الثلاثاء 7 يوليو 2020
كتاب الرأي

عبد السلام الصديقي: التفكير في الواقع الملموس لمغرب المفارقات

عبد السلام الصديقي: التفكير في الواقع الملموس لمغرب المفارقات عبد السلام الصديقي

المغرب بلد المفارقات: نلاحظ ذلك من جديد بخصوص موضوع شديد الحساسية وذي راهنية، فبينما نجد علماء الاقتصاد مدعوين في مختلف مناطق المعمور، ليس فقط لتقديم المساعدة للسياسيين، بهدف اِعداد مخططات الإنعاش، بل أيضا، وبصفة خاصة، لفتح النقاش حول مختلف سيناريوهات الإنعاش المرتبطة بالإشكاليات ذات الصلة بالمشاريع المجتمعية، نلاحظ لدينا بكل أسف غيابا يكاد يكون تَامًّا للتكوين في هذا التخصص.

 

وأضُمُّ صوتي هنا الى صوت زميلي مصطفى السحيمي، عَالِم السياسة البارز، والذي تساءل في مقال صدر له مؤخرا: أين غاب علم الاقتصاد؟ وهو يقصد طبعًا غياب هذا العلم في الكليات التي تحمل تجاوزا اسم "العلوم القانونية والاقتصادية". فكيف يا تُــرى وصلنا إلى هذا الوضع؟ وكيف نفسر هذا الجفاف العلمي وهذا البؤس الفكري اللذين يضران بمصالح بلادنا؟

 

وقبل تقديم بعض العناصر الجوابية، ينبغي التذكير بالسياق العام لظهور الاقتصاد كعلم، وتطوره عبر السنين، وتفرعه اليوم إلى تيارات ومدارس مختلفة.

 

فبصفته معرفة عامة، كان الاقتصاد دائما موجودا، وبالأخص في المؤلفات القديمة للمفكرين العرب والإغريق وغيرهم. أما بصفته علماً، فلم يظهر سوى في زمن متأخر نسبيا، وذلك مع نشوء الرأسمالية خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وأساسا إثر صدور مؤلفات "أدم سميث" و"دافيد ريكاردو".

 

هذا العلم الذي ظهر لم يكن عِلمًا مُحايدا، بل كان له هدف دقيق مُعَبَّرٌ عنه بوضوح، ألا وهو دعم الطابع التقدمي للرأسمالية وإبراز فضائل السوق والانتصار لمصالح البورجوازية الصاعدة آنذاك ضد الإقطاعية التي كانت تستحوذ، دون وجه حق، على الريع العقاري.

 

هكذا نستشف أن عِلم الاقتصاد، والذي يُعَبَّرُ عنه عن حق بالاقتصاد السياسي، تَمَوْقَعَ منذ بداياته الأولى في قلب الساحة السياسية، حيث أن العالَمَ كما تصوره الاقتصاد الكلاسيكي (البورجوازي) هو عَالَم مثالي ومتناغم تتحقق فيه التوازنات بصفة عفوية بفضل سحر "اليد الخفية".

 

إلا أن هذا التصور الخيالي للعالَم سرعان ما سيلاشى، لتظهر تناقضاتٌ مختلفة وأزمات متعددة لم تتمكن شعارات البورجوازية من حلها، من قبيل (الحرية، المساواة، الأخوة...)، ليتضح أن الرأسمالية ما هي إلا مجردُ مرحلة في المسار التاريخي الإنساني، وليست بالتالي هي الأفضل للإنسانية.

 

في هذا السياق، ظهر تيار جديد في الفكر الاقتصادي، نقديٌّ إزاء الاقتصاد السياسي الإنجليزي، على إثر أعمال كارل ماركس مع نشر موسوعته "الرأسمال" التي لم تكتمل.

 

واستمر تطورُ الفكر الاقتصادي في ما بعد، في امتدادٍ لهذين التيارين الرئيسيين، إلى درجة أننا نجد أنفسنا اليوم أمام عشراتِ المدارس الفكرية التي لا يتسع المجالُ لتعدادها في هذا المقال. وهذا من بين الأسباب التي تجعلنا، اليوم، نتحدث عن "علوم اقتصادية" بدل "علم اقتصادي"، وفي نفس الوقت، لكل واحد فهمه الخاص لهذا العلم.

 

إن هذا التنوع المقارباتي والمنهجي هو أمر إيجابي للغاية، لأنه يحفز على التباري، ويساعد على تطوير الدقة في التفكير، وتحسين "تنافسية المنتوج"، وهو ما يسهل الحوارات والتبادلات العلمية بين مختلف التيارات ويمنح للجامعة، باعتبارها فضاءً لإنتاج وتطوير المعارف هيبتها. وفي هذا التنافس المتواصل بين مختلف المدارس الفكرية، الذي لا يمكن عزله عن الصراعات الاجتماعية والسياسية في الساحة، نسجل عدة مراجعات فكرية واجتهادات نظرية وانتقادات وانتقادات ذاتية. وبعبارة أدق، نسجل تجديدا للفكر وتخصيبا للعقل.

 

وبحذفها تدريس العلوم الاقتصادية، كفكر جامع، أقدمت الجامعة المغربية على قتل هذه الدينامية الهادفة الى "خلق جماعي" باستعارة عنوان كتاب مشهور للكاتب هنري بارتولي (H.Bartoli)، أخصائي كبير في قضايا الشغل "الاقتصاد والخلق الجماعي". فلم يعد الاقتصاد السياسي يُدرس كما كان من قبل، بل تم "تفتيته" إلى أجزاء، ولم يعد متلائما مع العالم الواقعي.

 

إن مسؤولية هذه "الفاجعة"، وهي كذلك فعلاً، تعود الى الجامعة والجامعيين أنفسهم، كما تعود إلى المقاولة المغربية التي تُعبر عن نوع من الازدراء المبطن تُجاه الاقتصادي، والذي يُعتبر في نظرها إنسانا "خطير" مُفضلةً عليه "المُدبر" الصرف والمنضبط. واستجابة لإكراه "قابلية التشغيل" تم حذف جميع المواد التي لها علاقة بالفلسفة التي تعمل على تطوير الفكر النقدي.

 

وعليه، نعتبر أنه حان الوقت لرد الاعتبار إلى العلوم الاقتصادية، والعلوم الاجتماعية بصفة عامة، لأن "الطبيعة الحقيقية للإنسان" ليست مُعطىً ساكنا لا يتغير، بل هي مجالٌ للحرية حسب هنري برتولي، وهذه الحرية تبتدأ بالفكر وتنتهي عند الفعل.

 

عبد السلام الصديقي، أستاذ جامعي، ووزير التشغيل والشؤون الاجتماعية الأسبق