الجمعة 27 نوفمبر 2020
كتاب الرأي

مولاي عبد الرحيم ليث غفيري: مقدمات الولايات المتحدة الأمريكية بين النهاية والإنهيار؟

مولاي عبد الرحيم ليث غفيري: مقدمات الولايات المتحدة الأمريكية بين النهاية والإنهيار؟ مولاي عبد الرحيم ليث غفيري
في تسعينيات القرن الماضي قام بعض الأمريكان المختصين في “المستقبليات” بأبحاث ودراسات تهم مستقبل أمريكا وكانت تصوراتهم لمستقبل بلادهم هي النهاية والتفكك في الثلاثين سنة الأولى من القرن ال21، وقد بنيت هذه الدراسات على تجارب تاريخية في الماضي كان أهمها العوامل والشروط التي تكفلت بتفكك وانهيار إمبراطوريات سابقة، نذكر منها الإمبراطورية الرومانية والعثمانية والبريطانية وأخيرًا الاتحاد السوفييتي.
وبالفعل كان القياس في محله لأن الولايات المتحدة الأمريكية بدأت بالانهيار فعليا بسبب سياساتها المرفوضة داخليا وخارجيا، إن ما أحاول قوله ليس من الترف الفكري أو من نسج الخيال أو توقع المنجمين، بل هو استقراء مبني على استدلال من التاريخ والوقائع السياسية والاقتصادية كما هو الشأن بالنسبة لآخرين من مفكرين ومختصين في علم المستقبليات الذين يبنون توقعاتهم على ما يمتلكون من دراسات وأساليب علمية وتقنية تجعلهم محقون بشأن توقعاتهم،
وفي قرائن توقعاتي الشخصية أقول أن الولايات المتحدة الأمريكية ومنذ تخليها عن اتفاقية “برايتون وودز” (وهي الاتفاقية التي تم فيها تثبيت العملات الورقية العالمية مقابل الدولار بسعر 35 دولار لآونص من الذهب أي ما يعادل 31جرام)، فمنذ ذلك التخلي أصبح النفوذ الأمريكي محاصرا بفعل الانقسامات الجيوسياسية التي عرفها العالم. ضف لذلك تحييد الذهب كاحتياطي مقابل الدولار سنة 1972..
وأمام هذه الانتكاسات العالمية أصبحت أمريكا محط حروب هنا وهناك حتى صار العالم يعيش تجاذبات لا تتوقف واستقطابات غير مسبوقة..
وكسائر الإمبراطوريات لابد من مرحلة البداية ومرحلة الفتوة ومرحلة الهرم؛ وما نعيشه اليوم هو عوارض الهرم بالنسبة للولايات التي لم تعد متحدة ولن تعود كذلك بعد سنة العشرين عشرين بفعل عوامل خارجية وداخلية أهمها الضربات المتلاحقة على المستوى الداخلي والمتمثل في الإنقسام المجتمعي الذي أصبح ملفتا بسبب تفشي العنصرية هذا الوباء الذي قسم ظهر أمريكا التي (عجزت إراديا) عن معالجته لأسباب ذات صلة بالدولة العميقة التي تعتبر هذا الملف ملفا ليس من اختصاص الساسة وعليه فليس هذا الموضوع للاستقطاب السياسي، هذا من جهة من جهة ثانية الركود الاقتصادي الذي سماه خبراء بالكساد الثاني وهو كذلك بالفعل ، لأن أزمة كورونا عرت المستور بالنسبة (لأقوى) دولة في العالم وذلك بعد شهر من إصابة الولايات الأمريكية بالجائحة ووقع شبه انهيار للمنظومة الصحية الأمريكية رغم المقاومة التي أبدتها إدارة ترامب بمعية الإعلام لكن واقع الحال أبان أن أمريكا لم تعد بتلك الفتوة المعهودة كذلك تنامي الديون بحيث بلغت ديون الولايات المتحدة إلى أزيد من 22 تريليون دولار وهذا رقم غير مسبوق في تاريخ أمريكا..
هذه العوامل وأخرى أدت إلى قناعة بالنسبة للعديد من الولايات أهمها كاليفورنيا التي تنادي بالانفصال عن أمريكا وفي اعتقادي أن هذا الأمر سيحدث في متم هذه السنة أو في السنة المقبلة على أبعد تقدير، وكما هو معلوم إذا انفصلت كاليفورنيا انتهت قصة الولايات المتحدة الأمريكية وسيكون بذلك انتهاء لإمبراطورية لم تعمر طويلا بسبب القطبية الأحادية.
كذلك انهيار البورصة سيساهم في انهيار تاريخي لأسواق الأسهم العالمية وبالتالي إعدام مشروع العولمة الأمريكي ومعه سيقع تضخم في بلاد العم سام، وهذا كله جرى ووقع فعليا والعالم أنتبه لذلك خصوصا الصين كان ذلك بتاريخ ال12 من مارس 2020 وكان تأثير ذلك بالخصوص على سوق الأسهم الأوروبية أكثر من أي بلد آخر بحيث كان سقوط الأسواق الأوروبية مذويا وغير مسبوق منذ أزيد من ثلاثين سنة..
وسط كل هذا الزخم تنتعش قوة متعاظمة اقتصاديا وعسكريا بآسيا (جمهورية الصين الشعبية) الأمر الذي يزيد من معاناة الأمريكي الذي لا خيار ثالث له من اثنين إما الحرب المباشرة مع الصين الشعبية أو الخضوع للأمر الواقع وفي اعتقادي الشخصي وفي ظل قيادة ترامب ستتجه أمريكا لخيار الحرب كي تستفيد من الوقت ومن ثم محاولة تصدير أزمتها الداخلية وورطتها العالمية إلى خارج البلاد، يبدو أنه خيار صعب لكنه سيفرض على الأقل الجلوس لطاولة المفاوضات مع الصين كي يكون لها مكان في التشكل الجديد الذي يعرفه العالم بمسمى النظام العالمي الجديد..
ختاما إن أي إمبراطورية تزول حين يدمرها أصحابها، والولايات المتحدة الأمريكية جاء مدمرها العظيم دونالد ترامب.
ناهيكم على أن أمريكا أكثر الدول المسوقة للديمقراطية والقيم الإنسانية والحرية العامة والفردية، في مقابل ذلك هي أكثر دول المعمورة عنفاً وإراقة للدماء بالاعتداء على باقي دول العالم خصوصا الشرق الأوسط وكذلك داخليا من خلال عنف قواتها الأمنية وتصريحات رئيسها العنصرية..