الجمعة 30 أكتوبر 2020
كتاب الرأي

سعيد الكحل: حقوق ضحايا الاغتصاب ليست للاتجار   

 
سعيد الكحل: حقوق ضحايا الاغتصاب ليست للاتجار    سعيد الكحل

شن دعاة إلغاء عقوبة الإعدام من القانون الجنائي المغربي حملة شعواء ضد المطالبين بتنفيذها في حق مغتصِب وقاتل الطفل عدنان . وبهذا خرج النقاش عن آدابه واتخذ منحى لا يعكس روح القيم الإنسانية التي يزعم مناهضو عقوبة الإعدام الصدور عنها. وأغتنم هذه المناسبة لأوضح عددا من الأمور التي غابت في النقاش فكان ما كان من سب وقذف واتهام بالتوحش والكانيبالية والهمجية والحنين إلى مرحلة الطبيعة.

1 ــ إن المنظومة الجنائية المغربية تتضمن عقوبة الإعدام في عدد من الجرائم  التي ترتبط بـ :

أ ـ الاعتداء على حياة الملك (الفصل 163) أو ولي العهد(الفصل 165) أو حياة أحد أعضاء الأسرة الملكية (الفصل167).

ب ــ أمن الدولة وسلامتها كالخيانة والتجسس (الفصل 181)؛

ج ــ النظام العام وهي جرائم يرتكبها الموظفون وتمس بالأمن الداخلي للدولة (الفصل 235)؛

د ــ الإرهاب (الفصل 218)؛

هـ ــ القتل العمد والتسميم والعنف  ( ف 392)، (ف393)، ( ف 396)، ( ف399)، ( ف398).

2 ــ إن المطالبين بتنفيذ عقوبة الإعدام يتحركون داخل إطار الدولة ومؤسسات الدستورية ؛ لا يخرجون عنها ، بل يطالبونها بتطبيق القوانين التي شرّعتها هذه المؤسسات . فكما يحتج المواطنون عندما تعطل الحكومة بندا من بنود الدستور ، يفعلون الشيء نفسه عندما تعطل الدولة قانونا من القوانين الجاري بها العمل . وفي هذه المطالبة احترام للدولة وللقانون وللدستور الذي ينص على ربط المسؤولية بالمحاسبة وعدم الإفلات من العقاب. فمسؤولية الدولة والحكومة هي تنفيذ القوانين بكل دقة وصرامة.

3 ــ إن تعطيل القانون أو التراخي في تطبيقه يخلف حالة من "الأمان" من العقاب ، أي يضعف الشعور بالخوف من العقاب فتنتشر الجريمة بكل أصنافها ، أي حين يأمن الناس العقاب تسوء أفعلهم ؛ ولذلك قيل قديما: (من أمن العقوبة أساء الأدب).وهذا الذي يعاني منه المغاربة بدءا من الترامي على الملك العام واحتلال الأرصفة من طرف أرباب المقاهي والدكاكين والباعة المتجولين إلى السطو والنشل والارتشاء والتحرش بالإناث ثم جرائم الخطف والاغتصاب والقتل التي لم تعد أحداثا معزولة . ورغم أن المؤسسة الأمنية تحظى بثقة نسبة مهمة من المغاربة، إلا أن تزايد الإحساس بعدم الأمان له ما يبرره لدى عموم المواطنين الذين يطالبون بحقهم في الأمن والسكينة عبر التطبيق الصارم للقوانين لردع المجرمين. 

4 ــ إن نعت المطالبين بتطبيق عقوبة الإعدام بالوحشية والكانيبالية والداعشية فيه إساءة مباشرة إلى ما يقرب من 6 مليارات من سكان الأرض اليوم التي تطبق دولهم هذه العقوبة دون احتساب شعوب الدول التي أوقفت تنفيذ الإعدام دون إلغائه من قوانينها الجنائية. فثلاثة أرباع (4/3) البشرية تطبق عقوبة الإعدام ، بينما الربع (4/1) هو من ألغاها .

