السبت 23 يناير 2021
خارج الحدود

حسن البنا.. من رجل دين إلى مؤسس أكبر منظمة تكفيرية دموية

حسن البنا.. من رجل دين إلى مؤسس أكبر منظمة تكفيرية دموية حسن البنا مؤسس المنظمة التكفيرية (يمينا) وسيد قطب "قطب الامتداد"

بعد سقوط الخلافة العثمانية، عقب هزيمة الإمبراطورية التركية في الحرب العالمية الأولى، أحست الدول التي كانت تحت إبط الخلافة العثمانية (خاصة مصر وغيرها) باليتم الروحي. فبرزت جماعة الإخوان المسلمين بزعامة حسن البنا بهدف «توحيد المسلمين»! وإرجاع مجد «دولة الخلافة»! ولو اقتضى الأمر سلك الدروب الدموية بالتصفية والاغتيال.

 

تتشابه سيرة حسن البنا (1906-1949) مع سيرة جماعة الإخوان المسلمين التي أسسها هو نفسه سنة 1928، أربع سنوات فقط بعد سقوط الخلافة العثمانية، الحدث التاريخي الذي يعتبره الإخوان "أول حالة يبعد فيها الإسلام عن السلطة في العالم العربي الإسلامي".

 

عناصر التشابه لا تؤكد فقط أن تلك الجماعة قد اهتدت بسلوكه الدعوي، وبنشاطه المذهبي والسياسي، ولكنها تؤكد أيضا نهج نفس سيرته في التناور واللعب على الحبال المتشابكة، وعلى جدل الظهور والاختفاء، والصدام والمهادنة، والمشاركة في الحكم والمقاطعة، بل الانقلاب على الأصدقاء والحلفاء.

 

بدأت هذه السيرة باسترشاد الطفل حسن (البنا) بوالده، ممتهن إصلاح الساعات بمدينة المحمودية في شمال مصر، وأحد علماء الحديث ومرتب مسند ابن حنبل، وأصدره في كتاب بعنوان «الفتح الرباني لترتيب مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني». كما كان للحلقات الصوفية، الصفانية تحديدا، أثر كبير في توجهات ذلك الطفل.

 

وبدأت كذلك بالواقع الشرس للاحتلال الإنجليزي، ومخاضات العملية السياسية التي باشرتها النخبة المصرية ممثلة في التجاذبات الحزبية من خلال الوفد والأحرار والسعديين أساسا، وذلك في ظل النظام الملكي (مرحلة أفول الملك فؤاد وصعود الملك فاروق وعمره آنذاك لا يتجاوز السابعة عشرة). كما كان لازدهار الحركة الفكرية أثر حاسم في تكوين البنا على خلفية الطموح إلى تحقيق نهضة عربية إسلامية.. وبهذا الخصوص خلفت كتابات جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، وخاصة رشيد رضا ومجلته «المنار»، صدى كبيرا في فكر البنا الشاب.

 

استخلاصا من كل تلك المؤثرات متعددة المصادر، اهتدى حسن البنا بعد سقوط الخلافة العثمانية عقب الحرب العالمية الأولى وتفكك الإمبراطورية العثمانية، إلى تأسيس جماعة الإخوان المسلمين بحلم مركزي «استعادة الخلافة الإسلامية» التي يعتبرها البنا في رسالته الموجهة إلى المؤتمر الخامس للجماعة «رمز الوحدة الإسلامية، ومظهر الارتباط بين أمم الإسلام، وأنها شعيرة إسلامية يجب على المسلمين التفكير في أمرها، والاهتمام بشأنها، والخليفة مناط كثير من الأحكام في دين الله». يعتبر الخليفة أو الإمام «ظل الله في الأرض». أما الخط العام فتحدده هذه العبارة المستمدة من نفس الرسالة حيث وضح المرشد العام أن "الإسلام عقيدة وعبادة، ووطن وجنسية، ودين ودولة، وروحانية وعمل، ومصحف وسيف".

