الأحد 9 أغسطس 2020
فن وثقافة

إشراقات من الامتدادات الصحراوية لفن حمادة بالرحامنة (مع فيديو)

إشراقات من الامتدادات الصحراوية لفن حمادة بالرحامنة (مع فيديو) الباحث عبد العالي بلقايد ...ومجموعة حمادة بوشان

يعتبر الترافع عن الموروث الثقافي الشعبي بمنطقة الرحامنة قضية وملفا آنيا لا يتطلب التأجيل، خصوصا لما يتعلق الأمر بلون فني نابع من الأصول وله جذور وامتدادات تاريخية وحضارية وثقافية وإنسانية.

هكذا يتحدث الباحث الأستاذ عبد العالي بلقايد، حينما يغوص في كنه "ذخيرة وذاكرة المغاربة"، ويحول صفحات "العيطة بمختلف أنماطها" على منصات مواقع التواصل الاجتماعي إلى منبر إعلامي جاد ومسؤول (صفحة العيطة الحوزية/ صفحة الحصبة ولافة/ صفحة محبي العيطة) ويسلط كشافات الضوء على جواهرنا "المنسية" و"المعرضة للانقراض"، والتي تعكس كنوز الوطن الذي راكم الكثير من التنوع على مستوى الفنون الشعبية لتحصين وجوده/ الذات/ الجماعة.

في هذا السياق وارتباطا بثقافة الاعتراف يستحضر الباحث عبد العالي بلقايد بتواضع كبير، رفقة تلامذته (هشام متصدق ورفيقة المهدي) خلال كتاباته ونبشه، وترافعه، كل الفعاليات والأسماء التي تجتهد من أجل صون تراث فن حمادة وتحصينه ضد النسيان.

"أنفاس بريس" ارتأت التعاطي مع منسوب كتابات ثلة من أبناء بن جرير لتوثيق ذاكرة مجموعة حمادة الممتدة جذورها وروابطها من الرحامنة إلى القبائل الصحراوية.

 

النفحات الصوفية في فن حمادة

 

لا يمكن لفن بعراقة لون حمادة أن يطاله النسيان. وإذا حصل فلا يجب أن يظل في دائرة الغميس، بل يجب أن نعمل على جعله يطفو على السطح، لكي يبرز كفن له قيمته كنوع سماعي بالدرجة الأولى شأن ذلك الذي اشتهرت به بعض العائلات في صحرائنا المغربية، التي خصت فنها لمدح الرسول ، فالقبائل الرحمانية ذات الأصول الشريفة سواء تعلق الأمر بقبائل سلام ، أو قبائل الركيبات المشهورة بالعلم والفروسية حين تعاطت لهذا الفن جعلت جزءا منه مخصوص لمدح الرسول عليه السلام.

 

لقد سبق لنا أن أوضحنا بأن القبائل المنحدرة من الصحراء الشرقية كالمرابطين، والنواجي، والتي لا تقل علما وشرفا عن الركيبات والسلام تعاطت هي كذلك لهذا الفن بغاية مدح الرسول عليه السلام، فالنفحات الصوفية لا تتمظهر فقط على مستوى المتن ،بل تتعداه إلى الإيقاع الذي يمتزج فيه العنصر الكناوي، مع تواشي الآلة الحديدية ذات الأصول الأمازيغية ليخلق عند المتلقي إحساسا جميلا ونديا، يجعله يتجاوب معه برقص هاديء تحضر فيه الروح والجسد معا.

 

رغم أن هذا اللون يصنف ضمن الألوان الإيقاعية لكنه كمنتوج يكتسي صبغة طربية، وإن كانت أغلب آلاته الموسيقية تصنف ضمن الآلات الإيقاعية، فاللغة الحسانية كنتاج لمدى ممتد تكتسي جرسا موسيقيا، شبيه بصوت الريح المهيمن على فضاء الصحراء، مع التواشي اللحنية ، والمتون المملوءة بالتساؤلات الوجودية:

 

إيلا نموتو آآآه

إيلا تعيشوا اآآه

رآه العمر بيد الله

 

كل هذه العوامل جعلت لون حمادة لونا متميزا، يجعل الكل معني به لأننا نكون إزاء فن هو فن للجماعة ، يمثل هويتها الجمالية كما يعكس نظرتها كذلك للوجود، فمجموعات حمادة زمن البدايات لم يكن الربح هو هدفها، بل كان احتفال الجماعة وإمتاعها هو الغاية الأساسية.

ونحن حين نتعاطى مع هذا اللون فغايتنا هو إيجاد أرضية لانطلاق البحث في تراث محكوم بالتاريخ والجغرافيا، وليست أية جغرافية بل تلك التي توضح لنا تضاريس هويتنا الفنية والجمالية، الأساسي هي بداية البدايات ، قد نكون موفقين ، أو قد لا يتحالف معنا الحظ ، ولكن نكون قد قرعنا الجرس ، حتى لا نقول المنبه لأن الكثير من هذا التراث يضيع، والمؤسسات ذات الصلة لا تكترث. قد نفتح أعيننا ذات يوم فنجد فن حمادة طاله المحو شأن الكدرة، والركبة، والكاف، وغيرها من الألوان الأصيلة، وانذاك لا ينفع التحسر.

