الجمعة 30 أكتوبر 2020
مجتمع

الباحث حبيبي: عندما يقوض التعليم عن بعد الوظائف التقليدية للمدرسة (2/2)

 
الباحث حبيبي: عندما يقوض التعليم عن بعد الوظائف التقليدية للمدرسة (2/2) التفكير في تكييف المدرسة مستقبلا مع الحياة النفسية للأطفال

يواصل عبد الإلاه حبيبي، الروائي والباحث في علم النفس التربوي، تفكيك منظومة التعليم عن بعد  وتداعياتها على نفسية الطفل والتمثل العام للمدرسة وأدوارها.

"أنفاس بريس"، تنشر الجزء الثاني من تأملات الباحث حبيبي.

 

التعليم بالبقاء في البيت تكريس لسلطة الذات وتعودها على العمل خارج الأنظمة والقوانين، أي أن البقاء بعيدا عن المدرسة ولمدة قد تطول أو تقصر يشكل بداية انفصال خطير عن المشروع التربوي الاجتماعي الذي تشتغل عليه البرامج والمناهج الدراسية؛ هذا يعني أن التعليم عن بعد هو نفي مطلق للحياة المدرسية، والاحتفاظ فقط بالمراسلات، والتبادلات الشكلية التي لا تحضر فيها الوجوه ولا الملامح ولا الانفعالات ولا التبادلات الوجدانية التي لا يمكن للكاميرا أو غيرها من التقاطها ونقلها في لحظتها...

الكاميرا لا تنقل إلا ما هو ثابت، الجالس أمامها أو الذي يتحرك في مجالها، أما العلاقات التفاعلية الجارية لحظتها فنادرا ما تستطيع التكنولوجيا الإمساك بها، لأنها الوجدان الذي يتغير باستمرار على مدار الحصة الدراسية، أو ذلك المنفلت الذي لا يمكن رؤيته سوى بالمعايشة المباشرة والانخراط التلقائي في الحقل التداولي  والتفاعلي للدرس...

 

في مقابل ذلك تخلق تكنولوجية التعليم عن بعد استقلالية شبه مطلقة للمتعلم على مستوى حماية كيانه من تفاعلات لا يرغب فيها، أو لا تساعده على التوافق مع حياة القسم و إكراهات الزمن المدرسي، حيث لاحظنا أن بعض المتعلمين طوروا جوانب مهمة من شخصيتهم خلال فترة التعلم عن بعد، وهؤلاء كانوا من تلك الأقلية التي لا توافقها أجواء الضبط والنظام الصارم في التعلم، أي الأطفال  شديدو الحركة، الذين لا يستطيعون البقاء طويلا  منضبطين في الصف، حيث يجدون صعوبة في الجلوس لمدة طويلة على الكراسي، ومتابعة الشروح والأنشطة بشكل هادئ وسلس... هؤلاء يوافقهم التعليم عن بعد، بل يمنحهم فرصة الانخراط في العملية التعليمية، مع حماس مثير على مستوى الكشف عن قدرات عقلية ومهارات سلوكية كانت منفية في سياق التعليم الحضوري...

 

من هنا يظل من المهم التفكير في تكييف المدرسة مستقبلا مع الحياة النفسية للأطفال، أي الانتقال من طفل المدرسة إلى مدرسة الطفل، والعمل على توظيف التكنولوجيا في تطوير مهارات التلاميذ، وجعلها وسيلة لترقيتهم عقليا وسلوكيا وثقافيا، مع الاحتفاظ بالأدوار التنشيطية للمدرسين، وتخفيف الأنظمة الصارمة، وحلحلة الحياة المدرسية دون تراخي مفرط باعتماد سيكولوجية تواصلية تقوم على مبدأ جعل الطفل يختار ويقترح الموضوعات التي يرغب في معرفتها أو مناقشتها دون إهمال دمجها في منظومة البرامج والمقررات التي لا ينبغي أن تظل جامدة لعقود في أزمنة السرعة والنانو والكوانتا والأقمار الاصطناعية التي تغرق المنصات التواصلية بملايين المعلومات والبيانات المستجدة...

 

التعليم الحضوري  يضمن الحفاظ على تمرين التلميذ على العيش في المجموعة والتبادل الخبرات معها، واكتساب آليات الاندماج والتفاعل الإيجابي مع اقرأنه ومعلميه وكل المحيطين به، لهذا فرغم أن التكنولوجيا توفر بدائل ثورية لتعويض التدريس لكنها لن تستطيع أبدا تعويض الحياة المدرسية الحقيقية، التي تقتضي حياة إنسانية اجتماعية حقيقية في الساحة والممرات والحجرات، حيث تصبح أصوات الأطفال خلال فترات الاستراحة دليل الحياة  الفعلية والعيش المشترك في فضاء عام يشكل أرضية أولية للتربية على العيش مستقبلا في مجتمع كبير بكل تعقيداته الإنسانية والاجتماعية والثقافية واللسانية وغيرها من الأبعاد المؤسسة للحياة الاجتماعية التي هي أساس كل العمليات الإنتاجية بجوانبها المادية والرمزية...