الثلاثاء 22 سبتمبر 2020
فن وثقافة

"حمادة" رقصة بخلفية الركيبات كأهل شرع

"حمادة" رقصة بخلفية الركيبات كأهل شرع شكل من أشكال الإحتفال بالرحامنة

تستمر حلقات مجموعة البحث بتنسيق مع الباحث الأستاذ عبد العالي بلقايد، في الغوص والنبش في كنه التراث، وتسلط مرة ثانية كشافات الضوء على جواهرنا "المنسية" و"المعرضة للانقراض"، والتي تعكس كنوز الوطن الذي راكم الكثير من التنوع على مستوى العادات والتقاليد ومختلف الفنون الشعبية لتحصين وجوده/ الذات/ الجماعة.

في هذا السياق تقدم جريدة "أنفاس بريس" ورقة أخرى حول "حضور قبيلة الركيبات كأهل شرع ، في صياغة غناء، ورقص وكل أشكال الإحتفال بالرحامنةأنجزتها كل من الأستاذة أمينة رمحاوي والطالبة سهام الرجراجي لـ "إبراز ومعالجة رقصة حمادة بأنها جماعية، تعبر عن ثقافة ومعاني الجماعة... لغاية إبراز اختلافها الجدري عن الرقص المرتبط بأشياخ و شيخات الرباعات" ..وكذلك للتأكيد على أن "العيطة الحوزية والمغربية بشكل عام ليست فقط أصواتا، بل هي ذلك الجسد المجروح الذي يظهر كصورة في تلك الأصوات التي تملأ الفضاء.."

"إن تقديم بعض التوضيحات حول الذات المنتجة للفن بشكل عام الغاية منه هو إزالة أفهام خاطئة حولها، لا تقوم بها إلا الإيديولوجيات ولو لبست لبوس الأخلاق، أو الموازنة، أو غير ذلك، و بها نقدم لمعالجة الرقص بالرحامنة كمعطى فني وسوسيو / ثقافي" .

 

قوس لابد من إظهاره :

لقد كان في الرحامنة ومر منهم ولازال فيهم من العلماء من ملئوا الدنيا وشغلوا الناس علما وأخلاقا وتواضعا، ومنهم الحسن بن عمر الزهراوي الذي كان يلقي الدروس الرمضانية أمام الراحل الحسن الثاني فأغاظ من أغاظ وأعجب به من أعجب ومنهم المرحوم متولي الشعراوي. ولكن ما الداعي إلى هذا القول؟

هناك عينة من الباحثين ترى إلى فنهم (الرحامنة) كنتاج بدوي خشن وهي نظرة توازن بين هذا وما أنتج في الحواضر من طرف الموريسكيين في حين أن فنونا ذات منشأ جنوبي سوسي انتشرت بالخارج بشكل مذهل، الحظوة التي لم يحظ بها فن الموريسكيين. فأي نظرة ترتكز على الموازنة هي نظرة قضاة ، تحاول أن تصدر أحكام قيمة ومحاكمة من لا يحتاج إلى مقاضاة، بل إلى تعاطي ومعالجة، تعاطي مع الوجود الفني باعتبار طبيعته الجمالية والإستيتيكية.

فإبراز الطبيعة البدوية الخشنة لكذا فن ،وإلصاقها بأصحابها، صادر عن نظرة قاصرة تنسى وتتناسى بأن الرحامنة مارسوا الدولة في المغرب منذ العهد المريني حين كانوا ماسكين بكنانيش جباية الضرائب بسوس والجنوب المغربي. وهم أهل تجارة وخاصة تجارة الذهب، التي كانت تتم عبر أسواق إفريقيا و المحيط الأطلسي لبيعها إلى البرتغال أو إلى الداخل المغربي عبر الكثير من الطرق التجارية التي كانوا يراقبونها ويحافظون على أمن وسلامة التجار بها... لكن حين قوض البرتغال هذه الطرق التجارية قادوا مع السعديين أكبر حركة جهادية في الجنوب ضد البرتغال، وأكبر حرب معهم، وهي المعروفة بمعركة وادي المخازن ،وسميت معركة لأنها كانت بقيادة الكنيسة الراغبة في تمسييح الغرب الإسلامي قاطبة.

الدولة مارسوها باعتبارهم من آل البيت ومن المناصرين للحسين ضد الأمويين، للقرابة قبل الهجرة نحو الغرب الإسلامي .

إن نعث صياح العيطة الحوزية بالعويل فهذا دلالة على قصر نظر فني، وعقل كهذا لا يمكن أن ينطلق من رؤية نقدية، أو ينتج نقدا بل أحكام قيمة صالحة للمناظرة الإيديولوجية أكثر من ممارسة التفكير النقدي.

