الاثنين 10 أغسطس 2020
كتاب الرأي

عبد القادر فلالي: المغرب والصبر التاريخي مع الجزائر

عبد القادر فلالي: المغرب والصبر التاريخي مع الجزائر عبد القادر فلالي

إن سلوكيات الحكومة الجزائرية يمكن التنبؤ بها. والقدرة على التنبؤ تندرج في باب قانون الطبيعة والتنبؤ بقرارات الدول حتى قبل حدوثها يثبت بالملموس مدى الضعف المحتمل لتلك الدول. في الجزائر، يواصل الجيش السيطرة وإملاء وتحنيط السلطة. يتعين على الرئيس الحالي أو أي مرشح في المستقبل أن يؤدي مهمته بموجب عقيدة المجلس العسكري التي من بينها رفض العديد من القيم التاريخية والجغرافية التي قبلتها الجزائر -على الأقل من حيث المبدأ- إبان دعم المغرب استقلال الجزائر.

 

نهج المغرب تجاه الزوبعات القادمة من الجزائر مقاربة يمكن وصفها بالصبر التاريخي. في صميم الصبر التاريخي ينبثق الاعتقاد بأن التاريخ المشترك والعلاقات الأخوية، على الرغم من أنها أقل من المثالية، أفضل من العديد من العواقب المحتملة حينما تُفضي بعض القرارات إلى سياسة الخنادق. أثبتت الأيام أن فرضية هذه المقاربة غير مُجدية أثناء التعامل مع بلد مثل الجزائر. ما نراه يأتي من الجزائر ليس تعبيرا عن صدق أخوة لأخوة وروح جيران أصيلة، بل بالأحرى وضع يزداد سوءًا بوتيرة مضاعفة. عاجلاً وليس آجلاً، أدت هذه الوتيرة إلى قيام الجزائر منذ سبعينيات القرن الماضي، وهي دولة حامية، ممولة لمليشيا، ومحتجزة للصحراويين المغاربة في بلدة جزائرية تسمى تندوف لغرض وحيد: زعزعة استقرار المغرب.

 

يبدو أن المغرب قد حاول جرعات من كل شيء جيد وأصيل تحت أشعة الشمس لمواجهة خطر العلل القادمة من الجزائر. ولكن خلال أزيد من أربعة عقود، لم تظهر بوادر الحس المشترك. لن تكون هناك صيغة سحرية تُثني الجزائر لتغيير سلوكياتها طالما أن الجيش في السلطة أو ما سميناه بنظام الثكنة. يجب أن يتكون خيارنا الأفضل للمستقبل من مجموعة من الأدوات التي استخدمناها بالفعل ضد عناد الجزائر. وجاءت الخطوة بنهج مغربي قوي من خلال فتح تمثيل دبلوماسي في الأقاليم الجنوبية.

 

إن إعادة توجيه البوصلة الدبلوماسية المغربية نحو القارة الإفريقية قرار عملي واستراتيجي، كان من نتائجه فتح قنصليات دبلوماسية في المدن الجنوبية. رُسمت حدود المياه الإقليمية وحُددت المنطقة الخالصة على مسافة 200 ميل بحري من السواحل المغربية، وهي مشروعات تاريخية تنطوي على سيادة كاملة على المجال البحري، والتي يمكن أن تؤكد بشكل واقعي أن السلامة الإقليمية والسيادة تمت تسويتها بالقانون الدولي البحري. إن يقين فتح التمثيل الدبلوماسي هو نتيجة مصداقية مقترح الحكم الذاتي الذي قدمه المغرب كحل مناسب لصراع "ملفق" واكبته إنجازات تنموية وخطط مستقبلية في المدن الجنوبية للمملكة.

 

الجزائر: نظام الثكنة

قال الشاعر أبو الطيب المتنبي: "وَإِذا أَتَتكَ مَذَمَّتي مِن ناقِصٍ فَهِيَ الشَهادَةُ لي بِأَنِّيَ كامِل". علمتنا الحياة أن الشجرة المثمرة فقط هي التي يتم قدفها بالأحجار. لو لم تكن مثمرة؛ لما التفت إليها أحد، ولما رميت بالحجارة للظفر بما تحمله من ثمار. والأهم من هذا كله؛ أننا عرفنا مدى قدرتنا على المواجهة والفهم والتصدي.

