الجمعة 30 أكتوبر 2020
مجتمع

بنيس: هذه أسباب الجنوح لممارسات جنسية عنيفة وإجرامية

 
بنيس: هذه أسباب الجنوح لممارسات جنسية عنيفة وإجرامية سعيد بنيس
في هذا الحوار مع سعيد بنيس، أستاذ العلوم الاجتماعية بجامعة محمد الخامس بالرباط، يتحدث عن قضية الطفل عدنان الذي لقي مصرعه بطنجة، مؤكدا على أن الانتقال إلى العهد الرقمي وانفتاح جميع العوالم وتقاسم مضامينها، ومنها تلك التي تتعلق بالجنس، ساهم في بزوغ هويات جنسية متوحشة وغريبة تنهل من جنسانية ومخيال غير قابل للتحقق ويدفع رواده ومتعاطيه إلى سلوكات عنيفة واجرامية. 

 خلفت واقعة اغتصاب وقتل الطفل عدنان بطنجة نقاشا مجتمعيا حول دور الأسرة في حماية أبنائها، إلى أي حد تتحمل الأسرة المغربية ذلك؟ 

++ في ما يتعلق بمسألة اغتصاب الأطفال يبدو أن المسؤولية تظل مشتركة بين عدد من محاضن ومؤسسات التربية والتنشئة منها لا للحصر: الأسرة والمدرسة والمحيط العائلي والنادي الرياضي وجمعيات الطفولة والكشفية والبيئة المجتمعية بما فيها وسائل التواصل والاتصال (التلفزة والمحطات الإذاعية) والتجمعات السكنية.. أما في ما يمت إلى دور الأسرة بالتحديد فدورها أساسي ومحوري، لأنها تشكل نقطة الانطلاق بالنسبة للطفل للولوج إلى الحياة المجتمعية وتفاعلاتها بما فيها الإيجابي والسلبي. لهذا يمكن ايجاز دور الأسرة في تثبيت التوازن النفسي والشخصي للطفل وترسيخ ثقافة الاحتراز والاحتياط والانضباط لبعض السلوكات والعادات داخل البيت وخارج البيت كي يصبح التأطير والتربية في خط تكاملي وتكميلي يشمل جميع فضاءات حياة الطفل. ولتعميق دور الأسرة في مكافحة ظاهرة اغتصاب الأطفال يتوجب لزاما على أفراد الأسرة أن ينخرطوا في آليات وأدوات تحسيس الطفل وتربيته على عدم الوثوق بالغرباء ومرافقتهم والتفاعل مع إغراءاتهم ودعواتهم مع أن الخطر يظل قائما لا سيما عندما يكون المغتصب ينتمي إلى المحيط العائلي (زنا المحارم) أو السكني للطفل كما وقع في حالة الطفل عدنان. 
 
ما هو دور باقي وسائل التنشئة الاجتماعية في حماية الطفل وتربيته على عدم الوثوق بالغرباء؟ 

++ يظل دور باقي محاضن ووسائط التنشئة في تحسيس وثني الطفل عن عدم التعامل مع الغرباء دورا تكامليا إذا لم يكن دورا متكررا في أفق تعميق قيم عدم الوثوق ورفض مرافقة الغرباء. من هذه الزاوية يمكن اقتراح مواد أو مسالك في مقررات المدرسة المغربية تكون ذات مضامين إجرائية لتثبيت ما تلقى الطفل داخل أسرته من تعليمات ونصائح كي يتم تأطير التنشئة الاجتماعية على نحو تكاملي. ففي بعض التجارب الدولية الناجحة تتم مكافحة اغتصاب وسرقة الأطفال من خلال تلقين التلاميذ والأطفال في المستويات الأولى كيفية التصدي للمتحرشين والمغتصبين من خلال تعلمات بالممارسة (Learning by doing) عبر حصص يتم فيها تجسيد وتمثيل ومناقشة الظاهرة ورسم معالمها وتحديد أعراضها ومد الطفل بعناصر مبسطة لفهم تداعياتها بل وتزويده بدليل عملي وتمرينه على مهارات محددة تمكنه من التصرف بحكمة وبطريقة ناجعة في حالة تعرضه للتحرش من طرف الغرباء الراشدين.
في هذا السياق يمكن كذلك لباقي محاضن التربية أن تحذو نهج المدرسة من خلال تخصيص فترات زمنية لتعلمات إجرائية محينة لمكافحة ظاهرة اغتصاب الأطفال.
فالإعلام بجميع أطيافه الرقمي والمرئي والكتابي (الجديد والتقليدي) يمكن أن يساهم في هذه التنشئة من خلال بعض الآليات التي يمكن أن تشمل لا للحصر وصلات اشهارية داخل الفضاءات العمومية (الحدائق وملاعب القرب ودور الشباب والشوارع..) أو ملفات توضيحية قارة وبوتيرة أسبوعية، لأن الظاهرة يمكن أن تعرف خفوتا نسبيا لكنها تظل نائمة ومستشرية في جسم المجتمع مثل الفيروس أو الوباء. لهذا يمكن اقتراح خانات دائمة ومتواصلة تخصص للظاهرة في تأطير الأطفال في النادي الرياضي أو النادي الثقافي أو الإعلام على أساس أن خطر الاغتصاب يتربص الطفل في جميع الفضاءات المجتمعية ويصير فريسة سهلة (Easy prey) للمفترسين  (Predators) والمرضى الجنسيين (Sexopaths).
 