 

حمادة عنصر باني للهوية ورابط بين الجدور الصحراوية

 

حمادة شأن باقي الفنون التي عبرت عن روح الجماعة لا تتلائم مع المنطق التجاري ، كمنطق ينافح عن الفردانية التي تبتغي الربح المساير لمنطق الطلب، المتمثل هنا في الجمهور، ما دفع الكثير من المجموعات الإبتعاد عن إيقاع البدايات ، ومحاولة تقليد غناء المجموعات ، ويعد هذا الصنيع تهديدا لكدا فن بالمحو وفي أحسن الحالات التشويه.

لقد شكلت ظاهرة حمادة ليس فقط ظاهرة غنائية ، بل هي ظاهرة ثقافية وموروث حضاري يتعالق ويلتحم مع القبائل العربية التي قدمت مع السعديين إلى سوس في المعركة الجهادية الكبرى ضد الحملة الصليبية للبرتغال، والتي منها قبائل بني معقل، وأولاد بن سبع. وغيرها من القبائل.

هذه القبائل استقرت بسوس، ولو أن جزءا منها كان بها منذ الدولة الموحدية، حسب ما جاء في كتاب البرابيش بنو حسان للأستاذ عبد الخالق مساعيد. وللأدوار الإدارية والعسكرية التي لعبها هؤلاء هناك سمو بعرب سوس، لكن المجال الفني لعرب بني معقل والكثير من القبائل العربية يمتد من سوس إلى درعة، فتافيلالت، ليشمل الصحراء المغربية ومالي والنيجر. وبالتالي تبقى ظاهرة حمادة هي نتاج لهذه الخلفية الفنية ، والثقافية العميقة التي تحمل الكثير من الإحالات الفنية ، والدلالات المرتبطة بعمق التاريخ ، وحضور الجغرافية ، وفعل الإنسان الرحماني في المجال.

كل هذا ينتج الكثير من الرموز الفنية، وعلامات الجمال، التي يشترك فيها الروحي والدنيوي، لبناء العمران البشري الرحماني، الغني بمظاهر الإحتفال المتمثلة في: طقوس، مواسم، أعراس ، منها عرس القرآن، ظاهرة المعروف ذي الصبغة الروحية الصرفة بكل من النواجي، المرابطين ، ركيبات

 

حمادة لون تتجمع فيه الكثير من الأبعاد الفنية

 

حين نقدم هذه المساهمة فمن باب الإمتنان لثلة من المهتمين بفن حمادة، الذين يبدلون الكثير من الجهد قصد التعريف بهذا الفن المنتشر بشكل لافث بمنطقة الحوز، سواء عند القبائل العربية أو الأمازيغية على السواء، فهو بذلك يزاوج الإنتساب بينهما معا.

لقد أوضحنا على أن لون حمادة يرتبط بـ "مجموعة" تخص الذات الإلهية بالحمد، كما يخصون الرسول بالصلاة والتسليم شأن أغلبية الألوان الشعبية التي تبدأ الكثير من غنائها بالصلاة على الرسول:

والفيديو رفقة المقال يبدأ بالتالي:

 

صلو على النبي آآآه

صلو على النبي آآآه

صلو على محمد رسول الله

إيلا نموتو آآآه

إيلا نعيشو آآآه

رآه العمر بيد الله

 

فالقصيدة شأن الكثير من الغناء الحساني ينبني على مدح الرسول، وعلى تمجيد الذات الإلهية، حيث كانت عائلات ولازالت معروفة بأداء هذا اللون في مدح الرسول عليه السلام، وهكذا كانت حمادة في البدايات، بالرحامنة شأن الحاصل بالصحراء المغربية.

والذي ينبغي الإشارة إليه أن هذا اللون لم يكن مقرونا بفرق محددة، بل كان شأنا يهم الجماعة كافة، حيث يصطف الرجال وفي الغالب عدارى النساء مع شباب الجماعة، وهو شكل يشبه إلى حد ما أحواش بسوس .

وحسب الكثير من الروايات الشفوية فإن حمادة كانت تؤدى في البدايات عبر شاعر يحمل بندير ويتلو قصيدته ويكون أمام مجموعة التي ترد عليه مايتلو، لتتطور فيما بعد لتؤدى بإيقاعات ورقص هاديء.

وإذا كانت حمادة في البداية تعتمد على قصائد من نظم شعراء من المنطقة، والتي تنوعت أغراضها لتشمل كل مظاهر الحياة التي يعرفها العمران البشري.

فإن غياب الشعراء جعل غناء حمادة حسب تصريح شيوخ حمادة ومنهم حسن هماني يعتمد على الماية الهوارية، وهذا سيؤثر على ديمومة هذا اللون في صورته الأولى المرتبطة ببداياته التي تحيل على الصحراء المغربية.