الاثنين 10 أغسطس 2020
كتاب الرأي

عبد القادر فلالي: سيكلوجية الإعلام المصري

عبد القادر فلالي: سيكلوجية الإعلام المصري عبد القادر فلالي

تعكس سلوكيات الأمم مدى نضج أفرادها من عدمه. ولكي تصل الدول مرحلة النضج وجب عليها الوفاء لدفتر تحملات يستجيب لمركزية الإنسان وتطلعاته ومدى تأصيل مؤسساتها المنبثقة من هوية متجدرة في الوجود لهكذا نضج.

فتنعكس مؤسسات الدول بدورها على سلوكيات مواطنيها بمختلف مشاربهم وانشغالاتهم.

 

في هذا السياقنطرح تساؤلا عن سبب الحساسية المفرطة للمؤسسة الإعلامية الرسمية لمبادئ من قبيل: الشرعية، المصداقية الدولية، المؤسسات والاتفاقيات. حيث كشف توالي الأحداث، بالواضح، عن الوجه الحقيقي لإعلام أقل ما يمكن وصفه ب “الفهلوي" منذ كوميديات الفنان إسماعيل ياسين مرورا ب “الحكواتي" حسنين هيكل.

نحاول فهم السعار الإعلامي المصري من مشروعية اتفاق الصخيرات كأرضية توافقية ترضي الأطراف الليبية وفي نفس الوقت التصدي للريع العسكري والأمني الذي استغله فيما بعد فاعلون محليون وجهويون ودوليون.

 

أتذكر والدي رحمه الله ونحن صغارا إبان حرب باردة "عربية قومية" وإعجابه بشخص جمال عبد الناصر كغيره ممن عاصروه وانبهارنا بالصورة والصوت المنبثق من إذاعة العرب التي كانت تبث من القاهرة.

 

أتذكر فخروالدي  بالجنرال عبد السلام الصفريوي قائدا للتجريدة المغربية التي كانت متجهة للدفاع عن الوطن العربي وسوريا بوجه التحديد حيث قال الراحل الحسن الثاني فيها: " تجريدتنا التي ستسافر بعد قليل للالتحاق بالواجهة للدفاع عن الوطن العربي، منذ تأسيس الجيش الملكي لم أعش ساعة تأثرث فيها أكثر مما تأثرت في هذه الساعة وانا أسلم التجريدة المغربية علمها الأصيل (…) وعليها أن تظهره في أحسن مظاهره، وأبهى عناوينه. عليها أن تجعلنا نحن هنا نفتخر به ونفتخر بمن سيستشهد حوله"

 

حينما كبرنا ونهلنا من أدوات للتحليل، علمنا خلالها أننا تعرضنا لأكبر خديعة ديماغوجية أهلكت مصر ودول عربية أخرى انخرطت بدورها في حروب عربية وانقلابات باردة وساخنة بالنيابة.

فانهارت الشعارات الجوفاء أمام امتحانها الأول مع مواطنيها.

ويتضح الأمر أن الحال لم يتغير إلى حدود كتابة هذه الأسطر بل استعملت نفس الأدوات والقطاعات جاعلين مهمتهم الإنغماس التاريخي في فنون البروباغانداالعقيمةالمؤطرة بجهاز تفكير عملاق يعتمد على التقارير الضحلة التي لا تخدش حتى قشورالسطح التحليلية حتى عندما يتعلق الأمر بالاستعداد لمعرفة "الآخر" أو الكتابة عنه.

أحجام ومجلدات، وأساطير زودت الإعلام المصريبمعتقدات عن الآخر الغامض الذي أقل ما يمكن للمرء أن يقول عنه إنه إعلام بائس الخيال. حيث خلق صورا وإطارات نمطية ومفاهيم خاطئة.

لمحاولة فهم هذه "الضحالة" استدعينا علم النفس الإعلامي لفهم مسببات القهر الإعلامي بمصر.

تطورت التكنولوجيا بشكل كبير على مر السنين، وانتقل علم النفس الإعلامي إلى مجال بارز كمجال للبحث والممارسة.حاول هذا الحقل المعرفي الجد حديث فهم كيفية تأثير وسائل الإعلام على عملياتنا الحسية والمعرفية، بما في ذلك كيف تُثير وسائل الإعلام سلوكيات محددة في الأفراد أو المجموعات. إن المجال الكبير والمثيرهنا  يكمن في كيفية تأثير نظم مؤدلجة على وسائل الإعلام الإخبارية والترفيهية المختلفة  التي تؤثر هي الأخرى على تصورات الجمهور وسلوكياتهم، والتركيبة السكانية للجمهور، وأعداد الجمهور. 
 كلها عناصر أساسية لعلم النفس الإعلامي، حيث يتدفق تخصص علم النفس الإعلامي من تطبيق النظريات المفهومة في علم النفس إلى استخدام الصور والرسومات والصوت واللغة في أي شكل من أشكال تكنولوجيا الاتصالات (Luskin، 2002). 
علم النفس الإعلامي هو الواجهة بين التجربة الإنسانية وجميع أشكال وسائل الإعلام.من أجل فهم الخطاب الإعلامي المصري نحاول فقط القيام بعملية مسح خاطفة نستشف من خلالها عمليات اغتصاب وإبادة للغة العربية فما بالأحرى المضمون الذي هو نتاج طبيعي لمدى سكونية اللغة.
نتساءل مثلا كيف يساهم الاقتصاد السياسي في بناء الخطاب الإعلامي المصري، وكيف تستطيع الدولة الأمنية حبس أنفاس القلم الإعلامي والزج بالإعلامي في متاهات الولاءات والمزايا. 

