الأحد 9 أغسطس 2020
اقتصاد

النهري: قانون المالية التعديلي أعطى الأسبقية للتوازنات المالية عوض تبني سياسة أكثر تدخلية

النهري: قانون المالية التعديلي أعطى الأسبقية للتوازنات المالية عوض تبني سياسة أكثر تدخلية حميد النهري

من تداعيات الظروف الاستثنائية وباء كورونا اللجوء إلى تعديل قانون المالية 2020 ؛ و أثير نقاش كبير بين الحكومة والبرلمان حول صيغة مناقشة مشروع قانون المالية التعديلي ؛فبينما التمست رئاسة الحكومة أن يتم حصر مناقشة مشروع قانون المالية في لجنتي المالية بمجلسي البرلمان النواب والمستشارين، دافع البرلمانيون من جهتهم على أن تشمل المناقشة القطاعات الوزارية في باقي اللجان البرلمانية الدائمة ؛في هذا الإطار اتصلت "أنفاس بريس" بالأستاذ حميد النهري رئيس شعبة القانون العام بكلية الحقوق بطنجة وانجزت معه الحوار التالي:

 

كيف تقرأ مضامين قانون المالية التعديلي ؟

مبدئيا طبيعة قوانين المالية التعديلية تهدف مواجهة الظروف الاستثنائية والطارئة تدابير استعجالية للحد من آثار الأزمة .

لذلك في مضامين هذا القانون تبقى تعديلات وإجراءات من اجل ملاءمة وتحيين مضامين قانون المالية 2020 مع فرضيات ظرفية أزمة آثار جائحة كورونا.

لكن في نفس الوقت كان منتظرا منها أن ترسم بعض ملامح النهوض بالاقتصاد الوطني.

لكن ما يلاحظ من خلال مقتضيات هذا القانون التعديلي هو إعطاء الأسبقية للتوازنات المالية بل نهج الحكومة نفس الخيارات والتي جاءت مناقضة لطموحات الفئات الاجتماعية الهشة وتحديات المرحلة مع أن ظرفية تداعيات الأزمة تفرض على الدولة تبني سياسة أكثر تدخلية خصوصا في القطاعات الأساسية والحيوية والتي أصبحت تفرض نفسها اكثر من أي وقت مضى وهي الصحة والتعليم والعيش الكريم.

أكد وزير المالية والاقتصاد امام البرلمانيين داخل لجنة المالية خلال مناقشة قانون المالية المعدل انه انه أمام إشكالية معقدة. وطالب من خلالها البرلمان أغلبية ومعارضة بمساعدته على حلها اين تكمن في نظرك هذه الإشكالية؟

بداية لا داعي لاستعمال مثل هذا الخطاب والتلاعب بالكلمات واستغباء الناس في هذه المرحلة من أجل الدفاع عن إجراءات هذا القانون

في البرلمان هو ممثل الشعب.

والديمقراطية البرلمانية تقتضي من ممثلي الشعب الوقوف إلى جانب الفئات الاجتماعية المتضررة وذلك عبر المساهمة في تبني خيارات وإجراءات فعالة تستطيع التقليل من الآثار السلبية الجائحة كورونا.

بطبيعة الحال نحن أمام أزمة خانقة من جهة تداعيات الجائحة التي عرت محدودية سياستنا الاجتماعية والاقتصادية وهشاشتها .

ومن جهة أخرى ضعف الموسم الفلاحي نتيجة تراجع التساقطات المطرية وكما هو معلوم اقتصادنا يرتبط بالتساقطات التي يجب أن تكون (كافية على صعيد الكمية ومقسمة زمنيا وموزعة مجاليا ) لكي نستفيد منها اقتصاديا اجتماعيا بيئيا حتى سياسيا.

إذن هذا واقع للأسف لا يمكن أن ننكره.

لذلك طبيعيا أن نكون أمام العديد من المعادلات المعقدة ومعالجتها يجب أن تتم باعتماد سياسة عمومية جديدة تأخذ بعين الاعتبار هذه الوضعية الصعبة ( جائحة كورونا الجفاف)

أما بالنسبة الإشكالية التي طرحها وزير المالية فيمكن مناقشتها من خلال التقط التي التي ذكرها الوزير وبلغة واضحة وصريحة يستطيع أن يعرفها الجميع هذه التوضيحات ينبغي استحضارها قبل تبني أي إجراء وهي :

أولا : صرح الوزير أن الحكومة مطالبة بالاستمرار في تقديم المساعدات الاجتماعية وهي مكلفة في نظره وحددها في 7,5 مليار شهريا.؟؟؟؟

للتوضيح فيما يخص هذه النقطة فإن عملية تقديم المساعدات ضرورية والمقاربة الجديدة تقتضي ضرورة تحمل الدولة لمسؤوليتها تجاه الفئات الاجتماعية الهشة التي تبقى وضعيتها الحالية ما هي إلا نتيجة للسياسة العمومية الخاطئة لعقود عدة لكن عرتها بالملموس جائحة كورونا وزادت في تكريسها عددا(ازدياد نسبة الفقراء) وتنوعا (داخل مختلف القطاعات مهيكلة أو غير مهيكلة) وحاليا من مسؤولية الدولة في هذه الظرفية إيجاد مخرج لهذه الوضعية عبر سياسة اجتماعية تعتمد منهجية جديدة.

