الخميس 13 أغسطس 2020
فن وثقافة

لعميري: ديوان "عودة آدم" للشاعر عبد الرحيم الخصار: اشتغالات الرمز لبناء عوالم الدلالة (1)

لعميري: ديوان "عودة آدم" للشاعر عبد الرحيم الخصار: اشتغالات الرمز لبناء عوالم الدلالة (1) الناقد عبد الجليل لعميري وغلاف ديوان الشاعر عبد الرحيم الخصار

"عودة آدم" عمل للشاعر المغربي عبد الرحيم الخصار، صدر عن منشورات المتوسط (براءات) في طبعته الأولى 2018 بميلانو/ايطاليا وهو في 72 صفحة من الحجم المتوسط.

يتوزع هذا الديوان على 59 مقطعا شعريا (أوقصيدة قصيرة تتأرجح بين سطرين شعريين وصفحة كاملة). هذه المقاطع/القصائد غير مرقمة ولا معنونة ،كتبت كل منها في صفحة مستقلة بدون أي فاصل بينها،وكأنها موجات متدفقة منسابة،بهدوء أحيانا (سطران) أو بمد ممتد أحيانا أخرى (تتجاوز العشرة أسطر)لا حواجز داخل المقطع/القصيدة ،بل هي تتدفق ولا تنتهي سوى بنقطة في آخر المعنى..وتخفت علامات الترقيم الأخرى.ويعد هذا الديوان الجديد تعزيزا انتاجات الخصار الشعرية التي نذكر منها: انظر واكتفي بالنظر (2007) ونيران صدقة(2009).

1ـ من القصة القصيرة إلى القصة القصيدة

حكاية آدم الشعرية : تفاعل القصة والقصيدة

إن كان للشعر بالنثر علاقة يشوبها بعض الصراع الخفي، منذ القديم، فإن لها آيات تدل على الاتصال الظاهر والواعي. فقد استفاد الشاعر مما تتيحه "النثرية" من إمكانات خصوصا في أنواعه الحكائية (وأهمها القصة القصيرة المتساوقة مع حجم القصيدة). كما استفاد القاص من غنى اللغة الشعرية وفاعليتها في تطوير لغة القصة القصيرة خصوصا (ولعل مثال إدوارد الخراط معلوم بحديثه وتنظيره للقصة القصيدة).

وقد كتبت في باب توظيف القصة في الشعر الكثير من الدراسات ،بعضها تحدث عن القصة في الشعر القديم والحديث (ثروة أباظة مثلا). ولعل الشاعر الحديث/الحداثي قد طور هذه العلاقة، فارتقى بها من مستوى علاقة الصدفة ،إلى علاقة القصد الواعي المسبق. حيث أصبحت تقنيات الحكي أدوات يتوسل بها الشاعر لبناء حبكة مضامينه وصوره الشعرية ،خصوصا أن الوعي النقدي للشاعر الحديث وتنوع ثقافته (الاطلاع الواسع المتاح على التراث والفلسفة والعلوم الإنسانية و التشكيل و السينما) فتح عينيه على انمحاء الحدود بين الأنواع الأدبية.

والشاعر عبد الرحيم الخصار هو من طينة الشاعر الحديث المتشبع بثقافات العصر وخبراته ،لأنه قارئ نهم وجوال من حفدة ابن بطوطة. وليس غريبا عن عالم الحكي، لأن له تجربة سردية ممتعة بعنوان "خريف فرجينيا" تجمع بين روح الرحلة ومتعة اليوميات (2017). كما ننتظر دخوله إلى نادي الرواية حسب تصريح له مؤخرا. كل هذا يبرر وجود روح الحكي في قصيدة/ديوان "عودة ادم".

فما هي أهم وقائع هذه الحكاية؟ وما مدى مساهمتها في شعرية النص؟

وقائع السقوط والحيرة :

اختار الشاعر لحكايته بطلا تفوح منه روائح العتاقة والدين ،باعتبار اسمه "ادم" الدال على رجل مخلوق من تراب أحمر أو صلصال أو أديم الأرض ،أبو البشر ،والوارد ذكره في "الكتب السماوية" المعروفة ..وجعله يقوم بفعل بشري قديم : الرحلة ،باعتبارها حركة في المكان والزمان. هذه االرحلة اتخذت شكل عودة ،وعبر ذلك نتعرف على ما سبق العودة وما لحقها.

من خلال التاريخ الديني الذي يلقي بظلاله خلف حكاية آدم الشعرية ،نعرف أنه خلق أولا وظل موجودا بالجنة مع الملائكة (ص11) وكان أول رجل على الأرض (ص9) ،وحين طالت يده شرك التفاح (ص9) ،نزل إلى الأرض أول مرة ،ليظل فيها محاصرا بالندم إلى أن رحل عنها. وهو ألان ينزل (يعود) إليها مرة ثانية بإرادة الشاعر الذي يقوده إلى أرض عمرت قرونا بعد رحيل الأب الأول .وتأتي باقي الأحداث عبارة عن مشاهد يراها آدم ويحكيها باستعمال ضمير المتكلم (الرؤية المصاحبة) ،لأنه مشارك في أحداث هذه الحكاية ،فهو الذي يعود إلى الأرض وهو الذي يرى ويتذكر .هذه المشاهد تقوم على لحظتين زمنيتين :

أ/ لحظة الماضي: حين يتذكر آدم ماضيه، وماضي البشرية وماضي الأرض ،وهي لحظة يمتزج فيها الألم بالفرح (هذه الأرض/ ربما كانت عقابا ربما كانت غنيمة حرب) ص 17. وتفوح "حسرة وحنينا" ص 11. لكنها لا تخلو من قوة "في عهدي لم تكن تمة/امرأة تمد يدها للعابرين" ص 29. فرغم ندم آدم على نزوله الأول، فهو أرحم من عودته الآن.

