الأحد 29 نوفمبر 2020
كتاب الرأي

السلماني: اتخذتم من المقدس سجلا تجاريا للدفاع عن ريع "البيليكي" و"الديبخشي"

السلماني: اتخذتم من المقدس سجلا تجاريا للدفاع عن ريع "البيليكي" و"الديبخشي" عبد الغني السلماني

كم هي متعبة التحليلات السوسيولوجية والقانونية والثقافية المتداولة من أجل مسك لحظات متداخلة بالتحول الذي يعرفه المشهد المغربي الراهن، حيث لا تنفع آليات علم السياسة في تشخيص ما آل إليه الوضع السياسي فحسب، بل لابد من استدعاء آليات أخرى للتفكيك، ربما أهدرنا الجهد في نقاشات جانبية لم يستفيد منها الشعب المغربي، بل كانت فرصة كي ينفلت بعض النكرات للمشهد ويكتسحون الممرات بدون شرعية .

 

كم أهدرنا من الجهد من أجل النضال الديمقراطي وبناء المجتمع المدني والدفاع عن قضايا المرأة والنوع الاجتماعي.. وقضايا العمال والمعطلين وحقوق الإنسان.. لم نكن نعتقد أن الإرادة الشعبية سيتم اختطافها وصبغها بالوهم والطهارة والأخلاق قصد التمكين من السلطة وأخواتها. الكل كان يعتقد أن من أغشى بصرنا وجعلنا من الغافين وأننا لا نعرف من أين تُأكل الكتف، حتى رفع عنا نائب برلماني البرهان المبين، وجاء بكلمة "الدبشخي" من أجل أن "يهدينا إلى الصراط المستقيم" ، حتى يزيل من أعلى عيوننا كل الغشاوة ويٌعرى مكمن الخلل داخل البرلمان المفروض فيه أن يحمي السيادة الشعبية وليس مهاجمة الشعب.

 

لذلك ألقى السيد الأزمي خطبته العصماء عارضا بكل الأوصاف الكبرى؛ لعطب السياسة على من سماهم «المؤثرين الاجتماعيين»، وبغض النظر عمن كان في نيته رشقهم  وتصفية الحساب معهم، فقد سقط في ابتذال لظاهرة تنامي النشاط الافتراضي الذي يٌعد ملجأ يجذب المغاربة للتفاعل مع الوقائع الاجتماعية والسياسية والثقافية أكثر مما تجذبهم منصات أخرى لتصريف الخطاب والمواقف. وبهذا كان لكلام السيد البرلماني فيه معنى، المفروض فيه احترام الناس وأن يقوم جديته المفتعلة في خرجته الفاشلة، متوهما أنه  يمارس «التأثير» بالصراخ والضرب على الطاولة حتى يتهم من سماهم المؤثرين عبر المنصات الافتراضية "خونة" قد يشتغلون لجهة ما، كما لمح أنه يَعْرِفها ويتساءل عن قيمة الدفع، وهكذا جاء  مفهومه السحري «الدبشخي» حتى يضع غشاوة على عيون الناس كي لا يروا الحقيقة، فكانت حركة  يده توحي بإيماءاتها وجدتها الصارمة الزائدة بأن «بلادنا قائمة بالمؤسسات وليس بالشعبوية»، حتى يكاد السامع يعتقد أن من يجب محاسبتهم على وضعية المؤسسات وسؤال أين الثروة هم هؤلاء؟ بل هم من يفرملون طرح السؤال لا للجمع بين السلطة والثروة؟ أنهم بنظره معرقلون للإعلام والمجتمع المدني.   وبهذا طلب من البرلمان والأحزاب الممثلة فيه أن يكونوا سدا منيعا ضد من سماهم وأتهمهم بأحقر الأوصاف لأنهم خارج المؤسسات التمثيلية.

 

كيف لهؤلاء أن يكون لهم هذا التأثير القاسي على مصلحة الأحزاب؟ فما جدوى أن ينتخب الناس مجددا مسؤولين لا حول ولا قوة لهم، ويتقاضون أجورا من ثروة البلاد المتواضعة دون أن يقوموا بتقوية المؤسسات؟ إنها  لعبة الكلام الغير المسؤول وهذا ما يسمى "بالغميق"، باللغة المغربية المتداولة .

 

أسئلة متواضعة:

هذا الدبشخي "العظيم" الذي يتجرأ علينا فليتحمل بعض الأسئلة يَطرحٌها من تسميهم هؤلاء المؤثرين: سيدي النائب وسيدي الرئيس! أعلم أنك لا ترى أي حرج في أن تحصل على "تعويضين أو أكثر" وامتيازات أخرى من البرلمان والجماعة في الوقت الذي تمر فيه البلاد من تداعيات أزمة اقتصادية خانقة بفعل جائحة كورونا.