 

فقر اللغة العربية في الإعلام المصريوظهور "الحكواتي الإعلامي"

 
يسلط اتفاق الصخيرات الأممي بين الفرقاء الليبيين وتعاطي الإعلام المصري معه الضوءعلى أزمة لغوية مركزية في خلق علاقة تكاد تكون جوهرية بين المتصورين للظاهرة ومن يقع عليهم الإدراك. يتردد صدى الكلمات في النفس الجماعية الإعلامية المصرية، مما يخلق مجموعة من الصور التي تشكل بدورها الفهم وبالتالي الآليات التي يتم على أساسها تمثيل "الآخر". صورة روبوتية في عمليتها الجليدية الميكانيكية تجرد الكيانات التي هي بصدد التحليل، وتكتفي بهيكل عظمي ليس لحمه سوى الصور النمطية والإطارات الجاهزة كما عرفناه مع هيكل حيث في محصلة المنتوج الإعلامي نجد أنفسنا أمام "حكواتي" إعلامي رأسماله الإطناب والسفسطائية والشعبوية المتدنية. 

 
شكلت اللغة المخيلة الجماعية للإعلام المصري نوعا من ال"الفهلوة"  حيث لا يمكن أن يوجد الواقع خارج الحدود النحوية والدلالية التي أقامها ما يشير إليه البيانيون بالشعارات.قد استلزم هذا الشرط ظهور هيكل لا يترك أي شيء على أنه غير مصنف،أو بدون تسمية: لأن السيطرة هي وضع التصنيفات قصد الرقابة والحجر على الآخر (مركزية عبد الناصر ووصايته على الدول العربية) حتى لو أن هذه المعطيات تفتقد المعنى والمنطق. لنأخذ مثلا تعاطي الإعلام المصري مع اتفاق الصخيرات.مدينة الصخيرات تحمل مفهوما جغرافياومعجما لصور منالتاريخ والثقافات و الأشخاص.  

 

اتفاق الصخيرات والتصدي للريع العسكري والأمني في ليبيا

 

مصطلحات من قبيل الشرعية الشعبية، والشرعية الدولية والمؤسسات تثير حساسية مفرطة لدى الإعلام المصري. إن قدرة نظام الثكنة على إخفاء سببه الوجودي باسم الأمن القومي قد فاقم غموض المعلومات المتعلقة بحبس أنفاس الإعلام، في ظاهرة مشتركة تقوم بها العديد من مؤسسات الدولة في مصر. هذا الغموضيفسّر سبب تصنيف مصر في مؤشر مدركات الفساد لمنظمة الشفافية الدولية، حيث انخفض ترتيب مصر إلى 117 من بين 180 دولة في عام 2017 (بعد أن كان 94 في عام 2014).حيث تطفو تبريرات متنوعة لإنخراط نظام الثكنة في الإعلام المدني. فَهم يشددون على الحاجة إلى استخدام الصوت والصورة منذ "صوت العرب" لتمرير إديولوجية صدئة والمؤسف أنهم يصرون، مرارًا وتكرارًا، على "سامية فرعونية" فوق جميع العرب.

 

جاء إتفاق الصخيرات مستشرفا  لتجنيب ليبيا الشقيقة وضعا خطيرا تجسد في ما أسميناه بالريع العسكري والأمني. نعرفه بكونه ريع يعي فيها الفاعلون المحليون والجهويون بالمنفعة والربح في وفرة التواجد العسكري في جغرافية ما. الإنتفاع له أوجهه ومناحي ابتزازه ولو على أرواح الليبيين المدنينن العزل الذين سلموا أمرهم وشرعيتهم لحكومة الوفاق.

 

إن فقهاء المؤسسات يدركون أن إتفاق الصخيرات فرضه عنصران أساسيان : مؤسسة الإتحاد المغاربي ومؤسسة الأمم المتحدة. قد يحاول بعض السوفسطائيين الإعلاميين المصريين الحديث عن جمود لهذا الإتحاد إلا أنه كيان قائم وليس ملغى.

 

المواقف المغربية المشرفة في العلاقات الدولية والحكمة المتبصرة  في التعاطي مع القضايا العربية بوأت المغرب صورة وطنية ومكانة مرموقة لدى المنتظم الدولي، صورة دولة في قوات حفظ السلام الأممية بمناطق التوتر بإفريقيا. هذه التراكمات جعلت من دول الجوار سواء شمال المتوسط أو إفريقيا ينظرون للمغرب كونه المخاطبالجدير بالثقة داخل المنتظم الإفريقي والدولي..

 

عبد القادر فلالي، أستاذ العلوم السياسية في جامعة أوتاوا