الأربعاء 2 ديسمبر 2020
كتاب الرأي

عبد الإله حسنين: اتحاد المنظمات التربوية المغربية..التاريخ والبناء الفكري

عبد الإله حسنين: اتحاد المنظمات التربوية المغربية..التاريخ والبناء الفكري عبد الإله حسنين

إن الحديث عن واقع ومستقبل الإتحاد هو حديث ذو شجون لما له من ذكريات تحمل رصيد مناضلين منهم من قضوا نحبهم كالمرحومين محمد الحيحي والطيبي بنعمر ومحمد السملالي والطاهر بورحى ومحمد صوغو وأخرون، ومنهم من لا زالوا على قيد الحياة أطال الله في أعمارهم وما بذلوا تبديلا، ويضل الاتحاد في صلب اهتماماتنا الآنية والمستقبلية لما يشكله من حمولة تاريخية وإنسانية، ولما يربطنا به سواء كأفراد أو كمنظمات من قواسم مشتركة من حيث الأهداف والمبادئ والبرامج التي تصب في مجالات التربية الشعبية وحقوق الطفولة والشباب والمخيمات الصيفية.

فكما تعلمون وطبقا لظهير الحريات العامة في فصوله المتعلقة بتنظيم الجمعيات؛ تأسس اتحاد المنظمات التربوية بتاريخ 30 مارس 1991، والذي أصبح فيما بعد اتحاد المنظمات التربوية المغربية وليس المغربية التربوية كما وقع خطأ في السنوات الأخيرة. وتعلمون أن يوم 30 مارس هو بالمناسبة ذكرى يوم الأرض بفلسطين، وكلنا يعلم مواقف المؤسسين لاتحادنا من هذه القضية التي اعتبرناها وباستمرار القضية الوطنية الثانية بعد قضية الصحراء، ولاسيما مواقف المنظمتين العتيدتين تاريخيا حركة الطفولة الشعبية والجمعية المغربية لتربية الشبيبة، أي مواقف المرحومين السي محمد الحيحي والفقيه الطيبي بنعمر.

وقد تأسس الاتحاد بين الجمعيات التربوية الآتية أسماؤها : حركة الطفولة الشعبية، الجمعية المغربية لتربية الشبيبة، جمعية التربية والتخييم، جمعية المواهب والتربية الاجتماعية، جمعية الشعلة للتربية والثقافة، وانضمت له جمعية المنار للتربية والثقافة وفيما بعد جمعيات أخرى، وأعتقد صادقا وقد دافعت على ذلك في الماضي، أن علينا فتح الباب وقبول الجمعيات التي لها نفس أهدافنا أو تقترب منها.  

واتحاد المنظمات التربوية المغربية هو اتحاد يعمل وفق مبادئ الاستمرارية والتطوع والمساواة والمشاركة واستقلالية الجمعيات المكونة له في اتخاذ القرارات، لأن الاتحاد لا يقوم مقامها، كما أنه يهدف إلى تنسيق العمل بين المنظمات المكونة له وتوحيد وجهات نظرها والمساهمة في تنمية المجتمع. وذلك عبر وضع برامج وخطة عمل سنوية، كما أنه يعمل من أجل تأهيل الأطر لتبادل الخبرات ودعم الجمعيات المكونة له أمام السلطات العمومية وتطور الممارسة الجمعوية.

فمن حيث الإطار القانوني نعم، إنه جمعية غير حكومية تخضع للظهير المنظم لعمل الجمعيات، وهو في نفس الوقت اتحاد يضم الجمعيات التربوية الوطنية، أي تلك التي لها تاريخ في الممارسة التربوية وشبكة وطنية من الفروع والجهات والأندية وتساهم في مختلف عمليات تأطير التكوينات والأنشطة الإشعاعية والمخيمات الصيفية التربوية والأوراش الوطنية والتظاهرات الثقافية والفكرية...؛ إلا أن هذا الاتحاد لا يحل محل هذه الجمعيات ولا يتكلم مكانها، بل هو إطار لتوحيد الجهود وتنسيق العمل ويعتمد لبلوغ أهدافه تنظيم ندوات فكرية ودورات تكوينية ومعارض ويعمل على إنتاج الوثائق والملفات التي لها علاقة بتكوين وتأهيل وتأطير المواطن المغربي، كما أنه يعتمد وسائل الاستشارة وطلب الخبرة والدراسات ونشر المطبوعات ورصد المعطيات التي تهم مجالات عمل الجمعيات حتى يتمكن من الإجابة عن مختلف الأسئلة التي قد تطرح عليه أو على الجمعيات المكونة له وحتى يتمكن من الترافع محلها بكل ما أوتي من قوة قانونية واقتراحية.