فالأمة التي هي في حالة حرب مع نفسها ومع أبنائها تعمل بشكل غير عقلاني ولا يمكن أن تدعي لحكمة، والتحلي بالصبر بالنسبة لها من الرفاهيات التي لا تستطيع تملكه. فالصبر فضيلة من خصال العقلاء. الكثير من الإهانات والقدح والشتائم؛ تنهال على المغرب. يأتي معظمها من جار شقيق آزرهم المغرب منذ فترة طويلة في الحصول على استقلالهم.

 

عبد المجيد تبون، منذ تنصيبه قبل أقل من خمسة أشهر، أظهر عداءً نادرًا تجاه المغرب من خلال ما لا يقل عن اثنتي عشرة إعلانًا استهدف المملكة. في يوم إعلانه الفائز في الانتخابات الرئاسية الجزائرية، في 12 ديسمبر، هاجم وحدة الأراضي: "أؤكد بوضوح أن الصحراء هي مسألة إنهاء الاستعمار وهي في أيدي الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي".

 

وبعد ذلك بيومين، قال في قمة عدم الانحياز الافتراضية إن على مجلس الأمن أن يخرج بقرار ينهي الأعمال العدائية في جميع أنحاء العالم، بهدف وحيد هو اقتباس الصحراء المغربية. كيف يمكن أن نتسامح ونغض الطرف عن الإهانات المتكررة التي تمس رموز الأمة المغربية؟ كيف يمكن للتصريحات الشرسة والعدوانية التي أدلى بها الجنرال الجزائري سعيد شنكريحة في حدث عسكري رفيع المستوى تم ترتيبه في إطار أنشطة الدولة لمهاجمة المغرب بشكل رئيسي.

 

لأكثر من أربعة عقود، كان للدبلوماسية الجزائرية، التي تم تخصيص موارد مالية هائلة لها، الدور الأساسي في تنفيذ حملات عدائية وخيالية كاذبة ضد المغرب. نتذكر أنه، في 20 أكتوبر 2017، أعلن وزير الخارجية السابق، عبد القادر مساهل، في منتدى لرواد الأعمال الجزائريين قوله: "المغرب يغسل، عبر مصارفه، أموال "الحشيش" و "الخطوط الملكية المغربية تنقل شيئًا بخلاف الركاب".

 

سياسة الثكنة: تأصيل مفهوم العداوة

ليس عليك أن تكون محللا أو دارسا متعمقا لكي تغوص في أبجديات البحث من أجل أن تخلص إلى كون مفهوم العداوة ساكن في دواليب نظام الثكنة الجزائري، ما عليك فعله إلا أن تشاهد ولو للحظات خطابات الرئيس الجزائري السابق الهواري بومدين لتستشف كثافة عدائيته ونفثه لسموم البغضاء في كل جملة وكل عبارة. فأصبح عداء المغرب عقيدة متأصلة داخل نظام الثكنة الجزائري الذي جعل منه صكوك غفران وقسم عداء لكل من يريد ولوج قصر المرادية.

 

بحسب "ماريان ليفين وثيودور ماير" صحفيان يغطيان المجموعات الضاغطة في الولايات المتحدة، استأجرت الجزائر "ديفيد كين" رئيسًا سابقًا للرابطة الوطنية للبنادق NRA للضغط من أجل ميليشيا البوليساريو ضد المغرب بمبلغ شهري يزيد عن ثلاثين ألف دولار شهريًا، وهو ما يعني ثلاثمائة وستون ألف دولار سنويًا، وثلاثة ملايين وستمائة ألف دولار خلال عشر سنوات. هذا فقط من أجل مكتب بسيط تدفع الجزائر له أموال الشعب الجزائري في واشنطن وحدها، تليها مؤسسة كينيدي الابنة التي تكلف الجزائر وحدها عبئا ثقيلا، دون الحديث عن المجموعات الموازية في أروقة الأمم المتحدة وعبث وسطاء الأزمات في العالم في أمريكا اللاتينية والاتحاد الأوروبي، وكذلك تسليح مليشيات البوليساريو حيث تتجاوز الميزانية الإجمالية المخصصة لمضايقة المغرب سنويا 200 مليون دولار أمريكي. ثم تأتي خرجات المسؤولين الجزائريين مدعين أنهم ليسوا طرفا في الصراع. وهذا الإضمار تشخيص حقيقي لمفهوم العداء الدفين.

