الثلاثاء 19 يناير 2021
خارج الحدود

سيد قطب.. قديس «الإخوان» وملهم «القاعدة» و«داعش» والجماعات الإرهابية..

سيد قطب.. قديس «الإخوان» وملهم «القاعدة» و«داعش» والجماعات الإرهابية.. سيد قطب

يحسبه أتباعه هو الامتداد المتطور للفكر الإخواني منذ برزت نواته الأولى في أواخر عشرنيات القرن الماضي، وهو الملهم النظري الأول، والقديس الشهيد الذي عمد سلوكه بالوقوف شامخا أمام منصة الإعدام في زمن الرئيس جمال عبد الناصر، ويراه خصومه أكبر من شيطن الدعوة الإسلامية، وبث فيها روح التكفير وغذاها بالآثار العميقة للتطرف. ومن ثم شكل صورة منظر مفهوم العنف الممنهج الذي سارت على هديه كل الجماعات الإسلامية التي تلت الإخوان المسلمين، بدءا من جماعة التكفير والهجرة التي أسسها تلميذه في السجن شكري مصطفى، ثم جماعة الجهاد والجماعة الإسلامية، وانتهاء بتنظيم القاعدة و"داعش".

 

مصادفات الزمن جعلت سيد قطب يرى النور في نفس السنة (1906) التي ولد فيها حسن البنا (مؤسس جماعة الإخوان المسلمين ومرشدهم الأول). لكنها ذلك لا يعني أنهما سارا على نفس منوال النشأة والتكوين. فإذا كان البنا قد تربى في وسط  حنبلي صوفي من جهة الأب والوسط الاجتماعي، فإن قطب قد نشأ في بيئة مخالفة تماما. ذلك أن أباه كان عضوا في الحزب الوطني ذي النزوع الليبرالي. وانطلاقا من ذلك شق سيد قطب حياة متقلبة يميز فيها المؤرخون بين ثلاث مراحل أساسية:

 

- الأولى، تميز فيها قطب بانتهاج حياة منفتحة اتخذت في البداية لبوسا رومانسيا ترجمه عشقه وممارسته للأدب والنقد. وفي هذا الإطار حاول في مقتبل عمره الأدبي أن يحاكي كبار أدباء زمانه: طه حسين والعقاد أساسا. أما الأول  فقد أهداه قطب كتابه الأول «طفل من القرية» المنسوج كسيرة ذاتية على شاكلة كتاب «الأيام». وأما الثاني فقد دخل معه قطب في حوار نقدي تكاملي في مواجهة محمد صادق الرافعي الذي كان يعتبر آنذاك ممثلا للاتجاه الإسلامي في الأدب والفكر، والاثنان معا كانا منخرطين في حزب الوفد ذي التوجهات الليبرالية. وفي نفس السياق الأدبي والنقدي يسجل لقطب فضل تقديم نجيب محفوظ لأول مرة للقراء المصريين عبر الثناء على إبداعه، والإشادة بطاقاته وموهبته الأدبية. في هذه المرحلة كان قطب يحب النساء ككل أبناء جيله، ويعشق الحياة. وكذلك استمرت حياته إلى أن قرر التوجه إلى الولايات المتحدة الأمريكية، والإقامة فيها من سنة 1948 إلى سنة 1950 وذلك لاستكمال خبرته في مجال التربية والتعليم، اختصاصه الأول بعد تخرجه من كلية دار العلوم.

 

ـ المرحلة الثانية، تشكلت في أمريكا بشكل واضح، حيث يسميها مؤرخوه بالمرحلة الاجتماعية، وقد دشنها إثر اطلاعه على الفكر الاجتماعي الغربي، وعلى التراث الماركسي تحديدا، وإحساسه بحجم التناقضات داخل المجتمع الرأسمالي الغربي. ويعتبر كتابه «العدالة الاجتماعية في الإسلام» العلامة الفاصلة في هذه المرحلة وترجمانها الرئيسي. نفس المؤرخين يرون بأن قراءة قطب للإسلام لم تكن ذات نزوع دعوي أو مذهبي محصور بطابع حلقي. ففي تلك الفترة لم يكن قد انضم إلى الإخوان، أو إلى أية جماعة إسلامية مغلقة، لكن كتاباته آنذاك كانت تركز على ضرورة إقرار العدالة الإسلامية بما هي قائمة على ثلاث ركائز أساسية هي الحرية والمساواة والتكافل. ومع ذلك ففي ذلك الكتاب برزت أولى مفاهيمه التي ستشكل عصب المرحلة الثالثة في حياته، ويتعلق  الأمر بمفاهيم الاستعباد والجاهلية والحاكمية...

 

ـ المرحلة الثالثة، فتبتدئ سنة 1953 حين التحق رسميا بجماعة الإخوان المسلمين كما يروي قطب نفسه في مقدمة كتابه «لماذا أعدموني» الذي ألفه سنة قبل إعدامه سنة 1966. وهنا نشير إلى أن قطب، وقبل أن ينضم إلى الإخوان، كان على صلات وثيقة بثورة الضباط الأحرار، وأنه عمل مستشارا في إدارة عبد الناصر. لكنه سرعان ما انقلب عليهم ليدخل جبة الإخوان، بل ليصبح مفكرهم الرسمي، وعضو مكتب الإرشاد (السلطة المرجعية العليا للجماعة)، ورئيس تحرير مجلتهم المركزية «الإخوان المسلمون». وخلال هذه المرحلة حرر كتابه الأساسي «معالم في الطريق»، وهنا تبدأ صداماته المتكررة مع نظام عبد الناصر.

 

كان الاعتقال الأول سنة 1954 ضمن آلاف الإخوان الذين اعتقلتهم السلطات إثر محاولة اغتيال جمال عبد الناصر بمدينة الإسكندرية، وقد صدر في حقه حكم بـ 15 سنة سجنا، وبعدها تمتع بالعفو سنة 1964 نتيجة ظروفه الصحية. وكان الاعتقال الثاني سنة 1965 بتهمة التآمر لقلب نظام الدولة، وحيازة الأسلحة وتأسيس نظام سري مسلح. ويشار هنا إلى أن هذا المنحى كان قد اعتبر من طرف مكتب الإرشاد لدى الإخوان مبادرة شخصية من قطب لا من القيادة، مما دفع بالمرشد العام آنذاك حسن الهضيبي إلى أن يتبرأ من ذلك الخط التكفيري المتطرف، مصدرا كتابا بعنوان «دعاة لا قضاة». وكما لو أن التاريخ الإخواني يعيد نفسه هنا، ذلك أن العنوان السالف يذكر بتصريح حسن البنا «لا هم إخوان ولا هم مسلمون»، تعليقا على قتلة محمود النقراشي رئيس الوزراء المصري  المنتسبين للإخوان، والذين تبرأ منهم البنا.

 

في  سنة 1966، نفذ حكم الإعدام في سيد قطب، الذي يروى عنه أنه طلب منه في اللحظات الأخيرة قبل إجراءات التنفيذ أن يعتذر مقابل العفو لكنه أجاب محاوريه "لن أعتذر عن العمل مع الله".