ونُذَكِرُ الوزير ان رقم 7،5 مليار لا يمثل سوى القليل مقارنة مع المبالغ الكبرى التي تنازلت عنها الدولة في شكل إعفاءات ضريبية أو مقارنة مع حجم التهرب الضريبي أو المساعدات المباشرة المقدمة لصالح بعض القطاعات او الاموال العامة المنهوبة والتي استفاد اصحابها من مبدأ (عفا الله عما سلف).....

 

ثانيا: في نظر الوزير أن الحكومة مطالبة بالرفع من قيمة الاستثمارات العمومية.؟؟

في الحقيقة هذا هو الخيار الامثل اليوم لمواجهة الازمة وتؤكد ذلك بعض المؤشرات .

فجائحة كورونا أكدت أن سياسة الرهان على الاستثمارات التي مصدرها القطاع الخاص وتقديم الهدايا لهذا القطاع (الضريبية والمالية....) خلال عقود من الزمن كانت رهانا خاطئا وحتى الدول الأكثر ليبرالية تسعى اليوم إلى العودة إلى الاستثمارات العمومية.

كما ان القطاعات الأساسية التي أصبحت تحظى بالأولوية نتيجة الازمة الحالية برز جليا انه لا يمكن للقطاع الخاص أن يستوعبها.

ثالثا : اشار الوزير إلى ان بعض النواب البرلمانيين يحثون الحكومة على عدم اللجوء إلى المديونية؟؟؟

وهنا تجدر الإشارة إلى أن الحكومة اعتادت أن تختار الطريق السهل في التمويل وهو المديونية

لذلك فمديونيتنا في الأصل ثقيلة بل أكثر من ذلك لم نعد نقترض للقيام باستثمارات ومواجهة عجز الميزانية الداخلية ولكن نفترض لتغذية رصيد العملة الصعبة بالموارد ومن أجل سداد قروض سابقة.

إذن هذه الإكراهات تفرض اليوم اللجوء إلى المديونية وتبقى هذه الآلية معضلة ولا توفر سوى حلول ترقيعية.

لذلك الرهان المفروض اليوم هو استغلال التمويل الداخلي واعتماد مبدأ البحث عن الأموال حيث توجد ومعروف من هي الطبقات الاجتماعية التي تتوفر على الأموال والتي عليها أن تمول ليس بطريقة (الشفقة والصدقة) ولكن بتحمل الواجب الضريبي ووقف نزيف الإعفاءات الضريبية.

رابعا : بالنسبة للوزير فإن الجميع يعترف بتراجع الموارد ب 40 مليار درهم.

وهنا يجب ان نوضح ان تراجع الموارد يرتبط أساسا بضيق الوعاء الجبائي و جائحة كورونا ما هي إلا تحصيل حاصل.

فعلى صعيد الضريبة على الدخل نجد أغلب مداخيل هذه الضريبة تأتي من جيوب اصحاب الدخل المحدود (الأجراء والموظفين) أكثر من 70 في المائة. واليوم نتيجة الازمة تضررت هذه الفئات الاجتماعية ومن الطبيعي أن تتراجع مساهمتها.

وبالنسبة للضريبة على الشركات نجد تمركز عائدات هذه الضريبة حول أقل من 2 في المائة من الشركات(عمومية صغرى متوسطة اجنبية إلى حد ما...) تساهم بأكثر من 80 في المائة من مداخيل الضريبة على الشركات

أما الشركات الكبرى فتنعم في ترسانة الإعفاءات والاستثناءات الضريبية.

كما أن أكثر من 65 في المائة من الشركات تصرح سنويا بالعجز ولا تساهم سوى بالمساهمة الدنيا التي تبقى ضعيفة جدا.

على صعيد الضريبة على القيمة المضافة فهي ضريبة استهلاك ومن يؤديها نهائيا هم الفئات الاجتماعية الهشة أما الباقي فيستفيد من نظام استرجاع الضريبة. وتراجع مستوى استهلاك الأسر لا بد أن يؤثر على ركود المداخيل الجبائية.

كما ان كثرة الإمتيازات الجبائية (إعفاءات تخفيضات ) والتي يصطلح عليها اليوم النفقات الجبائية تزيد في ضيق الوعاء الجبائي وتفرغ مجموعة من الضرائب من محتواها إلى أجل غير مسمى.

فاصلاح ضريبي يفرض نفسه اليوم أكثر من أي وقت مضى يجعل من النظام الضريبي أكثر عدالة توفير المداخيل الضرورية للدولة .

