الأحد 29 نوفمبر 2020
فن وثقافة

ثقافة الرحامنة والصحراء هوية تبرز من خلال بلاغة الجسد

ثقافة الرحامنة والصحراء هوية تبرز من خلال بلاغة الجسد سهام الرجراجي تتوسط مشهدا لرقصة "الكدرة"، وأمينة الرمحاوي(يسارا)

بتنسيق متواصل، مع الأستاذ عبد العالي بلقايد، وبتعاون مع مجموعة البحث المكونة من ثلة من الفعاليات الرحمانية داخل وخارج المغرب.. تستمر سلسلة مقالاتنا التي تنشرها "أنفاس بريس" في موضوع متعدد الروافد والخصوصيات المتعلقة بالموروث الثقافي الشعبي المادي واللامادي من خلال النبش في روابطه المجالية والحضارية والتاريخية بين الرحامنة والصحراء المغربية.

حلقة اليوم من مسار النشر والتوثيق ترصد الروابط التراثية في"ثقافة الرحامنة والصحراء، كهوية تبرز من خلال بلاغة الجسد".

الورقة التي أعدتها كل من الأستاذة أمينة الرمحاوي، ذات الأصول الصحراوية الرحامنية، القاطنة بالديار الفرنسية، مع سهام الرجراجي طالبة ماستر النقد والباحثة في التراث الشعبي، تتأسس على أن المصقود بـ "بلاغة الجسد" هو كل المظاهر الحياتية التي يتم التعبير عنها بالجسد سواء أكان الأمر رقصا أو لباسا، أو حلاقة، أو وشما، أو حناء أو ختانا...

 

لماذا الإحالة على بلاغة الجسد ؟

لقد حاولت مجموعة البحث في بداية مشوارها التوثيقي، أن تتناول و تتطرق للحضارة المغربية في مواقع غير تلك المواقع التي تتعاطى معها الثقافة المشرقية التي تنطلق من النص سواء النص الماركسي، أو النص السلفي، أو النص الليبرالي. هذه المقاربة تلغي كل مظهر ثقافي لا يتماشى مع نصها أو نموذجها، وكذلك الأمر بالنسبة للمقاربة الغربية بجميع تلاوينها التي لم تكن تعترف بأي مظهر ثقافي خارج نموذجها. وإن اعترفت به فإنها تعتبره فلكلورا ترى فيه أناها التي كانته ذات تاريخ.

أختار المغربي أن يعبر بالعلامات الجسدية، أكثر من الحروف الهجائية، ففي الحلاقة يتجسد الانتماء الزاوياتي، عبر التقليعة التي تعرف بها كل زاوية على حدة، (أرني نوعية التقليعة أقول لك انتماءك الزاوياتي دون أن تنبس ببنت شفاه).. فكل زاوية كانت تتمايز عن الأخرى بعلامات الجسد، مع الطريقة أو نهج تعبدها، فضلا عن الجدب الذي هو حركة للجسد يبغي بها المريد الخروج من عالم المحسوسات إلى عالم ماورائي، إنه الإنهمام بالذات كما يسميها "فوكو". كانت تقوم به مؤسسات منغرسة بالمجتمع، سواء الجماعة، العائلة ، الزاوية..، هذا الدور أضحى موكولا لمؤسسات الإعلام المرئي، والجماهيري/ الشعبي، (سوسيال ميديا.)

فالمغربي كانت الكثير من تعبيراته الثقافية شفوية غير مكتوبة لهذا كانت قوية، ومدوية.

 

بلاغة الجسد في رقصة "الكدرة"

إن الحديث عن بلاغة الجسد التي تكلمت عنها الطالبة سهام الرجراجي، لا تستقيم إلى حين نتكلم عن رقصة "الكدرة" بمنطقة الرحامنة والصحراء المغربية، وكدا رقصة حمادة وألوان فنية أخرى .

بلاغة الجسد تقتضي أن تكون اللوحة المعروضة أمامنا، بها مجموعة من الصور البلاغية التي ينتقل فيها المحسوس، إلى مستوى يكون مفعما بالجمال الذي يجعل الذوات المتفرجة في حالة من الدهشة، التي تمنحهم المتعة ، والإشباع الروحي الذي يتحقق عند المريد في الجدب الذي يسعى من خلاله الوصول إلى الماورائيات في حالة الطرقية، أو الصوفية.

 

علامات التلميح بدل التصريح في رموز رقصة "الكدرة"

ففي رقصة "الكدرة" لا تبرز الراقصة إلا من خلال بلاغة التخفي، كصورة مجازية، تسمح بتجلي اليد فقط، لتظهر الاستعارة المكانية بظهور أحد لوازم عناصر التشبيه المتمثلة في يد الراقصة التي تحيل عليها، وتدعو المتلقي إلى استعمال الحدس لتخمين درجة جمال الجسد المحجوب.

إن التلميح هو العلامة التي يتم التواصل بها، بدل التصريح. وهو شرط من شروط بناء العناصر المكونة للرقصة. هذه العلامات، والصور البلاغية ليست دون خلفية تمنحها المعاني، وخاصة وأنها متداولة بالعمران البشري المحكوم بالاجتماع الذي يحصل بالعلامات المتداولة في كنفه.

إن اليد داخل الحياة الاجتماعية، ترمز إلى الموقع الاجتماعي للعروسة، فاليد البيضاء والمكتنزة هي قمة الجمال، ويشير إلى الأصل النبيل والشريف للعروسة. فطبقة النبلاء في المجتمع الصحراوي حياتها منذورة للعلم والفروسية، وتجافي الشغل الذي تتركه لشرائح أخرى.

إن الأعراف التي كانت ناظمة للحياة الاجتماعية سواء بالصحراء، أو بالرحامنة وخاصة عند هذه الشريحة هو إعفاء المرأة من الأشغال المتعبة، وليحصل ذلك ترسل أسرة العروس من يقوم مكانها بهذه الأشغال.

العلامات التي تكون معمار الرقصة لم تشكل درجة الصفر في سلم المعاني، بل كانت قوية من حيث المبنى والمعنى، من خلال تعالقها مع الحياة الاجتماعية. فاليد لها دور محوري في رقصات الصحراء كما في باقي الرقصات التي عرفتها الحضارة الإنسانية ،الغاية منها قد تكون هو كشف جمال المحجوب للمرأة، وبذلك يتم إظهارها في كافة الاتجاهات.

وقد تكون لها دلالات طلب الغوت من السماء، حين تزحف الراقصة إلى الأمام، ويتم تشجيعها من طرف الرجال بالرش، فالجدب الصوفي لا يمكن استبعاده من أي شكل من أشكال الرقص المغربي، لمركزيته في الحياة بشكل قوي، وموجه لها بشكل لافت.