بالنظر لحيثيات واقعة طنجة نحن أمام انحراف جنسي، ما أسباب ذلك وكيف يمكن إصلاح هذا الانحراف؟
 
++ لتوصيف الانحراف الجنسي يمكن تحديد حقله ومداه بين الإدمان الجنسي والبيدوفيليا والحيوانية والاغتصاب والجريمة الجنسية. فبموازاة الديناميات المجتمعية المرتبطة بغياب التنشئة الجنسية وتمظهرات الاحتباس القيمي والإشكالات الاقتصادية والمادية التي ينتج عنها عدم الاستقرار والتيه الجنسي يبدو أن الانتقال إلى العهد الرقمي وانفتاح جميع العوالم وتقاسم مضامينها، ومنها تلك التي تتعلق بالجنس، ساهم في بزوغ هويات جنسية متوحشة وغريبة تنهل من جنسانية ومخيال غير قابل للتحقق ويدفع رواده ومتعاطيه إلى سلوكات عنيفة واجرامية. مما أدى إلى تنامي سلوكات متوحشة ومهيمنة على جميع نواحي حياة الفرد المجتمعية تصل إلى جنسانية حيوانية تجعل من الشخص فردا مجتمعيا لا يرى المجتمع إلا من خلال ترسانة من التمثلات الجنسية تحتضنها ممارسات شاذة غريبة عن مجتمعه. ومن تبعات هذه الجنسانية المنحرفة دخول الفرد في حالة شرود مجتمعي وغرابة سلوكية تجعله ينأى بنفسه عن دينامية جماعته ويرفض الانخراط في قيمها، ويجنح لممارسات جنسية عنيفة وإجرامية. وفي مجتمع مثل المجتمع المغربي، تكون هذه الانحرافات خطيرة الوقع على المدمن المنعزل وغير المستقر، حيث يصبح سجينا لسلوكات جنسية "متطرفة" يتم تصريفها وترجمتها في غالبية الأحيان عبر "استراتيجيات" التحرش الجنسي، أكان بـ"التجسس" على الحياة الجنسية للآخرين أو بممارسة الاغتصاب أو الشذوذ أو الجريمة الجنسية.
 
ما هو السبيل لإصلاح هذا الانحراف؟

++ لإصلاح هذا الانحراف، أضحت الحاجة ماسة لمناظرة وطنية تجمع مختلف المتدخلين (الفاعلين المدنيين والسياسيين والمسؤولين والخبراء والآباء والضحايا وذويهم ...) من أجل تشخيص أسباب جريمة الاغتصاب لاقتراح خطة إجرائية لمواجهة هذه الظاهرة ولخلق مصالحة مجتمعية ترتكز على تنشئة مواطنة لحماية الأطفال من خطر الاغتصاب والجريمة الجنسية. لهذا وجب تحديد المؤشرات الموضوعية للتعاطي مع مقولة "الطابو" والمحظور في المسألة الجنسية مع ضرورة الحفاظ على الأمن القيمي لا سيما أن بعض المواقع والمنتديات الجنسية أصبحت المنهل رقم واحد للشباب المغربي لبناء ثقافته الجنسية.
انطلاقا من هذا المعطى، ينمي الشاب أو الشابة موقفا انهزاميا من محيطه الآني (العائلة) ومجتمعه المحلي (المغرب)، ليتحول هذا الموقف إلى الازدراء والاستهزاء بالرصيد المعرفي لمجتمعه وتفضيل وتمجيد نماذج وأيقونات غريبة عن بيئته.
إذا من المتوخى الانكباب على ظاهرة اغتصاب الأطفال والتفكير في بحث وطني يرصد أسبابها ودوافعها ودلالاتها ومدى فشل التنشئة المجتمعية في الحد من انتشارها.
إلى أي حد يمكن للتربية الجنسية أن تساهم في الحد من ضحايا هذه الأفعال الجرمية؟
أضحى من الضروري ملئ الفراغ شبه التام في المشروع المجتمعي المغربي لأوراش التربية والتوعية الجنسية مما ينتج عنه ثقافة جنسية غير مؤطرة، لا سيما إذا اعتمدنا على تصنيف المغرب لسنة 2019 في ما يتعلق بالاعتداءات الجنسية الصادر عن مؤسسة "الطفولة العالمية" والذي احتل فيه المغرب الرتبة 34 ضمن 60 دولة عبر العالم.
وهذا الفراغ دفع الشباب إلى الالتجاء إلى مشاريع مجتمعية أجنبية للإجابة على نقصهم المعرفي وتساؤلاتهم الجماعية والفردية والتأطير في مجال الثقافة الجنسية. هذه "الهجرة" إلى عوالم أخرى من أجل التثقيف الجنسي لا تخلو من مخاطر لاسيما في تمريرها لبعض الممارسات الشاذة والإجرامية.
وكي نستشرف المستقبل في أفق بناء أسس العيش المشترك والسلم المجتمعي ونولي ظاهرة اغتصاب الأطفال مكانتها في المشروع المجتمعي للمملكة المغربية، من المستحسن إدماج التنشئة المجتمعية على أسس إجرائية وتحسيسية وواقعية في المناهج التعليمية مع رصد ميزانية للتحسيس والتوعية بإيجابيات الثقافة الجنسية المتوازنة التي تنبني على انسجام تام ومحمود بين المرجعية المواطنة والمسلمات الثقافية ومصفوفة القيم المغربية. كما أن البحث العلمي المتعدد التخصصات والمشارب والمقاربة المندمجة (طبية ونفسية واجتماعية وأنثربولوجية ودينية وأمنية وثقافية وترابية ...) يمكنان من إنشاء قاعدة معلومات تساعد في تشخيص تمظهرات آفة اغتصاب الأطفال ونشر الوعي الجنسي. 
فضمان استمرارية المرجعيات المجتمعية أصبح رهينا بتربية وبيئة جنسية تزاوج بين المسلمات الدينية والتحولات الثقافية والتغير المجتمعي والدينامية القيمية الراهنة وتحديات التمغربيت.