 

بالإضافة إلى جيش الدبلوماسيين، فإن كتيبة من الصحفيين من وكالة الأنباء الجزائرية (APS) لم تتوقف عن تأجيج خطاب الكراهية تجاه المغرب، مستخدمة التضليل والدعاية المقتبسة من قاموس الحرب الباردة. موضوعهم المفضل في قسم الأخبار الدولية ليس سوى الصحراء المغربية. للحصول على فكرة عن هذا الحشد غير الصحي، تشير الإحصائيات لشهر أبريل وحده، وهي فترة بامتياز من الحجر الكلي، إلى أن 60 إرسالية APS، أو بمعدل إرسالين في اليوم، تم تخصيصها لمهاجمة المغرب فقط.

 

في مقال سابق لنا بعنوان "تحنيط السلطة في الجزائر"، جادلنا باستمرار الدور السياسي للجيش الجزائري في صنع السياسات في البلاد وبما يتفق مع رؤية المجلس العسكري منذ عام 1962 حتى يومنا هذا. لقد أطلقنا على هذه العملية الطويلة لتوطيد السلطة مع المؤسسات الضعيفة تحنيط السلطة في الجزائر، والتي من خلالها مناورة الحفاظ على الهيئة العسكرية كقاعدة وحيدة في البلاد وتوريث مداخل ثروات ووظائف الشركة الجزائرية للمحروقات بين أحفاد الثكنات. ليس في مصلحة عقلية الثكنات فتح صفحات الأخوة والحدود بين البلدين. فقد دعا الملك محمد السادس في خطابه بمناسبة الذكرى 43 للمسيرة الخضراء الجزائر إلى إعادة فتح الحدود المغلقة بين البلدين منذ 1994 واقترح إنشاء آلية سياسية مشتركة للحوار والتشاور. وأكد انفتاح بلاده على المقترحات والمبادرات التي قدمتها الجزائر من أجل تجاوز الجمود في علاقاتهما.

 

عبد الرحمان اليوسفي رئيس وزراء المغرب السابق والشخصية التاريخية التي نشأت في اليسار ورافقت فترة التناوب بنجاح في التسعينات يقول: "استقبلت بفرح كبير ورضا كبير ما ورد في خطاب جلالة الملك جلالة الملك بمناسبة الذكرى 43 للمسيرة الخضراء "، وقال إن الدعوة إلى تهيئة جميع الظروف الإيجابية لتحقيق المصالحة التاريخية مع إخواننا الجزائريين ، بروح بناءة تتوافق بين قيادة البلدين ، وأن جميع الملفات مفتوحة للتداول، وأن دولنا وقادتها لا تحتاج إلى أي وساطة للحصول على الشجاعة لإيجاد حلول لجميع المشاكل العالقة بينهما.

 

وخلافا لحماس عبد الرحمان اليوسفي، قال الوزير الجزائري السابق محيي الدين عميمور إن رفض الجزائر الاستجابة لدعوة المغرب للحوار كان "ردا مهذبا" بسبب عدم اليقين بشأن الخطوة، لأن الثقة بين البلدين كانت مفقودة منذ عام 1963 يقول السياسي الجزائري في تحليله لخطوة للملك محمد السادس "للوهلة الأولى بدا خطاب العاهل المغربي محملا بحسن نية، لكن القراءة الواعية تؤكد الخداع الواضح".

 

إن هاذين التصريحين للقادة السياسيين تلزماننا الوقوف أمام حقيقة واحدة وهي من جهة أن الجزائر في السر مقتنعة بالنوايا الحسنة للمغرب، لكن مذهبهم العسكري ونظام ثكنتهم لا يسمح بإجراء عملية المصالحة هذه وفتح حوارات ثنائية حقيقية.