كيف عليك وأنت الموظف السابق أن تقع في هذا التناقض المُثير؛ حيث لا تُفرق بين المهمة الانتدابية في هيئات منتخبة وبين منصب في الوظيفة العمومية أو تعيين إداري، حري بك أن تكون مدركا لعدم  خلط الأوراق؟

كان عليك وحزبك وأغلبيتك أن تقوم بدراسة مقارنة بين برلمانات العالم حول طبيعة التعويضات؟ ممكن أن تجد وتُصدم أن كبار المسؤولين والسياسيين في الدول المتقدمة يتقاضون رواتب أقل بكثير من نظرائكم هنا في المغرب، علما أن اقتصادهم أكثر قوة وتنظيما، بل من الممكن أن تكون رواتب البرلمانيين المغاربة من أعلى الرواتب في القارة الإفريقية وأمريكا اللاتينية؟

 

ما صرحت به يفوق التصورات، متى كنت تشتغل لفائدة المدينة وأنت عمدتها لا تتواجد فيها؟ سيارات المصلحة تتنقل من فاس إلى الرباط من أجل توقيعك السمين والذي يعطل مصالح المواطنين؟ ماذا فعلت لمشاكل فاس؟ أزبالها وطرقاتها وحدائقها و إنارتها العمومية وشركات التنمية والبحث عن فرص الشغل لشبابها حيث استفحلت الجريمة وأصبحت أرواح المواطنين مهددة، ما هي الثروة التي ساهمت في خلقها، ماذا فعلت لمدينة  قيل عنها أنها عاصمة علمية للمملكة وهي جديرة بهذا اللقب؟ أنت أصبحت لا تزور فاس إلا من أجل مناصرة عبد العالي حامي الدين المتهم باغتيال الشهيد آيت الجيد محمد بنعيسى؟ مكان محكمة الاستئناف ليس هو مقر الجماعة، لكن نعرف وبالملموس مكان لقاء الزبانية والسماسرة من أجل تخويف الدولة وابتزازها، قل لي إذن من يدافع عن المؤسسات؟ متى كان متابعة متهم بالقتل في حالة سراح. حاول أن تجيب !

 

أعرف أنك لا تملك جوابا حتى ولو وظفت معجم "الدبشخي والبيليكي". خطابك ذكرني بخطاب القذافي حين خاطب معارضيه واتهمهم بالجرذان وسيبحث عنهم في كل المواقع زنقة زنقة دار دار.. والبقية تعرفونها ...

 

يبدو أن  السيد الأزمي  لم يستفيد من التاريخ المعاصر، ولم يكن بالسياسي الذي تدرب جيدا في مواقع التكوين، بل تم استقطابه وأعطي له رقم كي يلعب في مربع كانت الظروف مواتية كي يحقق الانتصار بمعنى لعبتْلو  «الجلدة» ، ولهذا كان يستفيد من مواقع التواصل حينما تشتغل ضد خصومه السياسيين ويكون حزبه الأغلبي الفائز الأكبر ، لكن مالا يعرفه السيد النائب أن الشبكات الاجتماعية باعتبارها مواقع للقاء الافتراضي وتبادل الآراء، تتحول تدريجيا إلى عقل جمعي وفعل مؤثر وموجه للاختيار، هذه المواقع  نجحت وستنجح في "هدم المستبدين"؛ أي تعمل على تحويلهم إلى رموز للتسلط والظلم وهذا ما وقع لمفهومي "الدبشخي" و"البيليكي"، حيث ستكون تبعاتهما على الحزب قاسية، سيكون العد العكسي لبداية الانهزام، وأن الأمر لن يقف عند هذا الحد بل ستستمر المعركة من أجل تفكيك منظومة التسلط بكل أشكالها، بل أصابع الاتهام ستتركز على كل السياسيين الذي يتخذون من الفعل السياسي مجال لتراكم الثروة وصيانة الريع في أفق التكتل الجماعي لربط المسؤولية بالمحاسبة.

 

وبهذا فإن غضبتك ستكون بداية نهايتك، لأن الذين يريدون أن يحرموك من "كعكة تعدد التعويضات"، هم مواطنون صوتوا لك وهم القادرون على هزمك من جديد.. لقد سقط القناع وسقطت كل الطروحات التي تدافع عن بساطة وشعبية حزب سياسي يتخذ من المقدس المشترك سجلا تجاريا، يوهم العامة أنه يأكل الطعام مع عامة الناس ويمشي في الأسواق، لكن تحول في وقت قياسي إلى مدافع عن الإثراء وحماية الريع أكيد سقط القناع !!!

 

- عبد الغني السلماني، باحث وناقد