 

أما الطريق إلى كل ذلك فقد اتخذت مناحي ثلاثة تطورت عبر التدرج:

1- الدعوى عبر العمل الخيري والتوجه نحو البنية العميقة للمصريين بخطاب الأخلاق، وبدعوة الناس إلى مجتمع الإيمان الصحيح الذي يمثله الإخوان مقابل مجتمع الباطل، وهو ما يرى فيه بعض المحللين بعدا تكفيريا مبطنا.

2- النشاط السياسي الذي دشنه البنا سنة 1938، بإصدار مجلة «النذير»، التي هي أسبوعية «سياسية إسلامية تصدر على مبادئ الإخوان المسلمين» كما تشير إلى ذلك صفحتها الأولى. ثم عبر المشاركة في الترتيبات والتحالفات السياسية المختلفة.

3- العمل المسلح وتبني منهج العنف عبر ما سمي التنظيم السري الذي أنيطت به، علنيا، مهمة تصفية الوجود الاستعماري ومواجهة الكيان الصهيوني على خلفية حرب 1936، وأسندت إليه، سريا، مهمة تصفية الخصوم، وينقل عن البنا قوله في هذا الإطار "سنستخدم القوة عندما لا يجدى غيرها، وسننذر أهلها قبلها، وسنكون شرفاء، ونتحمل النتائج".

 

وكان أشهر مهمات عمليات تبني منهج العنف والقوة: اغتيال أحد مفتشي الشرطة بالعاصمة، واغتيال أحد القضاة لإرهابهم (أحمد السلحدار)، والتي كان قد أصدر بخصوصها البنا بيانا يدين العملية، حيث جاء فيه «لا هم إخوان ولا هم مسلمون» رغم أن جماعته هي المتورطة. وكان هذه الحوادث وغيرها كتورط الجماعة في حيازة الأسلحة والمتفجرات، إضافة إلى تورط البنا في الانقلاب الفاشل باليمن، هي ما قسم ظهر الإخوان، إذ اتخذت الحكومة برئاسة محمود فهمي النقراشي، رئيس الوزراء،  قرار حل جماعة الإخوان وإغلاق مقراتها، واعتقال كل قيادييها باستثناء المرشد العام: صيغة أخرى للقتل الرمزي. لكن ذلك لم يدم طويلا فقد اغتيل النقراشي نفسه في دجنبر (1948)، وبعدها اغتيل البنا في فبراير 1949، وهو خارج من أحد الاجتماعات التي كان يتهيأ فيها مع بعض الوسطاء للإعداد لشكل ما للتفاوض من أجل رفع الحظر عن الإخوان.

 

اغتيل البنا، واستمرت أفكاره تتجدد تنظيميا من خلال حسن الهضيبي الذي خلفه في مهمة المرشد العام، ومن تلوه، مكتفين بجدل الشد والجذب الذي طبع الحياة السياسية، وبمنهج الانقلاب كما حدث مع جمال عبد الناصر الذين ساندوه وتحالفوا معه في مطلع ثورة الضباط الأحرار سنة 1952، ثم دبروا محاولتي اغتياله سنتي 1954 و1956، وناصروا أنور السادات الذي دعمهم وانفتح عليهم ليهزم اليسار لكنهم نجحوا في اغتياله سنة 1981، وكذلك فعل الرؤساء اللاحقون .

 

أما على المستوى الفكري فقد عرف الإخوان أكبر طفرة مع سيد قطب. وما عدا البنا المؤسس وقطب الامتداد، فالجماعة ظلت تتدبر المشاكل التنظيمية أكثر من انشغالها بمهمة تجديد الخط الفكري. ولذلك ظلت تمثل ذلك الخليط الهجين بين المرجعين، مع التنويعات الأكثر تطرفا ودموية التي اقتضاها المنطق التناوري، والمصالح الآنية، والتي تنهل من الميكيافيلية، ومن الوهابية، ومن كل المناطق المظلمة في كتب التراث.