الأحد 27 سبتمبر 2020
فن وثقافة

العسبي: كيف ومتى دخل الطب الحديث إلى المغرب؟ ابن حمد، سطات، برشيد، فضالة وأبي الجعد، مؤسسات طبية تخصصية منذ 1915 – 1919 (ح. 26)

العسبي: كيف ومتى دخل الطب الحديث إلى المغرب؟ ابن حمد، سطات، برشيد، فضالة وأبي الجعد، مؤسسات طبية تخصصية منذ 1915 – 1919 (ح. 26) مستشفى الأمراض العقلية ببرشيد سنة 1919 ومركز المراقبة المدنية وحفظ الصحة ببلدة بن حمد سنة 1916 - ولحسن العسبي

نعود اليوم إلى المحيط القروي والبدوي الشاسع المحيط بمدينة الدار البيضاء، ضمن المجال الممتد لسهل الشاوية الكبير، المحتضن لبلدات صغيرة تعتبر عواصم تاريخية لقبائل شهيرة بالمنطقة، هي قبائل أولاد زيان، أولاد حريز، المداكرة، أولاد سعيد، أمزاب وشرقاوة. وهي عودة هنا، إلى واحد من أكثر المجالات الفلاحية الغنية بالمغرب، التي شهدت إنزالا هائلا للمعمرين، الذين أدخلوا تقنيات فلاحية وسقوية جديدة نعم، من خلال الضيعات الشاسعة التي وضعوا عليها اليد بالقوة،  لكنها أيضا التجلي الأكبر لمعنى الاحتلال الاستعماري (العنصري)، الذي غير من البنية السوسيولوجية للمنطقة وساكنتها، عبر فتح الباب لهجرات داخلية إما إلى الدار البيضاء أو إلى تلك البلدات الصغيرة التي شرع في توسيعها هنا وهناك. والسبب الرئيسي لتلك الهجرات كان تجفيف مصادر الرزق التي كانت لأجزاء كبيرة من الساكنة القروية تلك، بعد الاستحواذ على الأراضي الفلاحية الشاسعة والخصبة وعلى مصادر المياه السقوية فيها. مما كانت نتيجته تغير في ما يمكن وصفه بـ "المورفولوجية السكانية" بالشاوية الكبرى منذ 1915/ 1920.

 

من الملاحظات التي قادنا إليها هذا البحث التاريخي أيضا، المتعلق بقصة دخول الطب الحديث إلى المغرب، اكتشاف أن الخريطة الطبية المتعلقة بسهل الشاوية، قد جعل من الدار البيضاء مركزا محوريا لذلك الدخول، فيما كل البلدات المحيطة بها على مسافة ما بين 35 و150 كلمترا، عبارة عن مجال لمؤسسات متخصصة في معالجة أمراض محددة، تفرض نوعا من "العزل الطبي" وأيضا نوعا من "النقاهة الصحية" (مستشفيات أمراض السل، مراكز الأمراض التنفسية خاصة الربو، مستشفيات الأمراض العقلية والنفسية كمثال).

 

بلدة ابن أحمد.. أمزاب ومحاربة السل

في تقرير للدكتور بيير مورنا (الطبيب الرئيسي لبلدة ابن أحمد سنوات 1925/ 1935)، تمة تنويه بطبيعة مناخ منطقة بلاد قبائل أمزاب، المثالي لمعالجة الأمراض الصدرية، بفضل ارتفاعها عن سطح البحر ب 600 مترا، وتواجدها في مجرى هوائي مثالي بين رياح المحيط القادمة من مسافة 80 كلمترا وحاجز هضاب قبائل أولاد عبدون شرقا (خريبكة حاليا). مما جعل المراقب المدني بها السيد جريفي، يقرر إنشاء مصلحتين للرعاية والعلاج الطبي بها منذ سنة 1917، واحدة مخصصة لمرضى الأمراض الصدرية (خاصة مرض السل) التي ستتطور في الأربعينات إلى مستشفى الأمراض الصدرية. والأخرى مخصصة لرعاية المسنين تصل طاقتها الاستيعابية إلى استقبال 70 مسنا. علما أنه قد تم إنشاء مركز صحي مركزي من قبل، يغطي كل فروع منطقة أمزاب، سنة 1915، به طبيب عسكري رئيسي و ممرضين مغربيين وممرضة مغربية (تم تكوينهما بالمستشفى العسكري بالدار البيضاء). وكان ذلك المركز مقسما إلى مصلحة للفحص الطبي ومصلحة للعلاج، مع قاعة للتدخل الجراحي الأولي، وحمامات استحمام بماء ساخن وقاعة لتعقيم الملابس.

 

كانت ساكنة أمزاب الكبرى تصل في العشرينات 75 ألف نسمة، انتقلت بسرعة في إحصاء 1936 إلى ما مجموعه 99 ألف نسمة (ضمنها 1750 مواطنا مغربيا يهوديا و312 أوروبيا)، تطلبت تدخلات طبية شملت إعطاء 5650 تلقيحا مضادا للجراثيم و 8530 تلقيحا ضد مرض الجدري الذي كان متفشيا بالمنطقة، وأيضا 75 ألف تلقيح ضد مرض الزهري. فيما سجل معدل 2365 يوما للاستشفاء سنويا بذلك المركز الطبي في السنوات ما بين 1917 و1930.

