السبت 8 أغسطس 2020
فن وثقافة

العسبي: كيف ومتى دخل الطب الحديث إلى المغرب؟ سلا ومستوصفها اليتيم منذ 1912.. وزان وحظ امتلاك مستشفى كبير منذ 1914 (الحلقة 12)

العسبي: كيف ومتى دخل الطب الحديث إلى المغرب؟ سلا ومستوصفها اليتيم منذ 1912.. وزان وحظ امتلاك مستشفى كبير منذ 1914 (الحلقة 12) خيمة طبية فرنسية سنة 1912 لمواجهة وباء الملاريا (وفي الإطار لحسن العسبي)

شكل قرب بعض المدن المغربية من العاصمة الجديدة للمملكة (الرباط – 1913)، فرصة لتستفيد باكرا من الخدمات الطبية الحديثة، كونها أدمجت ضمن "جهة الرباط الكبرى"، وأيضا لأن بعضها قد ولدت أصلا بقرار من الحماية الفرنسية ومن الإقامة العامة بالرباط، مثل مدينتي القنيطرة (بور ليوطي) وسيدي قاسم (بوتي جان). ولقصة ميلاد كل واحدة منها تفاصيل مختلفة، جد هامة، ليس هنا للأسف المجال للتفصيل فيها، وكل ما نستطيع الإشارة إليه، هو أن ميلادهما معا قد كان لغايات اقتصادية محضة. أولها مدينة سيدي قاسم، التي توجد في تخوم سهل الغرب إلى الشرق، عند أول الهضاب (ما بين 600 و 800 متر عن سطح البحر) المؤدية إلى مرتفعات مكناس والحاجب وإيفران، ضمن مجال قبائل بني حسن الشراردة (التي هي قبائل في غالبيتها من أصول صحراوية من مناطق أولاد دليم بإقليم وادي الذهب، قرب مدينة الداخلة)، وأن التخطيط لخلق مدينة بتلك المرتفعات الصغيرة كان السبب فيه اكتشاف بئرين للغاز وبئر صغيرة للبترول، ذات مردودية متوسطة، دفعت سلطات الحماية إلى إنشاء أول محطة تكرير صغيرة للغاز بها، وشرعت في بناء دور للعمال وأخرى للمهندسين وثالثة للضباط والجنود. مثلما عززت المجال الصناعي بها من خلال خلق معامل صغيرة لتصبير الفواكه، التي شرعت في إنتاجها بكثافة بمنطقة سيدي سليمان وسيدي يحيى الغرب المجاورتين. فشكلت المدينة الجديدة التي أطلق عليها اسم "بوتي جان"، نواة لمدينة عمالية بالمغرب منذ 1917، مثلها مثل مدن جرادة (مناجم الفحم الحجري) وخريبكة (مناجم الفوسفاط) في العشرينات والثلاثينات.

 

بينما اتخذ الماريشال ليوطي قرارا بخلق مدينة جديدة قرب مصب نهر سبو سنة 1913، بعيدا بكلمترات قليلة جدا عن ميناء المهدية القديم والتاريخي، ميزتها الكبرى أنها أول مدينة تقام على ميناء نهري بالمغرب (ولا تزال هي الوحيدة من نوعها في هذا الباب). وكانت غايته من ذلك، كما كتب في مذكراته الصادر سنة 1927، هي خلق نواة ميناء كبير، أراده ثاني ميناء بالمغرب قيمة بعد ميناء الدار البيضاء، وأن يرتبط بكل الإنتاج الفلاحي والصناعي لمنطقة الغرب حتى الحدود مع المنطقة التي تحتلها إسبانيا بشمال المغرب (منطقة عرباوة)، ليقطع بذلك الطريق عن نقل تلك الثروات إلى ميناء طنجة أو العرائش. ولهذا السبب منحها اسمه ولقبت بـ "بور ليوطي" (أي ميناء ليوطي).

 

بالتالي، فإن الرهان على تجهيز كل التجمعات المدينية التابعة لجهة الرباط (للعاصمة)، قد كان رهانا كبيرا وبميزانيات ومشاريع هامة منذ 1913. وهي التجمعات التي تتمثل في مدن سلا، القنيطرة (بور ليوطي)، سيدي قاسم (بوتي جان)، وزان. وكان الرهان هو القضاء بسرعة ونهائيا بكامل الجهة على آثار كل الأوبئة الفتاكة والأمراض المعدية، من قبيل الكوليرا والتيفويد والجدري والملاريا ومرض الزهري الجنسي، الأمر الذي تحقق فعليا ابتداء من سنة 1917.

