السبت 27 فبراير 2021
فن وثقافة

مبارك ربيع : عن الكتابة بنكهة ميلودية

مبارك ربيع : عن الكتابة بنكهة ميلودية الميلودي شغموم ومبارك ربيع يسارا

 وقع مؤلم محزن هذا الخبر الذي ينهي إليك في غفلة دنياك، وعكة صحية تلم بصديق عزيز وأديب كبير في قامة الأستاذ الميلودي شغموم،  كبوة فارس من كوكبة حملة الأقلام في مضمار الفكر والأدب الرفيع، طالما تنشقت بين سطوره عبق "الكتابة بنكهة ميلودية"...                                                  

 أعجبت بكتابة سي الميلودي ضمن كوكبة من فرسان السرد المغربي دون حكم قيمة تجاه أحد أو إغفال للفوارق والفواصل من قبيل: زفزاف برفضه وزهديته، شكري بطابع سخريته وعبثيته، التازي في قلقه، وشغموم بعقلانيته، وقد شدتني كتابة هذا الأخير منذ باكر إنتاجه ولا أقول "بداياته" فكتبت "غ" منذ عقود ـــ وهوما لم يستسغه مني البعض إذ ذاك ـــ  وما تزال نكهة تلك القراءة عالقة بذائقتي وذاكرتي، لا لمجرد أني عبرت عما غمرتني به من متعة فحسب، بل لأنها أيضاً أتاحت لي فرصة اقتناص طابع مميز للكتابة الإبداعية لدى الميلودي شغموم، وهو الذي لم يخلف موعده في العديد من إنتاجاته اللاحقة والسابقة، سواء في قصصه أو رواياته القصيرة أو الطويلة. 

  اكدت دائاً انني لا أومن "بالبدايات" في الحياة الإبداعية لكاتب أصيل، بالمعنى الذي يجعلها درجة في سلم ارتقاء إلى "النهايات"؛ فالأديب المبدع تكمن آخر مظاهر تطوره الفني في ما يعتبر بدايات له بالمعنى السُّلمي الارتقائي؛  والمبدع مبدع من أساسه وقاعدة انطلاقه، إما أن يكون أو لا يكون؛ ولا منافاة في هذا لسنن التطور والتجدد، ولكن لا فاصل مطلقاً بين ما يعتبر "بداية" على السلم العمودي أو علامة على السير الأفقي من جهة، وما يعتبر نهاية، أو غاية السلم أو إحدى غاياته.

عندما كتبت في بداية الثمانينات عن "سفر الطاعة" الصادرة إذ ذاك، عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق، لم أكن بعيداً في فهم القدرة الإبداعية لدى الصديق الميلودي شغموم، عما يمكن أن أكتبه عنها اليوم، أو بعد ذلك بعقد أو عقدين عند قراءة  "عين الفرس" الصادرة بالرباط بعد ذلك، أو عن مجمل ما تتالى وما يزال يتوالى إلى اليوم من الكتابة الميلودية بمنتهى مثابرة وحدة نقد اجتماعي، وحذق فني. 

ويمتاز سي الميلودي في سيرته بعصامية واضحة، متمثلة في كاريزماه العلمية الثقافية، التي بوأته مراتب عليا في المجال المهني العلمي بمسالك التعليم العالي والبحث الجامعي، كما في المجال الأدبي الإبداعي، يشتغل بصمت ومثابرة، ينتج بأناة وعمق، بعيداً عن هرج النجوميات والتجمعات والأضواء إلا فيما ندر أو تعين في حده الأدنى، حيث يؤدي ما يجب ليعود إلى معتكفه التعبدي، وهو بالمناسبة خلوة ليست من قبيل نُقْرة في جبل أو صخر، ولا من إسمنت وحديد، إنها فحسب متعبده المحتوى في قلبه والمحمول على كتفه، ينأى به إلى عوالمه حيث كائناته، مخلوقات كونه، أفكاره وتيارات خواطره.

في قراءة الميلودي شغموم، وفي مجمل أعماله القصصية والروائية، تتبدى نزعته العقلانية الفلسفية، بمنحاها الخاص متناغمة مع سياقها، عقلانية فلسفية تنعكس على العمل الإبداعي تمنحه العمق والمعنى، تعرض في عوالم متباينة ما بين ظاهر وباطن، صريح وضمني، مكتسية حلة سخرية وعجائبية تارة، مرتكزة على فعل المفارقة تارة أخرى، تطبع بها الموقف  والاستجابة وحتى العبارة وأعلام الشخوص القصصية الروائية؛ لذلك عندما نتحدث عن السحري والعجائبي في كتابة سي الميلودي، فنحن نتحدث عن الواقعي في جملته وتفاصيله، وعندما نواجه الواقعي في كتابته، فنحن أمام السحري والعجائبي في أقوى تجلياته، وفي المستويين معاً، نحن أمام دراما بشرية، ولا نقول إنسانية، يصنعها البشر أنفسهم، بأنفسهم ولأنفسهم، يعانون منها ويستمتعون: ألم تكن المأساة إلا فرجة؟

ويبقى أول وآخر ما يلفت الانتباه في الحديث عن الصديق الأديب الميلودي شغموم، الجانب الإنساني في شخصيته، وهو الذي يمثل في تلقائيته المباشرة، تلقائية جاذبة تجعلك تشعر بأنه يمنحك ذاته من أول وهلة، وأنه  يستمر في ذلك في كل كلمة يتلفظ بها، أو حركة يأتيها ما استمر الحديث، أو امتد اللقاء أو دامت العلاقة؛ ويمكن النظر إلى هذا الجانب على أنه نمط من "ذكاء وجداني" يبدو عليه أشبه بحلية فطرية، يفتقدها الكثير، ويسعى لطلبها الكثير؛ يصطنعها الكثير ويعجز عن بلوغها الكثير.

تلكم سمات إنسانية، مواصفات إبداعية تتفاعل، تتقاطع، مؤتلفة مختلفة، بألوان واتجاهات، مولدة كتابة خاصة، مميزة بنكهة ميلودية.                                          

فدعاؤنا الخالص من أعماق قلوبنا لصديقنا الأديب الميلودي شغموم بالشفاء العاجل، ورجاؤنا، أملنا الكبير، أن يجد ما يستحق من عناية ورعاية، وقد بذل من ذاته الكثير، متميزاً في أدبه، قدوة في بحثه، مثالا في أستاذيته؛ شفاه الله.