 

سطات.. عاصمة مرض السل بالشاوية

كانت بلدة سطات مركزا فلاحيا رئيسيا بمنطقة أولاد سعيد، استقر بها باكرا معمرون فرنسيون وأوروبيون منذ سنة 1913 (بلغ عدد الأوروبيين المستقرين بمركزها الفلاحي سنة 1917، أكثر من 450 أوروبيا)، مثلما كانت مركزا عسكريا مهما، خاصة من خلال احتضانها لقصبة مولاي اسماعيل القديمة.  وفي تقرير مفصل لطبيبها الرئيسي الضابط فيرناند فيريول في المرحلة ما بين 1930 و1936، نجد أن من المجالات الصحية الكبيرة التي تم تخصيص المجهود الفرنسي بها ومحيطها القروي الشاسع، مجال تصفية وتنقية الماء الشروب، ومحاربة داء السل المتفشي كثيرا بالمنطقة. حيث تم حفر بئر عميقة بوسط بلدة سطات بنيت حوله مصلحة لتنقية وتطهير الماء الشروب أصبح يزود الساكنة بالماء الصحي غير الملوث (كانت نسب التيفويد مرتفعة من قبل)، مثلما تم استقدام مياه من مجرى مائي من خارج المدينة بحوالي 5 كلمترات، أنجزت بخصوصه أول محطة لتصفية مياه الشرب بالشاوية كلها عبر تقنية التصفية المتدرجة بالشاربون. ولقد مكن ذلك من تخفيض كبير للعديد من الأمراض المعدية ببلدة سطات. فيما تم إنشاء مركز صحي بها منذ سنة 1917 جهز بـ 35 سريرا، بلغ معدل زواره في السنة ما مجموعه 32 ألف مريض، أغلبهم من مرضى مرض السل. وحسب تقرير الدكتور فيريول، فإن الدراسات قد خلصت حينها إلى أن طبيعة الرياح المخصوصة بمناطق أولاد سعيد، التي تتصارع فيها حسب الفصول تيارات هوائية باردة غربية آتية من المحيط، وتيارات ساخنة ذات غبار صاعدة من منطقة الرحامنة، هي السبب وراء ارتفاع الأمراض الصدرية هناك، خاصة مرض السل ومرض الربو. فتم التفكير في إنشاء مؤسسات للعزل الطبي واحدة ستنجز ببلدة ابن أحمد (مستشفى الأمراض الصدرية والسل) والأخرى خارج بلدة سطات للعزل العائلي (خاصة عزل الأطفال) على طريقة الدكتور الإنجليزي بريناردو التي كانت تنفذ ببريطانيا.

 

من الأمراض الفتاكة التي سجلت دوما ببلدة سطات ومحيطها القروي، نجد في المقدمة مرض الملاريا، خاصة في مناطقها الجنوبية المحاذية لممر نهر أم الربيع، وكذا منطقة البروج التي كانت بها العديد من البحيرات المطرية الصغيرة. وأيضا مرض الجدري الذي كان متفشيا كثيرا في منطقة مشرع بن عبو ولغنيميين. مع تفشي كبير لمرض الزهري، الذي تطلب على مدى سنوات 1914 و1917، تلقيح ما مجموعه 92 ألف من ساكنة المنطقة.

 

برشيد.. المركز الوطني للعلاج العقلي والنفسي

في تقرير لطبيبها الرئيسي الدكتور أدريان دولامار (سنة 1929)، رسم لخريطة شاملة للوضع الصحي لقبائل أولاد حريز، تضمنت جردا للأمراض المعدية المنتشرة بها، التي في مقدمتها مرض الزهري ومرض الجدري وموجات من التيفويد (خاصة سنوات 1918 و1921 و1928)، ثم ارتفاع كبير لمرض السل. لكن ميزة مركزها الصحي الذي افتتح سنة 1915، هو أنه ضم قاعة للجراحة مجهزة بأدوات تعقيم طبية متقدمة جدا في زمنها (بفضل قربها من الدار البيضاء)، ما جعلها مقصدا للمئات من المرضى بالمناطق القروية المحيطة بها، بل ثمة من جاء إليها من مسافة 100 كلمتر، بفضل السمعة التي انتشرت عن حرفية الطبيب الجراح دولامار.