إن العيطة الحوزية والمغربية بشكل عام ليست فقط أصواتا، بل هي ذلك الجسد المجروح الذي يظهر كصورة في تلك الأصوات التي تملأ الفضاء:

 

فلا تحسبوا أن رقصي بينكم طربا

فالطير يرقص من شدة الألم

 

فالصياح هو تلك الأصوات التي تعكس الذات المجروحة التي تعبر عن الإبتلاء منذ الأب المؤسس إبراهيم، ويتكرر الإبتلاء مع جعفر الصادق، ومع الكثير من الصلحاء ومنهم أمحمد بن عزوز كأحد المنحورين، لغاية اقتداء القبيلة وضمان استمرارها.

في الثقافة المغربية لم يكن النحر رمزيا كما كان في الثقافة المشرقية بل كان فعليا ، وكانت الأنثى هي كذلك موضوع ابتلاء كما وقع مع "خربوشة"... ومع العديدات من النساء اللواتي كنا فارسات مستعدات للإبتلاء، هي الثقافة المغربية التي تشارك المرأة في إنتاج الكثير من معانيها.

هو صياح ليس لذئاب استوطنت الطبيعة، بل هي لرجال سكنوا العمران البشري لذلك أعطوه معنى ودلالة، فلنحفر في جغرافيا المجتمع لأجل الوصول إلى المعاني والدلالات.

 

حضور قبيلة الركيبات ، في صياغة غناء، ورقص وكل أشكال الإحتفال بالرحامنة

حين نقول بحضور الخلفية الثقافية للركيبات كأهل شرع في صياغة الذائقة الفنية لأهل حسان بالرحامنة، فهذا لا يعني غياب لمسة العرف في إثراء المعاني والدلالات. بل حضوره على الأقل يتمظهر من خلال وظيفة هذه الرقصات الإجتماعية، التي تريد من خلالها الجماعة تأهيل الشباب للأدوار الإجتماعية المستقبلية والتي هي بانية للتماسك، واستمرار الجماعة...ولما أبرزنا عند معالجتنا لرقصة حمادة بأنها جماعية، تعبر عن ثقافة ومعاني الجماعة التي توجد بالعمران ، فذلك لغاية إبراز اختلافها الجدري عن الرقص المرتبط بأشياخ و شيخات "الرباعات".

هذا النمط هو لون طارئ عن الرقص المغربي بشكل عام ، وعن رقص أهل حسان بشكل خاص. فالرقص الذي تبلور في فضاء ثقافي لأهل حسان، جعل الجسد يشكل صورا وأشكالا بعيدة عن التبضيع ، وعن الإغراء. وفي نفس الآن سمح له بإيصال رسائل تحمل إشارات إلى الجسد كموضوع للذة التي تتم في إطار الشرع، وهي رسالة يتم إرسالها بالتلميح والإيحاء الخالي من الإغراء.

إن رقص "الرباعات" في تقديرنا هو رقص وافد، دخيل لا علاقة له بالرقص المغربي المتميز بالإحتفالية، ووظائفه الإجتماعية. وفي تقديرنا أن هذا الرقص كانت بدايته باستقدام القيان في الفترة المرينية إلى المغرب ، اللواتي كنا ينشطن حفلات الغناء إما في البلاطات، أو في مجالس الأعيان وذوي الحظوة من علية المجتمع.

سيعرف هذا النوع انتشارا كبيرا مع دخول الاستعمار الفرنسي ، الذي عمل على تقويض ليس فقط البنيات الجماعية للمجتمع المغربي، بل كل أشكال التعبير المرتبط بهذه البنيات الجماعية التي تحمل تفرد المجتمع المغربي، عن الفيودالية الأوروبية، والأوتوقراطية المشرقية. فبنفس العنف الذي قاومت به الذات الغاصب، حاول تدمير أسباب المقاومة ، و التي كانت تعطي للذات إمكانيات خارقة للمواجهة.

فقد فرض أقصى درجة العزل على الجسد النسائي في بورديلات، إذ تحول الجسد إلى بضاعة تباع وتشترى، في كل من البيضاء، ومراكش، ولتشويه ناس العيطة حشرهم هم كذلك ضمن مراكز العزل التي كانت تذر على الإدارة الاستعمارية ، والمتعاونين معها أموالا باهظة. في هذا السياق سيتم تهجين تلك الصور التي يرسمها الجسد في بعض الرقصات وخاصة تلك المرتبطة بـ "الرباعات".