السبت 8 أغسطس 2020
كتاب الرأي

عبد الرحيم بوعيدا: الصنف النافع والصنف غير النافع في زمن كورونا 

عبد الرحيم بوعيدا: الصنف النافع والصنف غير النافع في زمن كورونا  عبد الرحيم بوعيدا
..ذكرني البلاغ المشترك لوزارتي الداخلية والصحة الخاص بتقسيم مناطق المغرب إلى منطقة رقم 1 ومنطقة رقم 2 بحكاية المغرب النافع وغير النافع، لكن الوباء في هذا التقسيم لم يحترم هذه التراتبية المجالية وقلب المعادلة ليحول المدن التي تشكل أقطابا تنموية كبيرة في مثلث معروف إلى مناطق تحمل رقم 2 وهو رقم يشكل في عرف الأندية الرياضية بمجموعة "القسم الثاني" معنى ذلك أننا مطالبون باللعب الجيد والمراوغات واللياقة البدنية العالية واحترام خطة المدرب وتعليماته اذا ما أردنا الصعود للقسم الأول..
كورونا أعادت تشكيل الخرائط الجغرافية وأدخل مدنا من الشرق مع مدن من الجنوب والشمال، لقد مارس تقسيمه دون مراعاة لقواعد اللعبة، وحدهم الصغار من تفوقو في هذا الترتيب.. لقد تفوقت طاطا على طنجة وبوعرفة على مراكش وطانطان على فاس، فأي عدل أكثر من هذا في زمن كورونا الجديد..؟ 
تمنيت وأنا أقرأ تصنيفات المدن في سلم كورونا بعد أن أتعبنا البحث كتلاميذ تخلى عنهم المدرس عن الفرق بين حالة الطواريء الصحية والحجر الصحي وبعد أن تركت الحكومة المواطنين يضيفون ويحذفون الشهور و الأسابيع، تمنيت لو تم إعتماد هذا التصنيف في قياس معدلات التنمية في المدن والجهات وفق مراقبة سنوية صارمة تراقب وتحاسب وتصنف المسؤولين الترابيين والمنتخبين حسب عطاءهم ومردوديتهم وتكون لدينا الجهة النموذج أو الإقليم القدوة ويحاسب كل من لم تسجل جهته أو اقليمه أي معدل في سلم التنمية..
أدرك أن في الأمر رجما بالغيب وحلم وردي في دولة غير وردية لكن ماذا نملك سوى أن نحلم.. ؟!
لست محظوظا لأني أسكن مدينة مراكش، مدينة صنفت دائما الأولى على على عرش السياحة لكنها خذلتنا في ترتيب كورونا الجديد واحتلت الترتيب رقم 2 مما يعني أننا مواطنون من الدرجة الثانية سنحرم من إمتيازات الكبار وليس هناك ما يؤرقني أكثر من حلاقة شعر رأسي أو ممارسة تفاصيل صغيرة تبدو الآن مع هذا الترتيب مستحيلة..
مع ترتيب الوزارتين لم تعد الدار البيضاء مثيرة ورائعة إنها مخيفة الآن وصادمة ومفترسة كانت تتمدد فقط على حساب هشاشة سكانية وفقر مذقع وهجرات متتالية من قرى وبوادي أضحت أحزمة ناسفة لكل أمان إجتماعي في المستقبل..
مراكش الحمراء المدينة الساحرة التي ما سكنتني مدينة مثلها في العالم خذلتني طوال عشرين سنة من العمر ما كنت أرى فيها إلا الوجه الذي أحب أن أراه.. كم أشعر الآن بالذنب وأنا أكتشف مع هذا الوباء وجها آخر لمدينة غير تلك التي في القلب مسكنها، اكتشفت أن وجها آخر يختفي خلف شهرة مدينة كاذبة كشف كورونا بعضا من مساحيقها المزيفة، 
مراكش ليست حي النخيل أو ليفرناج أو شارع محمد السادس انها صورة أخرى لوجه أخر متخفي في درب الظلام ودرب كناوة وبريما.. إنها أسماء بؤس لمدينة سميت تاريخيا بالبهجة ماكنت لاعرفها وأنا الساكن والمسكون أكثر من عشرين سنة..
طنجة عروس الشمال ماعادت عروسة إنها إمرأة عجوز تجتر تاريخا طويلا وموقعا ينام بين أحضان البحر المتوسط ومع ذلك لم تستطع التخلص من اسمنت غسيل أموال ماجلب تنمية وما أسكن من لاسكن له..
فاس العلمية التي هجرها العلم منذ أن سلمت نفسها لأشباه السياسين تحولت لعاصمة الإجرام بلا منازع بعد أن كانت حضارتها تختزل تاريخ دولة بأكملها..
الرباط عاصمة المملكة التي اجتمع فيها علية القوم وحازت كل الوزارات والمؤسسات والسفارات وكأنها وحدها من تستحق أن تكون كذلك هي الأخرى تلعب معنا في القسم الثاني دون أن تشفع لها الحكومة ولا البرلمان ولا كل المؤسسات التي راكمتها حد التخمة وكأن الوباء يريد لها إن تشرح لنا أشياء عصية على الفهم هي وحدها من يملك الجواب عنها ولأنها هي الرباط المركز وغيرها الحواشي..
أما تلك المدن الصغيرة التي رماها حظها معنا في رقم2 فهي تدرك جيدا أنها لم تلعب يوما في البطولة لذا فقد تعودت إن لاتكون الأولى..
في مدن الترتيب الأول نقول لاشك أن الغرور قاتل وأن كورونا يدرك جيدا من مقامه بيننا أن لاشيء يغريه بالبقاء لأن الوباء وُزع حسب توزيع الثروة نفسها لذا أدرك جيدا أن لا صحة ولاتعليم ولاتنمية ليبقى هناك، وكم يتمنى أن تلتقطوا الإشارة وتصعدون فعلا للرقم 1 في مجالات مختلفة ينخرها الفساد وأنتم صامتون..
ختاما.. في الترتيب أكثر من إشارة ودلالة لمن يجيد قراءة الأرقام ، معه اكتشفنا أن لا وجود في الدولة إلا الدولة نفسها المجالس والنقابات والجمعيات هي مجرد أسماء لحكاية مشوقة إسمها الديمقراطية، وحده الوباء أدرك هذه التفاصيل وعرى جزء من كرة الثلج التي تتدحرج منذ زمن بعيد دون أن تصل..
الترتيب محفز للذين يحبون الصعود بسرعة وجرس إنذار لمن يخشون النزول بنفس سرعة الصعود.. وبين هذا وذاك مغرب محير لاتفهم مهما حاولت، هل يصعد أم ينزل.. هل ينتقل أم يراوح مكانه..؟ وحده كورونا أفهمنا أننا في بلد يتغير فيه كل شيء من أجل أن لايتغير أي شيء.. وعلى رأي إخواننا في تونس "تحب تفهم دوخ"..
وكل ترتيب وأنتم بألف خير