الثلاثاء 22 سبتمبر 2020
مجتمع

اتركين: معهد القضاء لا يولي في برامجه أي عناية لتدريس الدستور

اتركين: معهد القضاء لا يولي في برامجه أي عناية لتدريس الدستور محمد أتركين
تساءل محمد أتركين الأستاذ الجامعي في المادة الدستورية عن أسباب عدم تدريس مواضيع الدستور، والأسس الدستورية للقانون والحقوق والحريات الدستورية للسادة القضاة في المعهد العالي للقضاء، معتبرا ذلك إحدى المداخل التي يجب أن تشكل ملمحا للإصلاح، وواجهة للترافع من قبل "الجمعيات المهنية" للقضاة، تطويرا للعمل القضائي وتجويدا لمنتوجه.
فيما يلي وجهة نظر الأستاذ أتركين في هذا الموضوع:
 

"سيلتحق، قريبا، فوج جديد بالمعهد العالي للقضاء، في فورة تغييرات تشهدها هذه المؤسسة، لا أقلها دلالة التغيير الذي طرأ في مسطرة تعيين مديره، والتفكير الجدي في إصلاح قانونه المنظم، ومراجعة ما يدرس فيه.. 
هذه المؤسسة التي تنْجب "النخبة القضائية"، إلى جانب مهام تكوينية وتأطيرية لهيئة كتابة الضبط، والتي يجب أن تكون، ولأسباب موضوعية ومهَنية، تحت إشراف المجلس الأعلى للسلطة القضائية، لا تولي في برامجها، أي عناية لتدريس الدستور، بالرغم من أن هذا الاخير، هو الذي يحدد الآتي:
- مكانة القاضي ووظيفته، ضمانات استقلاليته، حقوقه وواجباته، والأسس التي بنيت عليها القواعد تحت دستورية الضابطة لمسيره المهني من الولوج إلى السلك القضائي وإلى حين مغادرته بكل الطرق المعروفة (والمقننة في القانونين التنظيمين المتعلقين بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية والنظام الأساسي للقضاة)؛
- الأساس لكل القوانين التي يطبقها القاضي، فالدستور المغربي، دستر باقي فروع القانون (والعبارة للعميد فافورو)، من خلال القانون الدستوري الاجتماعي (القواعد المتعلقة بالمنظمات النقابية والغرف المهنية والمنظمات المهنية للمشغلين/المفاوضة الجماعية/حق الإضراب)، والقانون الدستوري الانتخابي، والقانون الدستوري الجنائي، والقانون الدستوري للأجانب، والقانون الدستوري للأسرة، والقانون الدستوري للتنظيم القاضي ولإجراءات المحاكمة العادلة، والقانون الدستوري الإداري، والقانون الدستوري للجماعات الترابية ...
- قائمة الحقوق والحريات المكفولة، ما دام الدستور، في فصله 117، يوكل للقاضي مَهَمة "حماية حقوق الأشخاص والجماعات وحرياتهم"؛
- تراتبية البناء القانوني، الذي لم يعد يتربع على قمة هرمه القانون، وإنما الدستور، كما نص على ذلك هذا الأخير، في الفقرة الثالثة من فصله السادس "تعتبر دستورية القواعد القانونية، وتراتبيتها، ووجوب نشرها، مبادئ ملزمة".
هذا التغيير في البناء الدستوري، غَير من منهج القاضي المغربي، وأثر في مكانة، كما طبيعة حضور النص الدستوري في عمله القضائي، ويمكن أن نستدل على ذلك، بما استخلصناه من نتائج من عمله الاجتهادي، والتي تنحو، في ارتباط بموضوعنا إلى الآتي:
- إن منطق الاستدلال والتعليل بالنسبة للقاضي المغربي أصبح ينطلق من الدستور، وليس من القانون، فاستبطان قواعد سمو الدستور وعُلوية أحكامه، جعلته يبحث عن أساس القاعدة القانونية من المرجع الدستوري أولا، في إعادة ترتيب لمصادر التعليل، والقواعد القانونية؛
- إن القاضي المغربي لم يعد "خادما وفيا وأمينا للقانون" (بعبارات M. Capelletti)، يطبقه بطريقة أوتوماتيكية باعتباره "القاعدة الواجبة التطبيق"، بل يراجع مقتضياته في ضوء الدستور، ويوقف نفاذه في حال تعارضه مع أحكام هذا الأخير، وكأنموذج على ذلك القضايا التي عرضت على القاضي الإداري بخصوص حصانة قرارات المحافظ، والقضايا المتعلقة "بالنساء السلاليات"... والتي أوقف فيها مفاعيل القانون، انتصارا لسمو الدستور ...
- إن اجتهادات القضاء الدستوري، تجد مكانها، ولو باحتشام البدايات، في حيثيات تعليل القاضي العادي، مما يدشن "لحوار القضاة"، ولتباشير ميلاد "القانون الحي"، مستقبلا، عبر دخول مسطرة الدفع بعدم الدستورية، طبقا للفصل 133 من الدستور، حيز النفاذ؛
- وكملاحظة أخيرة، أن طلبات الدفاع المستقاة من فصول الدستور، أصبح يُجاب عنها في أحكام وقرارات القضاء المغربي، باستفاضة، وباقناع أكبر قياسا بالماضي، فلم يعد القاضي ينظر إلى نص الدستور، كنص خارج إطار عمله، ولا كنص في حاجة إلى وساطة القانون للنفاذ إلى روحه وجوهره.
وبعد كل هذا، فلماذا لا ندرس لقضاتنا، مواضيع الدستور، الأسس الدستورية للقانون، الحقوق والحريات الدستورية، القانون الدستوري للاجتهاد القضائي ... وأليس هذا إحدى المداخل التي يجب أن تشكل ملمحا للإصلاح، وواجهة للترافع من قبل "الجمعيات المهنية" للقضاة، تطويرا للعمل القضائي وتجويدا لمنتوجه؟
ملحوظة: المواد المبرمجة للتكوين بالمعهد العالي للقضاء هي: القانون المدني، المسطرة المدنية، القانون الجنائي، المسطرة الجنائية، قانون الشغل، قانون السير والتعويض والتأمين، القانون التجاري، مدونة الأسرة، القانون العقاري، الطب الشرعي، الترجمة، قضاء الأحداث، علم الفرائض، التوثيق، قانون التعمير، قواعد السلوك القضائي، تقنيات التواصل القضائي، تقنية تحرير الأحكام المدنية، تقنية تحرير المقررات في المادة الجنائية، الجلسات الافتراضية –محكمة التدريب-، التعاون القضائي الدولي، حقوق الإنسان، المساواة بين الجنسين، قانون اللجوء، القضاء العسكري، المؤسسات السجنية، البورصة، منهجية إعداد بحث التكوين، تقنية تحرير الأحكام عن طريق الحاسوب، المعلوميات.