 

الجزائر كانت هي الدولة العربية الوحيدة التي انتقدت حق المغرب في جزر ليلى. وما زالت الدبلوماسية الجزائرية تدفع في أوروبا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية وواشنطن بسخاء وتستنزف أموال الشعب الجزائري الذي يئن اليوم ويطالب بتنمية وحقوق ومؤسسات مدنية. وعلى الرغم من كل هذا، لا يزال المغرب صبورًا وسليمًا.

 

تحركت مصر دولة وشعبا في مباراة كرة قدم ضد الجزائر لمهاجمة تاريخ الجزائر وقامت بالسخرية والتشكيك في عدد ضحاياها خلال الاستعمار الفرنسي. حيث شككت مصر حتى في مقاومة الجزائر ونشيدهم الوطني وأحرقت علمهم.

 

كيف سيكون رد فعل الجزائر إذا قام المغرب بإيواء أهالي تيزي وزو في وجدة وأنشأ معسكرا بالقرب من سيدي يحيى على بعد كيلومترات قليلة من الجزائر وقام بتوفير الدعم لهم وحثهم بشكل شيطاني على مطالبة الجزائر بالاستقلال، ثم أعطاهم جوازات سفر مغربية وسفارات في الخارج تستقبلهم وتدعمهم في تحركاتهم؟! أنا متأكد من أن المغاربة سوف يشعرون بالخجل من أنفسهم ولا يرفعون رؤوسهم أبداً بل ينزلون إلى الشوارع والأزقة مُدينين بهكذا ممارسات.

 

سلوك "الجزائر" منذ عهد المرابطين 1086

عندما عبر يوسف ابن تاشفين إلى الأندلس في عام 1086 للقتال ضد أمير قشتالة ألفونسو السادس في معركة الزلاقة، كان بنو حماد الذين كانوا يحكمون ما كان يعرف (بنصف الجزائر اليوم) منذ أن كانت تلمسان جزءًا من أراض مغربية، يخلقون مشاكل من خلال التحارب مع قبيلة بني هلال لتقسيم الجزء الشرقي من المغرب. وأدى ذلك بالأمير يوسف بن تاشفين إلى العودة إلى المغرب فور فوزه في معركة الزلاقة. تجنب دخول الحرب مع بني حماد وبحكمة، بعث يوسف بن تاشفين رسالة إلى أمير بني حماد، متهما إياه بخلق واستخدام قبائل أخرى ضده لغزو أراضيه في الوقت الذي يجب أن يتحدوا لمواجهة القشتاليين في الأندلس (ابن خلدون 1385، ابن العلل أثير، 1231 وعلي بن موسى 1955). بعد عشر سنوات، حاول بنو حماد الدخول من جهة الشرق، فأمر الأمير يوسف بن تاشفين جيوشه بالتراجع، ومد يده وتصالح معهم مرة أخرى واسترضاهم بعزل حاكم تلمسان وإلحاق آخر جديد (ابن الأثير، 1231). تماما كما يمد الملك محمد السادس اليوم أياديه البيضاء من أجل تضميد الجراح وبناء تنمية مغاربية حقيقية.

 

واليوم، في مواجهة هذا الوضع الذي لا يرتقي إلى مستوى التاريخ والقيم المشتركة بين البلدين الجارين والشعبين الشقيقين؛ إن أفضل ما يمكن أن يقدمه النظام الجزائري لشعبه والمنطقة المغاربية بأسرها في هذه الظروف الصعبة والمعقدة بشكل متزايد، هو الجلوس حول طاولة المفاوضات مع المغرب لطي جميع الخلافات المصطنعة والمخترعة، والحد من التصريحات التي لا تخدم المستقبل، وقطع الطريق عن الذين يصبون الزيت على النار، من أجل التوفيق وفتح صفحة جديدة في علاقات البلدين قائمة على الثقة والصدق. أفضل مثال على ذلك فرنسا وألمانيا. هذين البلدين أصبحا أكبر وأقوى حلفاء في الاتحاد الأوروبي، بعد عدة عقود من التاريخ العدائي لانهما فكرا في الجغرافيا وتناسوا التاريخ.

 

- عبد القادر فلالي، أستاذ العلوم السياسية في جامعة أوتاوا