الأحد 27 سبتمبر 2020
فن وثقافة

العسبي: كيف ومتى دخل الطب الحديث إلى المغرب؟ الجديدة وآسفي، الوحيدتان اللتان ولد بهما الطب الحديث مدنيا وليس عسكريا منذ 1911 (ح. 25)

العسبي: كيف ومتى دخل الطب الحديث إلى المغرب؟ الجديدة وآسفي، الوحيدتان اللتان ولد بهما الطب الحديث مدنيا وليس عسكريا منذ 1911 (ح. 25) دة. دولانوي وزوجها رفقة الطاقم الصحي لمستشفى الجديدة سنة 1918 وأول صيدلية بآسفي للدكتور آستوتو سنة 1919 - ولحسن العسبي

نصل اليوم إلى نموذجين من المدن المغربية القديمة، التي ظلت موانئها بابا مفتوحة على العالم، تجاريا وتواصليا وعسكريا، ما جعلها تفوز باكرا بتجارب جنينية للطب الحديث. الأمر يتعلق بمدينتي الجديدة وآسفي، وكلاهما تعتبر عاصمة لسهل فلاحي ومنطقة اجتماعية ذات خصوصية ثقافية وسلوكية وحضارية، هما سهل دكالة وسهل عبدة. بدون العودة إلى قصتهما التاريخية الممتدة في الزمن لقرون عديدة، منذ المغامرة الفينيقية بشمال إفريقيا وبشواطئ المحيط الأطلسي، مرورا بالاحتلال البرتغالي الطويل في الزمن لكليهما، وتركه آثارا عمرانية وأبراجا لا تزال قائمة إلى اليوم (بعضها يعتبر تحفا معمارية فريدة)، ننطلق هنا فقط من قصة التواجد القنصلي الأجنبي بهما منذ القرنين 18 و19.

 

كان ميناء الجديدة رئة مدينة مراكش التجارية بامتياز، بالتوازي مع ميناء الصويرة، لقرون عدة، فكان بالتالي رهانا أوروبيا كبيرا دوما من قبل مصالح دوله الديبلوماسية. مثلما كان ميناء آسفي، بفضل موقعه الجغرافي المتميز جدا، مدخلا لتجارة متميزة لقرون ترتبط بالمجال الفلاحي (خاصة تربية الأغنام والأبقار والخيول). مما كانت نتيجته تواجد قناصلة أوروبيين بالمدينتين، خاصة الإنجليز والإسبان والفرنسيون والهولنديون. وبفضل الظهير السلطاني الذي أصدره السلطان مولاي الحسن الأول الصادر سنة 1892، الذي منح صفة الدولية لـ "مجلس الصحة" الذي تأسس بطنجة، وتبعا لاتفاقيات مؤتمر مدريد لسنة 1880، التي تجيز للأجانب الأوروبيين كراء محال تجارية وسكنية بمختلف المدن المينائية بالمغرب، وحق منح "الحماية القانونية" للعاملين معهم من المغاربة، وكذا كراء أراض فلاحية في محيط تلك المدن. من حينها، أصبح لكل قنصلية أوروبية خدمتها الصحية الخاصة، من خلال استقدام ممرضين أو أطباء من بلدانهم، شكلوا النواة الأولى لميلاد مستوصفات طبية صغيرة تفتح أبوابها في منازل عتيقة بهذه المدينة الشاطئية المينائية أو تلك.

 

ضمن هذا السياق، نجد أنه حين دخلت الحماية إلى المغرب سنة 1912، كانت بمدينتي الجديدة وآسفي، أصلا بنايات طبية أجنبية، يمارس بها أطباء أجانب شكلا جنينيا للطب الحديث، كان مقتصرا في تقديم خدماته العلاجية نعم للأوروبيين فقط، لكنه كان يقدمها أيضا لعائلات المغاربة من المحميين خاصة التجار منهم. مع استحضار معطى اجتماعي آخر جد هام، هو تواجد أعداد كبيرة من المغاربة اليهود بهاتين المدينتين، الذين كانوا في غالبيتهم تجارا (كبارا وصغارا) لهم تقاليد تنظيمية منفتحة اجتماعيا أكثر على التجربة الطبية الأوروبية الحديثة.

 

بالتالي، ليس مستغربا أن نجد أن من أوائل المدن المغربية التي افتتحت بها مصالح طبية حديثة هي مدن الجديدة وآسفي، منذ سنوات 1911 و1912. وأنها مصالح ارتبطت بأطباء فرنسيين صاروا أعلاما محلية عند كامل ساكنة دكالة وعبدة، من قيمة الطبيبة الفرنسية مدام دولانوي بالجديدة، والطبيب الفرنسي الدكتور مير بآسفي. مع تسجيل ملاحظة هامة، هي أن الطب الحديث بهاتين المدينتين ولد طبا مدنيا منذ البداية، وأن مصالح الطب العسكري لم تولد بها سوى سنوات كثيرة بعد ذلك، وبقيت خدمات ذلك الطب العسكري محصورة في المجال العسكري المحض.

