الأحد 27 سبتمبر 2020
كتاب الرأي

حليم صلاح الدين: في فن تسفيه السياسة .. الأمين العام للبام أنموذجا 

حليم صلاح الدين: في فن تسفيه السياسة .. الأمين العام للبام أنموذجا  حليم صلاح الدين
دخل المغرب العشرية الثالثة من العهد الجديد بما يحمله و ما يزال من مطامح كبرى و مشاريع وطنية جامعة، حققنا فيها عديد الاوراش و الرهانات الوطنية الكبرى، و تعثرنا و أحيانا فشلنا، (ولا مركب نقص في الاعتراف بذلك)، في إخراج و تقعيد مجموعة من الأوراش المهيكلة، سواء في ما يهم منظومة الحماية الاجتماعية الوطنية ( المعروضة اليوم للنقاش بقبة البرلمان)، بعد الإعلان الملكي حاجة بلادنا لنفس اجتماعي، أو في ما يتعلق بمشروع شكل إحدىالأعمدة المركزية للانتقال ببلادنا  نحو التحديث والمأسسة والدمقرطة (الاعتراف بالمكانة المركزية للمنتخب كفاعل في دينامية التنمية)، إنه ورش الجهوية المتقدمة المنوط به إعادة تعريف وتركيب نسق ووظائف الدولة، و الذي لولا الجهود الحثيثة لعديد المتدخلين لقتل في المهد، أو كما يقول المغاربة بشكل بليغ جدا ( قاليه باك طاح .. قال ليه من الخيمة خرج مايل )، ألم تعترف أرقام وزارة الداخلية بكل الوضوح اللازم، بمدى عمق نخر الجهل والأمية  لجسم الفاعل الترابي بمختلف مجالس القرب ابان هذه الولاية التأسيسية للجهوية المتقدمة.
وسياق الحديث على مدى نخر الأمية جسم الفاعل الترابي هو تحول هذا الفيروس المكتسب (بشكل إرادوي)، إلى شكل أكثر تعقيدا وخطرا على مؤسسات بلادنا، إنه الجهل المركب أو حينما يلتقي الجهل والعلم في ذات المرء لغرض واحد هو تسفيه الفعل السياسي المؤسساتي ولا سيما بمؤسسة البرلمان المغربي.
أوقف الأمين العام لحزب الأصالة و المعاصرة الجلسة الرسمية المشتركة لمجلس النواب ومجلس المستشارين لتقديم مشروع قانون المالية التعديلي ( المعروض قبل أيام معدودة على أنظار المجلس الوزاري لتحديد الخطوط العريضة للإقلاع الاقتصادي و لخطة الإنقاذ الاجتماعي لمالية 2020 التي أضعفت مداخليها جائحة كورونا )، والعلة هنا هي تنبيه المجلس الى غياب أمين مجلس المستشارين الذي ينتمي لنفس حزبه ( والذي وقع بنفسه تزكية ترشحه للانتخابات الجزئية لجماعة أيت أورير، وهي علة غيابه) مشيرا إلى أن غيابه سيؤذي حسب'' رأيه '' إلى الإخلال بالتوازن اللازم بين المجلسين وإلى المساس بمحضر الجلسة الذي يوقعه حسب'' رأيه كذلك '' أمناء المجلس، وهو الأمر الغارق في الأمية القانونية من رجل قانون و أمين عام حزب الكتلة العددية الأولى بالمعارضة، و العهدة هنا على النظام الداخلي لمجلس المستشارين ولا سيما المواد 64 التي تحدد حصرا مهام الأمناء، ولا تمكنهم من أي صلاحية للتوقيع من عدمه، والمادة 65 التي لا ترتب أي عقاب أو مس بالقيمة القانونية للمحاضر حينما يعوق أمناء المجلس عائق يمنعهم من الحضور الرسمي لأشغال الجلسات العامة.
و من باب لفت انتباه القارئ الكريم إلى خطورة تراكم هذه الأفعال التي تمس بهيبة ومكانة و اعتبار المؤسسات الدستورية فقد سبق لذات الأمين العام أن قُرع الشهر الماضي من قبل مؤسسة المحكمة الدستورية بعد اتهامه إياها في مقال مطول نشره بالموقع الرسمي للحزب تحت عنوان: ( المحكمة الدستورية حامية الحقوق والحريات أو حين يسطو الأمين العام بتعليمات من الرئيس، على سلطات السادة القضاة ) وهي جرأة و تطاول غير مسبوقة أو مشهودة في تاريخ تفاعل رجالات السياسة مع مؤسسات البلد حتى في أصعب الأزمات التي مرة منها بلادنا ولا سيما اتجاه صمام أمان الحقوق و الحريات، المؤسسة القضائية الأولى بالمغرب بما يظهرها أمام المواطنين تتدافع سياسيا لصالح فئة أو جهة ضد أخرى، ومن اجل ذلك، أصدرت المحكمة الدستورية بلاغا تاريخيا غير مسبوق على مستوى تراكم الكتلة الدستورية ( لازال معروضاإلى حدود اليوم في واجهة موقعها بما يظهر حجم الضرر الذي لحقها )، لتنبه  إلى ضرورة توقيرها وتوقير قضاتها وهو ما ردت عليه بالحرف ( .. ان ما استعملته بعض  الوسائط والمواقع  من تعابير من قبيل "التواطئ والسطو"، وكذا نشر محتويات غير صحيحة  تمثل إخلالا بالاحترام الواجب للمحكمة ا لدستورية، وتنم عن مضايقات مسطرية، توخت المساس بالإدارة القضائية  الجيدة، لإحالة  قيد الفحص من قبل المحكمة.)
وباكورة مصائب زعيم نموذج تسفيه السياسة، هي تلطيخ سمعة مجلس النواب ( المؤسسة الثالثة في هرم الدولة ) في شبهة تزوير توقيعات نواب فريق حزبه لإقالة رئيس فريقهم في عز جائحة كورونا وإعلان حالة الطوارئ الصحية الوطنية وفي عز التفاف المغاربة جميعا وراء ملك البلاد للخروج من هذه الجائحة العالمية، وهو ما جعل اليوم أسماء العديد من النواب تستدعى لتقديم الإفادات في ملف معروض على النيابة العامة فيما يسميه الفقه الجنائي ( بجرائم الأخلاق العامة التي تجرد من الحقوق المدنية والسياسية و ترمي بمقترفيها إلى مزبلة التاريخ).
إن أجندة بلادنا مزدحمة منذ سنوات بقضايا تكتسي أولوية قصوى من حيث ضرورة إنفاذ تأثيرها واقعا على الحياة اليومية للمواطنات و المواطنين و قد أظهرت جائحة كورونا بكل جلاء مدى حاجتنا الفائقة للتسريع بأجرأتها، ومن أجله كل ذلك فمسؤولية المواطنين أولا والشباب الوطني الغيور ثانيا وأخيرا هي قطع الطريق على كل مسفه للفعل السياسي الوطني وكل طامع نتيجة لذلك، في التكالب على ظهر هذا الشعب يوما ما عن طريق تقلد مناصب المسؤولية الحكومية.