فنحن وباستمرار كنا نعتبر أنفسنا كجمعيات تربوية مكونة للاتحاد متساوين في الحقوق والواجبات لا فرق بين حركة الطفولة الشعبية والجمعيات الأخرى، إلا بمدى الفعالية الإيجابية والدينامية داخل هذا التنظيم وبمدى قدرتنا على توجيه مساره وإعمال توصياته، وقد ساهمنا فعلا خلال السنوات الماضية التي قضيناها في مهمة رئاسته في تطوير عمله وتنويع مهامه التنسيقية والتوحيدية وأسهمنا إسهاما إيجابيا من خلال ممثلينا داخل الاتحاد في تعديل قوانينه وتقديم أرضيات متقدمة في مجالات اشتغاله وميادين تعامله سواء منها الذي يهم تأهيل العنصر البشري العامل داخل الجمعيات المكونة له، أو الذي يتعلق بالعلاقات الدولية في مجالات تبادل التجربة والأطر، وتبادل الخبرات مع التنظيمات والاتحادات التي تعمل لنفس الغايات والأهداف.

وتعلمون جميعا أننا طالبنا منذ مدة طويلة داخل حركة الطفولة الشعبية بتأسيس إطار دستوري تمثيلي يعني بكل القضايا التي تهم تربية أطفال وشباب المغرب، وكنا نرغب مقتنعين في أن يكون اتحادنا جزءا من هذا الإطار الدستوري الذي يسمى اليوم المجلس الاستشاري للأسرة والطفولة أو المجلس الاستشاري للشباب والعمل الجمعوي. وعندما نقول التربية، فإننا نعني بها المفهوم الشامل أي مجموعة من التأثيرات المختلفة التي تمارس على الفرد ويحقق من خلالها ذاته أو يمارسها الفرد على محيطه المجتمعي والسوسيوثقافي وتساهم في خلق وتنمية شخصيته، كما أننا نعتقد أن مستوى تقدم وتطور أي مجتمع يقاس بالمستوى الفعلي الذي وصله تربويا وتعليميا، وبعدد المرافق والبنيات التحتية التي وفرها لأبنائه، وبنوعية البرامج الاجتماعية، وبملائمة شروط وظروف استقبال الأطفال والشباب لرغباتهم وحاجياتهم خارج إطار الأسرة والمؤسسات التعليمية.

لكل ذلك، فإننا نعمل على تقديم التربية فوق كل الاعتبارات فهي المنطلق وهي الهدف لكل برامجنا وأعمالنا، فمسؤوليتها تقع على الجميع. كما أننا نعتقد أن على جميع الفاعلين كيفما كانت انتماءاتهم الفردية وآراؤهم، وأفاق تصورهم وتفكيرهم، ومستوى تكوينهم ودرجة ممارساتهم وكم تجاربهم؛ الاقتناع اليوم قبل الغد بضرورة تطوير ومأسسة عمل الجمعيات المنضوية تحت لواء الاتحاد لأنه أساسي في تطوير الأعمال التربوية والاجتماعية والتطوعية. فعلى الاتحاد أن يواكب تطور المجتمع والتحولات العميقة التي طالته بتحديث آليات العمل والتخطيط والبرمجة والتكوين، وبإدخال مفاهيم جديدة تعتمد على علوم التربية بكل شعبها وعلى علوم الاجتماع بكل تفرعاته لتجديد خطاباته. وكذلك العمل داخل جو يسوده التكامل والتنسيق عوض التنافر والتنافس غير الشريف ويتميز بالاعتراف بالمكانة التي يجب أن يحتلها الأطفال والشباب المواطنون داخل البرامج التربوية والتنموية لمغربنا.