 

الجديدة.. قصة الطبيبة مدام دولانوي

لعبت هذه السيدة الفرنسية، التي حلت بمدينة الجديدة في بداية سنة 1913، مرفوقة بخادمتها وطفلها الصغير البالغ سنتين فقط (فيما زوجها الدكتور دولانوي يعمل طبيبا بإحدى الدول الإفريقية قبل التحاقه بها بمدينة الجديدة، ثلاث سنوات بعد ذلك)، دورا محوريا حاسما في تعميم خدمات الطب الحديث بمنطقة دكالة كلها. ليس فقط لحرفيتها المجربة، بل بفضل كونها امرأة، مما سهل عليها التغلغل في الأوساط العائلية بالمدينة والمنطقة، من خلال علاقة الثقة الهائلة والصلبة التي نسجتها مع نساء دكالة، فقيرات وغنيات، مدينيات وبدويات. بل إنها كما تقول هي نفسها في وثيقة حررتها (من 15 صفحة) سنة 1936، قد كانت سلاحا فعالا لتغلغل فرنسا بالمنطقة أفضل من كتيبة عسكرية كاملة، وتأسفت كيف أن بلدها لم يرسل في البدايات الكثير من زميلاتها (طبيبات وممرضات) إلى المدن الصغيرة، وأن العدد القليل الذي جاء منهم في سنوات 1912/ 1917 قد اكتفى بالاستقرار في مدينتي الرباط والدار البيضاء. بينما كما تقول هي: "عملنا الطبي والإنساني هو في البلدات الصغيرة والقرى".

 

كانت البناية التي اشتغلت فيها، عبارة عن منزل مغربي تقليدي صغير بالمدينة القديمة للجديدة، لا تتجاوز سعته 3 غرف ومطبخ وساحة داخلية، كان هو مقر الطبيب الفرنسي المداوم التابع للقنصل الفرنسي بالمدينة. بالتالي، حين تسلمت هي مهمة تسيير تلك العيادة الصغيرة، باشرت تغيير هندستها من خلال فتح نوافذ جديدة على الشارع لخلق تهوية مناسبة وصحية وكذا السماح بتوفير ضوء أكبر بالغرف ودخول أشعة الشمس إليها، مثلما أصرت على مكاتبة الماريشال ليوطي ليرسل إليها ما تحتاجه من تجهيزات طبية جديدة، خاصة تلك المتعلقة بطب النساء وطب الأطفال. ولم تمض شهور قليلة، حتى أصبح معدل من تستقبلهم يوميا على مدى 12 ساعة من العمل الدؤوب، يصل إلى 250 امرأة وطفل، فيما يتكفل طبيب مساعد لها بقاعة الرجال. وكانت تدخلاتها حاسمة في مجال الوقاية الصحية (خاصة مجال النظافة على مستوى طريقة الولادات وعلى مستوى الرضاعة)، مثلما كانت تدخلاتها فعالة في مجال الحروق خاصة بين الأطفال.

 

بقي الأمر على ذلك الحال حتى سنة 1915، حين تقرر بناء مستشفى مدني محلي بمدينة الجديدة، انتهت الأشغال به في سنة 1917، حيث انتقلت الدكتور دولانوي وزوجها إليه، لتترأس جناح أمراض النساء والأطفال. وأصبحت الساكنة تقول عنها "الطبيبة ديالنا"، كناية على مدى الثقة التي حازتها بالمدينة والجهة. كانت هي قد تعلمت الدارجة المغربية، وانخرطت في الحياة الاجتماعية الدكالية، أو كما كتبت هي نفسها "صرت دكالية". كانت رسالتها الأساسية التي رسختها بالمنطقة هي أن الطب خدمة إنسانية في المقام الأول وأنها وجدت للعلاج وتخفيف الآلام عن الناس. وبخصوص الآلام فقد خصصت ثلثي تقريرها لاستعراض عناوينه بالجديدة وسهل دكالة، خاصة على مستوى الأمراض الوبائية، مثل الملاريا والكوليرا والجدري والتيفويد (طالتها هي أيضا عدوى التيفويد سنة 1918، وتجاوزتها بصعوبة). ومنذ التحاق الطبيب باوليتي بإدارة المستشفى المدني للجديدة، وجدت فيه مدام دولانوي وزوجها المسؤول المدرك لحاجيات الساكنة الطبية، بدون تمييز بين الأوروبي والمسلم واليهودي، فشكل فريق عملهما قوة طبية ضاربة ومؤثرة، سمح بإعادة تنظيم شمولية للخريطة الطبية بدكالة كلها، خاصة بعد افتتاح مستوصفات صغيرة بكل من زاوية سيدي اسماعيل (1919) وسوق أحد أولاد فرج (1922) وخميس الزمامرة (1925). حيث تم تعيين طبيب فرنسي شاب هو الدكتور ثيودور آرماني مكلف بتلك المستوصفات القروية وكذا بحمل عتاده الطبي رفقة ممرضين فرنسي ومغربي إلى كل الأسواق الأسبوعية بجهة دكالة. علما أنه قد افتتحت عيادة طبية خاصة (الدكتور ردوريغيز الأب) وصيدلية وحيدة بالجديدة ابتداء من سنة 1913.

