الاثنين 18 يناير 2021
فن وثقافة

الكاتب نور الدين صدوق في "مدارات": لم آتِ للأدب بالوراثة وأنتقم لنفسي بجنون القراءة

الكاتب نور الدين صدوق في "مدارات": لم آتِ للأدب بالوراثة وأنتقم لنفسي بجنون القراءة الكاتب صدوق نور الدين (يمينا) والزميل عبد الإله التهاني

تابعت "أنفاس بريس"، ليلة الجمعة 18 شتنبر 2020، رفقة المستمعين، حلقة جديدة من برنامج "مدارات"، الذي يعده ويقدمه الزميل عبد الإله التهاني، عبر أثير أمواج الإذاعة الوطنية؛ والتي تم تخصيصها للكاتب والناقد نور الدين صدوق، الذي سلط الضوء على مساره الثقافي، وكتاباته الإبداعية ودراساته النقدية؛ مستحضرا على ضفافها اهتمامه الخاص بالسيرة الأدبية والإنسانية للكاتب الراحل محمد زفزاف، والرصيد  الروائي للمفكر عبد الله العروي.

ضيف "مدارات"، الكاتب والناقد نور الدين صدوق، كشف في هذا اللقاء عن جوانب حميمية من حياته، وضمنها ظروف تمدرسه، وطفولته الأدبية في ظلال مدينتي أزمور والجديدة، ولحظات العبور الصعب في الحياة بعد فقدان  الوالد.

 

أربعة عقود من الإنتاج الأدبي والفكري

ما يقارب أربعين سنة من الكتابة والإنتاج الأدبي والفكري، أسهم الكاتب والناقد نور الدين صدوق في إغناء وإثراء الساحة الثقافية المغربية والعربية؛ والحصيلة كانت جد غنية وغزيرة بالإصدارات في مجال الإبداع الروائي والمؤلفات والدراسات والنصوص الأدبية والنقدية.

هذا التقديم كان لا بد منه ليخلص الزميل التهاني إلى الحديث عن روايتي "الكوندليني" و"الروائي".. و"البداية في النص الروائي" و"الغرب في الرواية العربية" من خلال رواية قنديل أم هاشم، ورواية "أوراق" لعبد الله العروي.. فضلا عن دراسات أخرى مثل "الرواية وإنتاج الوعي" و"الكتابة سلطة الذاكرة" و"سيرة المفكرين الذاتية" و"الذات والعالم"...

 

أزمور مصب نهر أم الربيع منبع بداية الثقافة والفكر

 ازداد ضيف "مدارات" سنة 1955 بمدينة أزمور، حيث قال بأسلوبه الجميل، وهو يتحدث عن ذاكرته الطفولية: "أشكرك على هذا التقديم الوافي والموفى، أشكرك لأنك أخرجتني من العزلة وجعلتني أتكلم... لقد اشتغل الوالد سائقا بين مدينتي أزمور والجديدة.. لم أره يرتدي جلبابا ويضع طربوشا عثمانيا قط.. كان الوالد أوروبيا بهندامه... بربطة عنق سوداء سالت على قميص أبيض... أعتقد أنه كان متأثرا بالوسط الأوروبي واليهودي في الخمسينات والستينيات".

وأوضح الكاتب نور الدين صدوق، في هذا السياق، بأن غياب والده في سن مبكرة كان له بالغ الأثر في نفسيته... "لم أتمتع بتفاصيل الحياة بجانبه.."

الحديث عن والدته كان بلغة أدبية أنيقة، حيث قال عنها "السيدة فاطمة ساقتها الريح من الغرب إلى أزمور... فاطمة كانت وظلت (وقدست يا عرقا من ذهب)"؛ وعن بيت الأسرة أفاد بأن "بيتنا ظل مفتوحا في وجه الضيوف والزوار".

 

لم آتي لحقل الأدب بالوراثة

ضيف "مدارات" أكد على أنه "لم آتي لحقل الأدب بالوراثة، وإنما التأثير... ولم تلتقط أذني حكاية من حكايات الجدات"، لكنه درس اللغة العربية عن أساتذة لهم مكانة كبيرة في قلبه "أستحضر كتاب محمد منظور، كأول كتاب قرأته.. وقرأت إصدارات وكتب توفيق الحكيم، وطه حسين، وإدريس الخوري (أبا ادريس)..". ويضيف نور الدين صدوق بأنه "تتلمذ على يد أساتذة مغاربة ومشارقة". وعن فترة الدراسة يوضح بألق بأن "المستوى الدراسي كان جامعيا بكل المعنى"، وبفضل أستاذه الخزرجي الذي كان تنويريا -حسب تعبيره- "تعرفنا على كتاب كبار مثل الماغوط، وزكرياء تامر، ويوسف إدريس، وإبراهيم حمادة، وعبد الوهاب البياتي الذي يحفظ له مقطعا رائعا من قصيدة (ضفادع الحزن في بحيرة المساء).."

وعن ذاكرة مدينة الجديدة في السبعينيات قال الكاتب والناقد صدوق "توافرت المكتبات والكتب، وحصلت على كتب مهمة جدا"؛ ويستحضر يوم "لم يجد 45 سنتم لشراء جريدة "العلم" لقراءة ملحقها الثقافي".. لذلك فهو ينتقم اليوم من تلك اللحظة.. صرت مجنون كتب بامتياز... أملك أربع مكتبات.. المكتبة الأصلية بأزمور، ومكتبة الأستاذ الذي كان بالدار البيضاء، ومكتبة المتقاعد بالجديدة، ومكتبة المسافر.."

