر ديمومة وقابلية للتنبؤ. إن الاختبار الاستقرار القيمي للمسيرة الخضراء هو غياب "القابلية للاستهلاك". وبالتالي أثناء إضفاء الطابع المؤسسي، يتطور الحدث التاريخي للمسيرة من حدث تخليدي إلى كيان اجتماعي لا غنى عنه مكتسبا ذاتية فريدة في التأصيل والاستمرارية.

تخلق البيئة ظروفًا لمؤسسة المسيرة الخضراء ليتم اعتبارها أمرًا مفروغًا منه تنمو بفضلها وحدات أخرى . عندما يُمأسس حدث مثل المسيرة الخضراء، فإنه يُظهر الاستمرارية والتجذر على الرغم من المتغيرات أو القيود الخارجية أو الفردية. وكلما زاد إضفاء الطابع المؤسسي، أصبح حدث المسيرة أكثر حياة وحيوية.

 

التركيبية

المؤسسة التاريخية لحدث المسيرة ليست مجرد حدث وتذكار موسمي، بل مؤسسة موجودة في المعاش اليومي. المغرب ومسيرته جاء من منطق القوة التاريخية التي جعلت من ترسخ تجربته الحضارية غير قابل للمساومات. فمسيرة الملح التي قادها "غاندي" كعصيان مدني احتجاجا على الحكم البريطاني، ثم المسيرة الطويلة التي تزعمها "ماو تسي تونغ" في الصين كلتاهما لديهما قاسم مشترك مع الأمة المغربية كون هذه الأمم لديها هويتها التاريخية المتجذرة وكل هذا تعكسه نظرية المؤسساتية التاريخية كمبحث جديد في المؤسسات. في حالتي الصين والهند شكلتا المسيرتين قطيعة تاريخية في حين مثلت المسيرة الخضراء استمرارية وهذا ما يجعلها حدثا ملهما ومنفردا في التحليل.

بشكل عام، أدت المسيرة الخضراء الوظيفة الحاسمة المتمثلة في توفير الصالح الجماعي للاستقرار شمال إفريقيا، والتي كانت وما تزال في حد ذاتها جزءًا لا يتجزأ من "الاستقرار الاستراتيجي" بين الشرق والغرب.

 

الإتساق

على هذا النحو، فالمسيرة الخضراء عنصرً أساسيً فيما عرف نهاية السبعينيات بالهدنة التي كانت عملية الانفراج مع عدد من المبادرات السلمية لدمج التزام ضمني من أجل خلق عالم مستقر، ومن المسلم به أن استعادة الأقاليم الجنوبية لا يمكن حلها بشكل متعدد الأطراف من قبل القوى العظمى ولكن الأمر تطلب تعبئة وطنية. إن إنشاء المجلس الجهوي لحقوق الإنسان وخطط التنمية في الجنوب أحدث اعترافا بهذه الحاجة إلى مسيرة خضراء مؤسساتية. وظيفة أخرى سوف تبوؤها المسيرة الخضراء في توفير درجة من الحس المؤسساتي. على هذا النحو، توفر المسيرة الخضراء منتدى لجميع التجمعات الإقليمية لإجراء تبادل مفصل للمواقف حول استقرار إفريقيا.

من أجل أجرأة  لهكذا تصور، سوف تنخرط المكتبة الوطنية للمملكة والباحثين الجامعيين داخل أرض الوطن وخارجه من أجل الشروع في بناء اللبنات المؤسساتية لهكذا مشروع.

عبد القادر فلالي، أستاذ العلوم السياسية في جامعة أوتاوا - رئيس مجموعة تفكير PoliSens