ب/ لحظة الحاضر: زمن عودة آدم إلى الأرض بعد عشرات القرون ،وهي لحظة مأساوية تطغى عليها الأزمات، وإن كانت أيضا لا تخلو من لقطات منيرة: يرى آدم مشاهد من الفقر(ص26) والحرب (ص30) وهي مشاهد تجسد عبثية الوجود وبلادة المشاعر (كانت القنابل تسقط/على رؤوس أحفادي/فيما الجالسون حولي يزرعون أبصارهم/في هاتف أو جريدة / يثرثرون…" ص30. ولا يخفي آدم إعجابه ببعض مظاهر التطور في الأرض الجديدة، خصوصا بعض المهارات والتقنيات الحضارية الجديدة..

"المصاعد/القطارات/القنطرة/الطائرة.." ص 34/38. وهذا التعاقب التناوبي بين الحزن والفرح، بين الغضب والدهشة، بين الألم والراحة، ينبت مشاعر ممزقة في آدم (العنف/الحروب/المجاعة/الفقر) ص 40/41. فيدفعه ذلك إلى استنكار ما آلت إليه الحالة البشرية (أي أرض/هذه التي زلت إليها قدماي؟ ص42) متذكرا خذلانه (خذلني التفاح/ ص44). ومتذكرا وضعيته الأولى حين كان مركز الكون الوحيد (كنت رجل السماء الوحيد/ أومئ للضوء فيعدو هضابا ووديانا تلمع/تهب أنفاسها على شجر الخلد فيزهر…ص43).

أما الآن، في زمن العودة ،والنزول الثاني للأرض (بعد خذلان التفاح) فآدم يصبح سيزيفيا مضاعفا (أحس بأطرافي وقد غلت/إلى أحجار ثقيلة) ص 47. وهنا تتولد لغة يصبح معها الجمال مغتربا في هذا العالم: "لا أحد هنا ينتبه إلى القمر" ويتولد الاستنكار كآخر أسلحة آدم "إلى أين تمضي أيها العالم وأنا الأب الأول لكل هذا الأبد؟". وآدم يتورط أكثر في تجواله على وجه الأرض يستعرض تاريخ الأحفاد بلونيه الأبيض والأسود ،الديانات المختلفة ومصائر الشعوب. بهذا الاستعراض عبر تداعي الذكريات يرى آدم وجهه في المرآة، فيرى غربته هو ووجهه ويلجأ إلى الهروب عبر النسيان (الملاح الوحيد الذي سيجدف بنا /هو النسيان ص57). يتخذ حكي آدم الحميم شكل اعترافات (ص59)، يضمنها رغبته في تحسين الوجود "ربما كان أولى ليد السماء/أن تحنو أكثر" ص60. رغبة معلقة في السماء لأن آدم "الطيان السكران/الذي يتشقق الخزف في مواقده/ترتعش يداه وما من حيلة" ص63. فالعجز يطوقه بحزام من التشاؤم (هذا الكوكب/ضربة فرشاة /سيمحوها المطر) ص66. ومصير حفدته هو الاختفاء (ص67) لكن هذا الأفق السوداوي ،الذي رسمه حكي آدم عن مصير حفدته ،سيتكسر بنغمة منشرحة في آخر القصيدة/الديوان: "وفي طريقي التي تنتهي/ستبدأ بعدها طريق/سأخلط الأمل بالماء/وادهن الجدران" ص69.

بهذا يتضح أن الشاعر وفر لحكايته الشعرية كل عناصر الحكي الأساسية: فالأحداث غنية مشحونة بالصراع والدرامية، والسارد/الشخصية /البطل آدم يقوم بفعل سردي هائل تبنى عليه القصيدة/الديوان بالكامل. مع وجود أماكن أساسية ذات أبعاد رمزية متنوعة (مفتوحة/مغلقة/معادية/حميمة) أهمها الأرض كفضاء متنوع يشبه غابة يوري لوتمان التي تحدث داخلها وقائع خطيرة ،وانتقال الإنسان بين حدي "البيت الآمن" و "الغابة الخطيرة" يجسد حركة آدم وسلالته بين الفضائين التي هي جوهر المأساة الإنسانية التي صورها لنا الحصار شعريا. أما الزمن فإنه يحضر بطبيعته السردية الواضحة (المزاوجة بين الاسترجاع والترهين)، فإن قامت رحلة آدم على المشهدية (وجوده كتجسيد لرحلة راهنة) فإنها استحضرت ما قبل تاريخ التفاحة في شكل استرجاعات لإنارة اللاحق بواسطة السابق. وهذا التعالق الزمني شكل لحمة النص وجوهره الدينامي. وعن اللغة الحكائية نقول بوجودها متجسدة في ثلاثية : الوصف،السرد والحوار،في تعالق يضمن التكامل والتفاعل.

الناقد عبد الجليل لعميري

                             الحلقة الثانية والأخيرة غدا