 

كيف صنع صدوق وعيه الثقافي؟

يؤكد صدوق، على "مرحلتين حاسمتين في مسار تشكيل وعيه الثقافي"، هناك مرحلة "التمرين على الكتابة، وتحققت من خلال كتاباته التي وجدت حيزا للنشر في بعض المنابر والصحف الوطنية (العلم، المحرر، البيان، الأنباء...)؛ ثم مرحلة الوقوف على الذات، وانطلقت مع "كتابة القصة والنقد الأدبي في مجلة الثقافة العربية الليبية.... والطليعة الأدبية..". ويتذكر أنه "كتب رواية، وحملها للراحل محمد زفزاف، ونصحني بأن لا أنشرها، ونفذت الوصية".

وعن بداية نشر نصوصه القصصية أوضح بأن "أول نص قصصي نشرته كان بصفحة العلم للشباب، وقرأت هذا النص سنة 1976/1977 في ملتقى القصة". وأكد في سياق حديثه عن الأدب بالقول "إن الأدب صراع أجيال... وكل صراع يفرض تحولا... وحتى يستمر الأدب لا بد من أسماء جديدة".

 

زفزاف والعروي.. سيرة إبداعية

 قبل أن يولي ضيف برنامج "مدارات" اهتمامه بالمفكر عبد الله العروي يوضح "أعطيت أولوية للراحل محمد زفزاف"، من خلال علاقته به عبر "محطة التعارف سنة 1977 بمدينة الجديدة وكانت أول مرة أستمع فيها لصوته الجهوري.."، والمحطة الثانية سنة 1979 حين "كنت أقيم كطالب في القانون، وأمدني برواية "الأفعى والبحر".. ومن تم أهداني كل إصداراته.."؛ أما المحطة الثالثة فارتبطت بـ "الكتابة، وكتبت عنه كتابا نقديا عن انتاجاته القصصية والإبداعية".

أما بخصوص العلاقة مع عبد الله العروي فقد "نشأت علاقتي برجل الآداب سنة 1973/1974، لما كنت أتردد على مكتبة الأمل ووجدت روايته "الغربة" الصادرة سنة 1970/1971، وكتبت عنها ببساطة بجريدة المغرب العربي". وعن رواية/ سيرة "أوراق" يقول صدوق "أعدها كتاب الكتب، أو رواية الروايات،.. إنها تتطلب أكثر من قراءة... رواية تستحضر البعد الوطني العربي على كافة المستويات".

وأوضح قائلا: "الكاتب عاجز إذا لم يكن له مراسل ناقد"، مضيفا بأن "الذين قرأوا العروي قرأوه بوعي مسبق."، ويعتبرونه "مفكرا وليس روائيا". لذلك يستشهد نور الدين صدوق بقولة الراحل محمد زفزاف "لو أن العروي لم يكتب الإيديولوجيا المعاصرة لما عرفه أحد في المشرق".. ويؤكد نور الدين صدوق على أن العروي "بدأ حياته مبدعا ككاتب نصوص مسرحية".

 

حديث في النقد

يعتبر ابن مدينة أزمور الناقد نور الدين صدوق أن "النقد يشجع على القراءة... ولا قراءة بدون كتابة.. لا يمكن أن تكتب وأنت لا تتابع عالم الكتابة".. من هنا يؤكد على أن "الخيال مشترك بين المبدع والناقد. وخيال المبدع يتوازى وخيال النقاد، والناقد لا يكتب إلا إذا توفر الإبداع". وارتباطا بموضوع النقد بالمغرب تأسف ضيف "مدارات" قائلا: "من المؤسف على أن النقد تراجع بشكل كبير.. كنا نسمع بأسماء وازنة في الساحة الفكرية... المبدعون تراجعوا عن الكتابة والإبداع وكأن هناك يأس.."

 

تجربة يوسف إدريس وصنع الله إبراهيم وأدب المراسلات

وفي حديثه عن تجربة الكاتب يوسف إدريس قال: "هو علامة فارقة في كتابة القصة القصيرة، هو يعرف كيف يلتقط اللحظة بأسلوبه.. وتكثيفها وحكيها وسردها"... وأعتبره "ثورة على التقليد في الكتابة"؛ وأضاف موضحا بأن يوسف إدريس "كان يكتب بطريقة تكسر الصيغة التقليدية في الكتابة". نفس الشيء ينطبق على صديقه الكاتب صنع الله إبراهيم فهو "ثورة على الكتابة".

وعن علاقته الأدبية بأدب المراسلات والصداقات الحميمية، أوضح الكاتب نور الدين صدوق بأن "هذه المراسلات ليست كثيرة، ولكن هي مراسلات قوية كانت بينه وبين الروائي صنع الله إبراهيم مازالت إلى اليوم، ومع الصحفي سليم بركات رئيس تحرير مجلة الكرمل، وآخرين". وأكد على أنه "يفكر في جمعها ولملمتها رغم ضياع عدة أشياء"...