خامسا :تنبيه الحكومة إلى ضرورة الحرص على التوازنات الماكرو اقتصادية ؟؟

بالنسبة لهذه النقطة عندما نقول الحرص على التوازنات الماكرو اقتصادية بطبيعة الحال الوضع يفرض استعمال معايير جديدة في ذلك ماذا نريد ؟وأي تنمية نريد؟

فالإكراهات الاقتصادية التي يعرفها المغرب والتي تبرز على مستوى اختلال ميزان الاداءات وتدهور الميزان التجاري الصادرات والواردات ضغط المديونية .......كل ذلك يجب معالجته بتبني مقاربات جديدة ومبدعة تعتمد مرجعيات جديدة وتأخذ بعين الاعتبار دروس جائحة كورونا الاقتصادية والاجتماعية.

كما أن اسطوانة التخوف من مؤشرين مهمين جاء بهما هذا القانون التعديلي تراجع الناتج الداخلي الخام خلال سنة 2020 بنسبة 5 في المائة، ووصول عجز الميزانية إلى 7.5 في المائة.

وهنا تجدر الإشارة إلى ان قوانين المالية السنوية بالمغرب عادة تعمل داخل مؤشرات سلبية بل ان هذه المؤشرات في السنوات الأخيرة أصبحت تعرف تضاربا في الأرقام ما بين تلك الصادرة عن الحكومة أو الصادرة عن بنك المغرب أو الصادرة عن مندوبية التخطيط على العموم قاسمها المشترك هو أنها سلبية.

ومنطقيا جائحة كورونا زادت في تراجع هذه النسب إلى مستوى يندر بالأزمة.

هناك من جهة تدهور مستوى استهلاك الأسر ومن جهة أخرى توقف الإنتاج المعروض للاستهلاك.

لذلك فالمطلوب اعتماد الأولويات الحقيقية لضمان تنمية شاملة.

سادسا : يخاطب الوزير لجنة المالية بالبرلمان بأن الأعضاء يحذرون من تقليص النفقات ومن رفع الضرائب؟؟

وهنا تجدر الاشارة مرة أخرى ان مسؤولية الدولة في هذه الظرفية أن تحافظ على مستوى النفقات العمومية لمواجهة الأزمة وأن تنهج الدولة سياسة رفع النفقات العمومية حسب الأولويات الأساسية الصحة التعليم التشغيل العيش الكريم وهي السياسة التي سارت عليها الدول المتقدمة لكن الحكومة أبت إلا أن تضحي بهاته النفقات وتعتمد نفس السياسة القديمة المعهودة أما تجميد النفقات العمومية أو التقليص منها والتخلي عن مسؤوليتها في مواجهة الازمة وبالتالي تصل إلى نتيجة التوازن المالي والتحكم إلى حد ما في عجز الميزانية.

أما بخصوص عدم رفع الضرائب هنا يجب أن نميز فكما سبق أن أشرت إلى ذلك تمركز العبء الضريبي حول ضرائب محدودة يجعل هذا المطلب منطقيا لا يمكن زيادة هذا العبء لأن هذه الدخول هي الأكثر تضررا من تداعيات الجائحة.

لكن في نفس الوقت يمكن الزيادة في بعض الضرائب والتخلي عن بعض الامتيازات وإدخال بعض مصادر الضريبة في الوعاء الضريبي وأقصد هنا (الثروة والإرث) فلا أظن ان الثروات تضررت من الأزمة فهي لا تشتغل وحافظت على قيمتها المادية والمعنوية إذن هي فرصة توسيع الوعاء الضريبي وفرصة لتحريكها للنهوض بالاقتصاد.

فالاغنياء يجب أن يتحملوا فاتورة الأزمة فهناك مفاهيم جديدة اصبحت تلوح في الأفق في العديد من الدول الأكثر ليبرالية والتي تنادي باستغلال أموال الأغنياء لمواجهة الأزمة ليس فقط ضريبيا ولكن بشتى الطرق.

وعموما هذه هي النقاط الست التي اعتبرها وزير المالية معادلة معقدة ولكن تعقيدها في الحقيقة يبقى مرتبطا أساسا مقاربته المعتمدة على النظريات المتشبعة بالارتوذكسية الاقتصادية المتجاوزة والتي لم يستطع التخلص.

المطلوب اليوم هو تبني سياسة جديدة لمواجهة تداعيات جائحة كورونا.

ولن يتأت ذلك اليوم إلا بتوفر إرادة سياسية حقيقية تقطع مع السياسات السابقة المحدودة التي تتخبط فيها الحكومة.

فلا نجعل من دروس جائحة كورونا فقط بين قوسين ونرجع إلى نفس الممارسات.

الخيار الوحيد الذي يفرض نفسه هو ارادة سياسية هدفها تنمية حقيقية عملية تراعي الأولويات وتطلعات المجتمع وشعارها العدالة الاجتماعية.

فالشعب المغربي يستحق الأفضل.