 

آسفي.. قصة الدكتور مير

كانت بآسفي عيادة طبية صغيرة تابعة للقنصلية الفرنسية بها منذ سنة 1903، توالى عليها عدد من الأطباء الفرنسيين، قبل أن تشهد تحولا كبيرا مع وصول الطبيب الفرنسي المدني الدكتور مير سنة 1911. كانت البناية تلك متواجدة بالقصبة البرتغالية، في مجال عمراني متهالك وقديم، كما يؤكد في تقرير له الطبيب الرئيسي لمستشفى آسفي الدكتور جون رو سنة 1936. ولعل من أهم ما سجله ذلك التقرير المفصل، وعززه بمعطيات أوسع (من حيث التحليل السوسيولوجي) إشارته إلى تقرير آخر للدكتور موريس دافيد، الذي عمل بآسفي منذ 1919، أكد فيه أن منطقة عبدة بفضل موقعها المتقدم جغرافيا داخل المحيط الأطلسي، قد جعلها تفوز بتيارات هوائية استثنائية من الشمال والجنوب، فأصبحت من المناطق القليلة بالمغرب (إلى جانب مناطق الأطلس الكبير) التي لم تسجل بها جوائح كارثية للأوبئة. بل إن الدكتور دافيد يؤكد بالقول، قائلا: "منذ الزمن الإغريقي كان الليبيون من آسفي يعتبرون ذوي صحة جيدة. والظاهر أن هذه الحقيقة لا تزال قائمة بسهل عبدة. فمنذ عشرين سنة لم تسجل هنا أية جائحة وبائية فتاكة. نعم تسجل حالات مرضية، لكنها لا تختلف عن تلك التي تسجل بفرنسا". معتبرا أن تواجد شرائح اجتماعية أندلسية ويهودية وتواجد تقاليد إدارية قديمة، مكنت من توفر تراكم ملموس في مجال الوقاية الصحية والنظافة وحفظ الصحة، سرى على كامل عبدة.

 

لكن قصة الطب الحديث بآسفي سترتبط بقصة الطبيب الفرنسي الباريسي الدكتور مير. فقد حل هذا الرجل المغرم بالصيدلة وصناعة الأدوية انطلاقا من الأعشاب الطبيعية، بالمغرب سنة 1904، وبعد تجوال في المجال بين الصويرة وأكادير، سيكلف بمسؤولية المستوصف الفرنسي القديم التابع للقنصلية الفرنسية بمدينة الصويرة ما بين 1907 و1910، قبل أن يختار هو الانتقال إلى مدينة آسفي سنة 1911، للعمل بالمستوصف الصغير الفرنسي بالقصبة البرتغالية. ويشاء مكر الصدف أن يصاب في الطريق إليها بعدوى التيفويد حيث اجتاز مرحلة صعبة هددت حياته جديا. ثلاث سنوات بعد ذلك، أي في سنة 1914، سينجح في علاج تاجر من تجار آسفي وملاكها الكبار الذي كان قد يأس من الشفاء بعد شهور من المرض (لم يشر تقرير الدكتور جون رو لاسمه للأسف)، فقال للدكتور مير أن يطلب منه ما يريد وسينفذه له في الحال. فطلب منه قطعة أرضية لبناء مستشفى صغير فوقها، فوافق التاجر المسفيوي في الحال ومنحه قطعة أرضية مساحتها هكتار واحد بوسط آسفي، في موقع جيد. أثناء تحرير عقد الهبة طلب منه العدول اسمه الكامل لتدون الأرض باسمه فقال لهم: "اكتبوها باسم الحكومة الفرنسية وليس باسمي"، فولدت أول بناية حديثة للطب الحديث بآسفي افتتحت أبوابها رسميا سنة 1919، ضمت 3 أجنحة واحد للرجال وآخر للنساء وثالث للأوروبيين، مع قاعة عمليات جراحية مجهزة وصيدلية وقاعة للفحص بالأشعة، وجناح صغير في آخر المؤسسة مخصص للطب العقلي والنفسي. ولقد بلغ معدل الاستشارات الطبية به ما بين سنوات 1919 و1936، ما يقارب 80 ألف استشارة طبية في السنة.

 

ستبرز أسماء طبية أخرى بآسفي بعد الدكتور مير، في مقدمتهم الدكتور كلافيي (الذي افتتح أول عيادة تخصصية للولادة بها سنة 1925)، ثم الدكاترة غالفان، طاكين، ريتشارد، وافتتحت بها صيدلية واحدة سنة 1919 للدكتور آستوتو.

 

(في الحلقة القادمة: ابن حمد، سطات، برشيد، فضالة وأبي الجعد، مؤسسات طبية تخصصية منذ 1915 – 1919)