 

سلا.. الجوار الظالم للرباط

شكل الجوار الذي يجمع تاريخيا بين الرباط وسلا، والتي يفرقهما نهر أبي رقراق، نقمة على مدينة سلا منذ دخول الاستعمار سنة 1912 وتحويل جارتها الرباط (منافستها الرمزية) إلى عاصمة للمغرب. والنقمة آتية من الدور التاريخي الذي كان دوما لمدينة سلا في تاريخ المغرب، خاصة في مجال ما يعرف بـ "الجهاد البحري"، الذي مكنها من أن تراكم دورا سياسيا وتجاريا وثقافيا كبيرا، لقرون، مكنها من التوفر على نخبة وازنة. وليوطي، كان كل ما يخشاه هو النخب المغربية الكلاسيكية التي كانت تشكل عماد البنية الإدارية لدار المخزن وللدولة المغربية منذ قرون. فكان أن انتهجت الإقامة العامة الفرنسية خطة سياسية ماكرة، تتمثل ليس في مواجهة تلك النخب مباشرة، بل في تجفيف أثر أدوراها عبر تهميش مدنها أو تقليم أدوارها التاريخية، ذلك ما فعله ليوطي مع فاس حين أزال لها قوة سلطة العاصمة التاريخية للمغرب، وذلك ما فعله مع مراكش حين أطلق اليد فيها للباشا التهامي الكلاوي (وقبله شقيقه المدني الكلاوي)، وذلك ما فعله مع مدينة سلا.

 

لهذا السبب، فإن القرار كان هو إنشاء المؤسسات الطبية الجديدة والحديثة (مستوصفات ومستشفيات متعددة)، بالعاصمة الرباط، بينما تم الاكتفاء بإنشاء مستوصف مغربي صغير بسلا سنة 1913. وكانت الحجة أن الخدمة الطبية متوفرة لساكنة المدينتين في الرباط بما يكفي. لهذا السبب بقيت سلا فقيرة دوما على مستوى بنيتها الاستشفائية (ربما إلى اليوم، وقصة المستشفى الجديد الذي أغلق بعد افتتاحه لأسباب تقنية تقوم دليلا آخر على ذلك). وأن ذلك المستوصف قد افتتح أصلا في سكنى تقليدية بالمدينة القديمة، قبل أن يتم بناء وحدة طبية في سنة 1918 بزنقة التركي، التي كانت عبارة عن بناية مستطيلة الشكل تضم عددا من الغرف للاستشفاء والتطبيب، بها 20 سريرا، 10 للرجال ومثلها للنساء. وقاعتين للعزل بسريرين، واحدة للذكور والأخرى للإناث. ولا يتجاوز الطاقم الطبي طبيبا فرنسيا واحدا، وممرضة فرنسية واحدة،  وممرضة مغربية واحدة وممرضين مغربيين. وكانت تلك المصلحة الطبية مخصصة لساكنة تراوحت بين 15 ألف نسمة سنة 1915 و28 ألف نسمة سنة 1936، ضمنهم 2500 مواطن مغربي يهودي.

 

وزان.. دار الضمانة التي أفل بريقها

كانت هذه المدينة المغربية العتيقة، واحدة من أهم مدن التصوف والزوايا بالمغرب، ومحطة تجارية استراتيجية بين سهل الغرب ومنطقة الريف شرقا وجبالة غربا. مما مكنها من أن تبلور واحدة من أهم الزوايا الدينية بالمغرب، التي نجحت في خلق إشعاع كبير امتد على كامل الشمال إفريقي، هي "الزاوية الوزانية"، التي ستكتسب دورا سياسيا فاعلا منذ القرن 18، وتعزز ذلك الدور في نهاية القرن 19، حين حازت الحماية الفرنسية (وصنفت ضمن خانة المحميين بالمغرب، ومن هنا جاء لقب "دار الضمانة" الذي التصق بها لعقود إلى اليوم، في المخيال العام للمغاربة).