 

على أن أهم مؤسسة طبية افتتحت بها منذ سنة 1919 هي مستشفى الأمراض العقلية والنفسية، الذي كان يستقبل مرضى من مدن مراكش، فاس، الرباط والدار البيضاء، مرسلين من مستشفياتها الرئيسية سواء العسكرية أو المدنية. وهو مستشفى ضخم بني على مساحة تقارب 25 هكتارا، انطلق في سنته الأولى بطاقة استيعابية تصل إلى 170 سريرا، ثم توسع لتصل إلى 500 سريرا سنة 1930. وكان يستقبل في المعدل سنويا حوالي 323 مريضا مقيما، يشرف على معالجتهم أطباء نفسانيون من كبار أطباء فرنسا وأروبا، في مقدمتهم الدكتور بييرسون. ولقد اعتبر حينها من أكبر المؤسسات الطبية من نوعها في كامل القارة الإفريقية وليس فقط في المغرب، اعتمد تقنيات علاجية جديدة، مختلفة عن منطق "المعزل النفسي والعقلي" بأوروبا، تدمج بين العزل الطبي للحالات الصعبة وفسح المجال للتحرك بل وممارسة أنواع من الزراعة والأعمال اليدوية لحالات علاجية أخرى، مما كانت نتائجه الطبية جديدة حينها ومرجعا لكبريات المعاهد المتخصصة في مجال علم النفس بأوروبا. مع الإشارة أنه اعتبر مستشفى عسكريا للطب النفسي من سنة 1919 حتى سنة 1927، قبل أن يصدر قرار إداري تنظيمي بجعله مستشفى مدنيا للطب النفسي سنة 1932.

 

فضالة.. المنتجع المثالي الذي كان

منح الموقع الجغرافي المتميز لبلدة صغيرة اسمها فضالة (المحمدية منذ 1960)، على المحيط الأطلسي بخليجها الرملي الممتد ومينائها الصخري الصغير، أن تكون ميناء للتبادل التجاري نشطا لقرون قبل إنشاء ميناء الدار البيضاء سنة 1915. فكانت بالتالي منفذا تجاريا للقبائل المحيطة بها خاصة قبيلة أولاد زيان، التي حين وضع عليها اليد المعمرون الفرنسيون، سيحولونها إلى منتجع صحي وسياحي من الدرجة الأولى. ورغم ساكنتها القليلة العدد كما يؤكد تقرير لطبيبها الرئيسي الدكتور إدموند صومنيي، التي كانت لا تتجاوز سنة 1915، ما مجموعه ألفين نسمة متجمعة في قصبتها القديمة، فإنه سيتم إنشاء مركز صحي حديث، مجهز تجهيزا جيدا، سنة 1916، لعب دورا محوريا في بداياته لمحاربة أمراض الملاريا والجدري والسل المنتشرة في المناطق القروية الممتدة بين الدار البيضاء والرباط. وتم باكرا، اتخاد القرار لجعلها نوعا من "بلدة استراحة" سياحية للساكنة الأوروبية الجديدة بالدار البيضاء، ابتداء من سنة 1920. حيث تم تخطيط المدينة ليكون 80 بالمئة من مجالها العمراني الجديد عبارة عن فيلات وليس عمارات سكنية. فشكلت بذلك مجالا سكنيا لجزء كبير من رجال المال والأعمال الفرنسيين والأوروبيين بالحي الصناعي الوليد بحي روش نوار وعين السبع بالدار البيضاء منذ الثلاثينات. مثلما شكلت مجال استقطاب سياحي امتد حتى مارسيليا بفرنسا ووهران بالجزائر. مما كانت نتيجته تجهيز مركزها الطبي تجهيزا حديثا، لأن أغلب زبائنه من الأوروبيين، مع جناح خاص بالمغاربة المسلمين واليهود (كان بها إلى حدود سنة 1929، حوالي 350 مواطنا مغربيا يهوديا).

 

أبي الجعد.. الزاوية الدينية والكثافة السكانية

رغم أنها منتمية عمليا لمنطقة تادلة أكثر، فإن بلدة أبي الجعد، بالنسبة للمعمر الفرنسي جزء من مجال الدار البيضاء الممتد (على الأقل طبيا). ميزتها الكبرى أنها كانت رباطا دينيا لواحدة من أهم الزوايا الدينية بالمغرب، الزاوية الشرقاوية لسيدي بوعبيد الشرقي، ما جعلها تجمعا سكنيا مهما تجاوز 12 ألف نسمة سنة 1919. فقررت سلطات الحماية إنشاء مركز طبي جهوي بها باكرا منذ سنة 1918، مع بناء مستوصفات قارة تابعة له بكل من دار ولد زيدوح والفقيه بنصالح، لمجموع ساكنة قروية تقدر ب 75 ألف نسمة. وفي تقرير لطبيبه الرئيسي (سنة 1928) الدكتور أدري لوي بايرون، فإن معدل الاستشارات الطبية به قد بلغت سنويا 132 ألف استشارة طبية، وتم تلقيح 11 ألف مواطن ضد الأمراض الوبائية و8521 تلقيح ضد مرض الزهري، و10512 تلقيحا ضد الجدري، وتم توزيع في سنة واحدة (شكلت رقما قياسيا حينها) هي سنة 1927، ما مجموعه 32 ألف غرام من دواء الكينين. بينما تمت معالجة 360 مريضا بأجنحة ذلك المركز الطبي الجهوي في سنة 1930، أجريت به 48 عملية جراحية.

 

(في الحلقة القادمة: أكبر مركب طبي بالدار البيضاء مدني وعسكري بمرس السلطان سنة 1929 على مساحة 40 هكتارا)