الأربعاء 5 أغسطس 2020
كتاب الرأي

الصديقي: مشروع قانون المالية التعديلي بين هاجس إنقاذ المقاولة ومتطلبات الإقلاع الاقتصادي

الصديقي: مشروع قانون المالية التعديلي بين هاجس إنقاذ المقاولة ومتطلبات الإقلاع الاقتصادي عبد السلام الصديقي
دَفَــعـــَـــتْــنَا، في مقال سابق، القراءةُ المتأنية والعميقة لمشروع قانون المالية التعديلي، الذي تمت المصادقة عليه في مجلس النواب قبل أن يُعرض على مجلس المستشارين، إلى طرح بعض الملاحظات التي نسترجعها هنا بإيجاز: يتعلق الأمر بالتخفيض الواسع من ميزانيات الاستثمار بالنسبة الى مختلف القطاعات الوزارية، باستثناء الداخلية والصحة وإدارة الدفاع الوطني، ثم إهمال معالجة إشكاليتيْ الفقر والهشاشة، بالإضافة إلى المعالجة المحدودة للتشغيل ولمعضلة البطالة، وأيضا غياب أي إشارة للانتقال الإيكولوجي، فضلا عن تأجيل الإصلاحات البنيوية إلى أجل غير مُسمى.
وعليه، فالتدابير المُعلن عنها في المشروع المذكور تخدم هدفا وحيدا وفريدا هو إنقاذ الآلة الإنتاجية، من خلال "اللعب" بالأرقام التي تفتقر في حد ذاتها إلى الدقة وتفتقد في كثير من الأحيان إلى الدلالة والوضوح.
بالطبع، لا يمكننا بتاتا أن نُحَمِّلَقانونا تعديليا للمالية ما لا يمكنه أن يتحمله، إلا أن ذلك لا يعنيأبدا تَــقَــبُّــلُ اكتفائه بمجرد تمرين محاسباتي صِرف يقوم على تحيين النسب والمعدلات الميزانياتية، كما لو أننا بصدد عزل الشهور التي تفصلنا عن نهاية السنة عن المسار التاريخي، علما أن التاريخ هو سيرورة متراكمة ومتداخلة لسلسلة متواصلة من الوقائع والأحداث، حيث تتعايش ظِلالُ الماضي الذي لا يمكن مَحْوُهُمع آفاق المستقبل الذي لا يمكن تفاديه.
هذا الترابط بين الماضي والمستقبل لا يكاد يظهر له أي أثرفيمَــتْــنِ المذكرة التقديمية، حيث خُصص الجزء الأكبر منها لِــسَردِكل ما تم القيام به منذ ظهور جائحة كورونا، وتَـــمَّ، بالمقابل، المرورُمُــرورَ الكرام على القضايا التي ينبغي معالجتها مستقبلا وعلى الكيفية التي يتعين أن نقارب بها هذه القضايا.
وعلى هذا المستوى بالضبط،فالمشروع يستحق كل النقد. ولا يتعلق الأمر هنا بالسقوط في فخ توقعات وسيناريوهات غير محسوبةأوالإقدام على وضع رهاناتٍ مُجازِفةٍ بمستقبلٍ محفوفٍ باللايقين، كما لا يتعلق الأمربالانقياد نحو وضعية المأزق، كما لو أن المرء يحاول حَــلَّ معادلةٍ ذات مجاهيل متعددة، حتى آينشتاين لو كان حيا يُرزق بيننا لما استطاع أن يفعل إزاءها شيئا كبيرا.
على العكس من ذلك، المطلوب هو مزيد من الوضوح والاتساق في ما ينبغي القيام به إلى غاية نهاية السنة الجارية، مع وضع كل الإجراءات ضمن رؤيةٍ مستقبليةمنهجية تمتد على المدى المتوسط، لأجل إبراز "الأسبقيات الجماعية" لما هو أفضلضمن دائرة الممكن، حتى لا نتكلم عن القطائع.
أيضا، كان الأمر يتعلق بالأحرى، في المُحصلة، بضرورة طمأنة المواطن الذي يعيش قـــلَــقًا مُستمرا أما مضبابية اللايقين الذي يحيط به من كل جانب، وإزاء التساؤلات المتلاطمة التي تَــقُضُّ مضجعه بخصوص مستقبله ومستقبل أبنائه.
وهو ما كان يقتضي الإعلان، ولو في شكل عناوين عامة، عن الأوراش الكبرى لمرحلة ما بعد كورونا وإبراز الخطوط العريضة لملامح مغرب الغد.
فلا ينبغي أن نتغافل عن الرسائل القوية والإنذارات المتعددة التي انبثقت عن الأزمة الصحية الحالية، والتي ليست غريبة عن النموذج التنموي القائم. وإذا لم نتمكن من استخلاص الدروس بما فيه الكفاية من الجائحة، سنكون قد خسرنا على جميع الواجهات، وسيصير الحجر الصحي الذي فُرض على الناس دون أي نفع يُذكر.
فلقد قدم الجميع، المواطن والإدارة، تضحيات جسام، وحُرمنا من حرياتنا إلى حدود الكآبة، وفقد بعضنا الشغل ليعيش على تعويض يكاد لا يُسمن ولا يُغني من جوع، وافترق معظمنا عن العائلة وعن الأشخاص الذين يحيطوننا بالمحبة والراحة.
فالجميع تحمل هذه التضحيات والأعباء على أمل أن يكون الغد مشرقا. لكن هيهات! فحينما نفككونحلل المشروع موضوع الدراسة عن قُرب، يبدو لنا أن هذه الرسائل لم يتم،على الإطلاق، فهمها واستيعابها، وبالأحرى التقاطها والتعامل على أساسها.
وفي نهاية المطاف، لا أحد ينتظر من الحكومة الحالية الفردوس، فالجميع يعرف أن الظروف التي نمر منها صعبة، وعلى الإنسان أن يكون فاقدا للبصر والسمع والبصيرةلكي ينساق وراء أوهام خيالية أوينتظر المعجزات.
ولكن هذا لا يمنع من إمكانية تحويل الأزمة إلى فرصٍ للتغيير في التصور والمقاربة، كما تقترح ذلكالمندوبية السامية للتخطيطفي آخر منشور لها حول الميزانية التوقعية لسنة 2021.
"تمثل هذه الأزمة، رغم تأثيرها السلبي، فرصا حقيقية لتنفيذ إصلاحات بنيوية وإنجاز تغييرات عميقة في التصور الشامل للسياسات الاقتصادية والمجتمعية القائمة".
أليستهنا تكمن المعادلة المطلوب من الحكومة حلها؟!
وهي معادلة بسيطة من الدرجة الأولى بمجهولٍ واحدٍهو النوايا الحقيقية للفريق الحكومي الحالي.