 

بالتالي، فهي مدينة استراتيجية بالنسبة للإقامة العامة الفرنسية، لدورها الديني (الزوايا) ولأنها القلعة الأكبر المتاخمة لمنطقة النفود الإسباني بالشمال المغربي، وكانت موقعا محوريا من الناحية العسكرية والطبية، أثناء حرب الريف ضد محمد بن عبد الكريم الخطابي. لهذا السبب كان القرار لإنشاء مؤسسة طبية محلية كبيرة بها قد اتخذ باكرا، منذ سنة 1914، الذي سيجد ترجمته في بناء وتوسيع (خلال 3 سنوات) مستشفى خاص بالمواطنين المغاربة، مجهز بـ 50 سريرا طبيا لفائدة ساكنة كانت في حدود 9 آلاف نسمة سنة 1915، وانتقلت إلى 15 ألف نسمة في إحصاء 1936. وهو المستشفى الذي بقيت نسب الاستشارات الطبية تزداد فيه سنة بعد أخرى، حتى بلغت سنة 1936، ما مجموعه 48 ألف و406 استشارة طبية. ومما تؤكده وثيقة طبية محررة سنة 1937، من قبل الدكتور شوبي، الذي كان الطبيب الرئيسي للمدينة، فإن الآلية التنظيمية قد كانت طبيا مزدوجة، واحدة مقيمة (هي الفريق الطبي لمستشفى وزان للأهالي) والأخرى متنقلة بين الأسواق الأسبوعية المحيطة بالمجال الجغرافي لوزان، سمح بالقضاء خلال 3 سنوات على كل الأمراض المعدية، خاصة مرض "الأميبيا" الذي يصب الأمعاء وهو مرض قاتل مع الوقت إذا لم يعالج، ولقد كان متفشيا كثيرا بالمنطقة (يكاد أن يكون هذا المرض محصورا حينها بمنطقة وزان بالمغرب كله). وكان الطبيب الرئيسي لتلك القوافل الطبية القروية هو الدكتور ميراك (طبيب عسكري)، الذي لعب دورا محوريا في رسم خريطة مدققة لأنواع الأمراض المتفشية بمحيط المدينة، كان في مقدمتها الملاريا والزهري والتيفويد.

 

على أن ما يجب تسجيله، هو المستوى العالي للآليات الطبية العصرية والحديثة التي خصصت لمستشفى مدينة وزان المدني، المتمثلة في قسم للراديو الإشعاعي (وكان ذلك  أمرا نادرا في مدينة مغربية صغيرة مماثلة)، وفي قسم للجراحة متوفر على كل شروط التعقيم الحديثة، وعلى مختبر للتحاليل الباكترولوجية جد فعال ومتقدم، منذ العشرينات من القرن الماضي.

 

أكثر من ذلك، سيتم إنشاء محطات طبية قارة ومجهزة بمحيط وزان، ما بين سنوات 1924 و1927، بكل من بلدة زومي، وبلدة غفساي ومنطقة الرطبة. فهي جميعها بلدات قروية صغيرة، وقعت تحت الاحتلال العسكري الفرنسي بالقوة ابتداء من سنة 1924، ونهائيا في سنة 1926، حيث تم بناء مستوصف عسكري مجهز (مفتوح أيضا أمام المدنيين) بغفساي، ستتم توسعته كل سنة، حتى أصبح يضم بنايات بها 18 سريرا طبيا، ومختبرا للتحاليل، وصيدلية، وقاعة عمليات جراحية صغيرة، لساكنة قروية في غالبيتها العظمى. مثلما تم تجهيزه بمرحاض عصري ودوش للاستحمام بماء ساخن، كما يؤكد تقرير للطبيب العسكري الفرنسي الدكتور جوبير، الذي كان هو الطبيب الرئيسي بغفساي سنوات 1926 و1936. وأن تلك المؤسسة الطبية قد كانت تزود ثلاث مستوصفات صحية جديدة بما يلزمها من احتياجات ومساعدات طبية عاجلة، هي مستوصفات "أوتزاغ" التابع لقبائل ورغة، و"تافرانت" التابع لقبائل بوبان وبني ورياغل (السفح)، و"الرطبة" على الحدود مباشرة مع منطقة الحماية الإسبانية بالشمال المغربي. ويشرف عليها جميعها طبيبان هما الدكتور جوبير والدكتور آرنو، يساعدهما 7 ممرضين، أنجزوا مثلا إلى حدود سنة 1929 ما مجموعه 150 ألف استشارة طبية، بمعدل 30 ألف في السنة. و113 ألف تلقيح ضد مرض الزهري لوحده، و10 آلاف تلقيح ضد الجدري والتيفويد. بينما يؤكد ذات التقرير الرسمي أن الطبيب الرئيسي لغفساي قد قطع في سبع سنوات 60 ألف كلمتر ضمن مهامه الطبية بالمنطقة بمستوصفاتها الثلاث، في الفترة ما بين 1920 و1927.

 

(في الحلقة القادمة تقرؤون: "سيدي قاسم (بوتي جان) والقنيطرة (بور ليوطي) وحظ الفوز بمستشفيات حديثة منذ 1913")