لقد مر على تأسيس الاتحاد 29 سنة حتى الآن وهي مرحلة عمرية هامة، إلا أنها ليست كافية للحكم على بقاء أو عدم بقاء هذا التنظيم، كما أن نقد الماضي لا يجب أن يكون إلا بهدف بلورة وتخيل آفاق العمل في المستقبل، وقد كان الاتحاد في سنواته الأولى يعمل من أجل توطيد التأسيس والبناء وتطلب ذلك مجودات جبارة للتوحيد بين مكوناته رغم بعض الأخطاء التي سجلها تاريخه، إلا أنها كانت مرحلة مهمة لم تستكمل بعد دورها. كما أن السنوات الماضية عرفت كذلك مرحلة اتخاذ المواقف وبلورة الاختيارات الأساسية ومحاولة البناء الفكري، فعبر من خلالها الاتحاد عن أفكاره وآرائه من مختلف القضايا الكبرى التي تهم ملف الطفولة والشباب لأن ذلك يعتبر من اختصاص أعضاء المكتب التنفيذي الذين هم في نفس الوقت ممثلي الجمعيات التربوية. وأعتقد على أننا مقبلون ومضطرين لذلك في المستقبل القريب على التفكير في تحديد المضمون الحقيقي لهوية الاتحاد بشكل واضح في أبعادها التنظيمية والفكرية والتربوية.

لقد سبق أن اقترحنا خلال ولايتنا على تنظيم الاتحاد عبر الجهات الترابية المعترف بها رسميا من طرف المملكة المغربية وقدمنا دراسة متواضعة حول الموضوع انطلاقا من عمل أكاديمي حول جهات المغرب وضرورتها التربوية والاجتماعية، حتى قبل أن ينطلق ذلك إلى تنظيمات أخرى ومنها الجامعة الوطنية للتخييم حتى لا نذكر بعض الأحزاب والنقابات، إلا أن مقترحنا لم يجد حينه الآذان الصاغية، وبعد أربع سنوات من العمل تركناه على رفوف أرشيف الاتحاد. كما أن التعطيل الذي حصل للاتحاد دون تحديد لا الأسباب ولا المسؤولين، خلال الفترة الماضية جعلنا نضيع وقتا كثيرا في التفكير في الخروج من الأزمة عوض التفكير في الانتقال من البناء التنظيمي المؤسساتي إلى البناء الفكري المرتبط بالهوية، وجعلنا كذلك نساير ظروف الحوار الجاف على مستوى المسؤولين المتعاقبين على الوزارة الوصية وعلى مستوى الحكومات الانتخابية الضعيفة وعلى مستوى السياسات العمومية المرتبطة بالمصالح الآنية وعلى مستوى الميزانيات المحتشمة والمجحفة في حق منظماتنا، وأصبح سباق الجمعيات التربوية والثقافية والحقوقية كيفما كان حجمها وتاريخها لطلب المنح والحصول على فتات مائدة الحكومة هدفا ساميا لا يجب التخلي عنه.

ومع ذلك لا يمكننا اليوم القول بأن اتحاد المنظمات التربوية المغربية أصبح إطارا متجاوزا، لأن ذلك غير صحيح، فباعتباره إطارا توحيديا وتنسيقيا ما زال له الدور الأساسي سواء بين الجمعيات التربوية المكونة له أو إلى جانب القطاعات الوزارية المسؤولة عن ملفات التربية والطفولة والشباب، كما أنه كقوة اقتراحية لا بد أن ينتقل من معارضة البرامج الرسمية إلى اقتراح البدائل في مجالات المخيمات التربوية والدورات التكوينية والملفات الشبابية، لابد من إبداء الرأي في حقوق الطفولة والشباب وفيما يتعلق بالعطلة والوقت الحر وفضاءات التربية على حقوق الإنسان وعلى التشاور والاختلاف والديمقراطية، كما أنه ما لازال مطلوبا منه العمل كإطار نضالي للترافع والدفاع عن مكتسبات الجمعيات وللضغط على مختلف مراكز القرار والتخطيط حتى يتسنى له تحقيق أهدافه، وكل ذلك بطبيعة الحال يحتاج إلى الإرادة المناضلة والى الإرادة الفاعلة ومتمنياتنا أن نكون في مستوى الحدث.

عبد الإله حسنين الكاتب العام  لحركة الطفولة الشعبية والرئيس السابق لاتحاد المنظمات التربوية المغربية