5 ــ إن اعتماد عقوبة الإعدام لا ينقص من تمدّن وتحضّر الشعوب ، كما أن إلغاءه لا يزيد من تحضرها . فشعوب الصين واليابان وماليزيا واندونيسيا وكوريا الشمالية مشهود لها عالميا بسمو الأخلاق وبالتشبع بقيم الاحترام والانضباط والالتزام والجدية في العمل . ويشهد الحجاج المغاربة بنبل أخلاق الماليزيين والاندونيسيين واحترامهم لكل المحيطين بهم بالديار المقدسة أثناء أداء مناسك الحج. ورغم أن اليابان من الدول الصناعية الكبرى ، فهي لازالت تتمسك بتنفيذ عقوبة الإعدام استجابة للاتجاه العام للشعب الياباني الذي يؤيد عقوبة الإعدام بنسبة 80.3 % حسب استطلاع للرأي أجراه مكتب مجلس الوزراء  على الصعيد الوطني في نونبر 2014 .

6 ــ إن أكبر الديمقراطيات في العالم  من حيث السكان وهي الهند ، كانت ألغت عقوبة الإعدام فأعادت تطبيقها؛ بل  وسّعت من تطبيقها لما تبين لها أن إلغاء الإعدام أدى إلى ارتفاع الجريمة .

7 ــ إن الإحصائيات والتقارير التي تقدمها هيآت حكومية ومنظمات غير حكومية حول معدل الجريمة ، وخاصة جرائم الاغتصاب ، تؤكد أن عددا مهما من الدول ، وخاصة الأوربية ، التي ألغت عقوبة الإعدام تحتل المراتب المتقدمة من حيث ارتفاع نسبة الجريمة مثل بريطانيا ، بلجيكا والدول الإسكندنافية . ففي بريطانيا ، وحسب تقارير رسمية لسنة 2015 ، تم تسجيل نسبة 130 جريمة جنسية في كل مائة ألف نسمة ، السويد 120 ،بلجيكا 66.أما في بريطانيا فقد  تزايدت جرائم الاغتصاب  أربعة أضعاف في 7 سنوات؛ بحيث انتقلت من 16 ألف جريمة سنة 2013 إلى 20 ألف سنة 2014 ، ثم صعد الرقم إلى 29 ألف سنة 2014 وواصل الصعود ليصل أكثر من 35 ألف سنة 2015 ثم 41 ألف سنة 2016 ليقفز إلى 54 ألف سنة 2017.

إن التطبيق الصارم للقانون يجعل الناس يمتثلون له خوفا من العقاب وليس احتراما له. والشعوب تختلف بثقافاتها وقيمها ما يستوجب مراعاة البيئات الاجتماعية عند تشريع القوانين.فإذا كانت البيئات الاجتماعية في أوربا تجعل المواطن يتأذى من عقوبة حرمانه من جواز السفر ، أو يقضي يومه يمارس أنشطته العادية بينما يقضي الليل في السجن ، فإن بيئة المجتمع المغربي تجعل المواطن لا يبالي نهائيا بمثل هذه العقوبات ، لأن غالبية المواطنين لا حاجة لهم بجواز السفر .من هنا كان القانون تعبيرا عن روح المجتمع وثقافته وقيمه. وفاعلية القانون ليس فقط في تشريعه وتطويره ن بل أساس في تطبيقه .فحين يتم تطبيق القانون بكل صرامة ودون تمييز ، تظهر آثاره على سلوك الأفراد ومعدلات الجريمة التي تنخفض. إذ بقدر ما يسهم القانون في الارتقاء بالمجتمع وتهذيب سلوك الأفراد بقدر ما يتطور ويرقى .

نحن، إذن ،  بحاجة إلى فتح نقاش عمومي حول الوضع الأمني والجنائي بغرض وضع سياسة جنائية تستجيب لمخاوف المواطنين الذين باتوا يخشون على أطفالهم وعلى أنفسهم وممتلكاتهم .ونجاعة القوانين تتجسد في قدرتها على حماية أمن وممتلكات المواطنين وتخفيض معدلات الجريمة إلى أدنى مستوياتها . فالدول التي تُدرج ضمن الوجهات الآمنة إنما يتم بمقياس توفر الأمن وليس بنوعية القوانين .