الأحد 12 يوليو 2020
كتاب الرأي

عتيقة الموساوي: لحظة تحول الذات من الصخب إلى الانزواء والعزلة

عتيقة الموساوي: لحظة تحول الذات من الصخب إلى الانزواء والعزلة عتيقة الموساوي

منزوية أنا، في ركن من البيت، مستمعة ومنتشية بنغمات وصلة موسيقية لسمفونية عالمية يحتل فيها الساكسوفون الحيز الأكبر بين نغماتها صعودا ونزولا يتخللها نقر أصابع وديعة على البيانو في تناغم مع نوتة إيقاع عالمي.. فتحملني اللحظة لأسرح بخيالي في الأفق، وأستفهم كيف انتقلنا نحن بني البشر بين عشية وضحاها من عالم صاخب إلى عالم الانزواء والعزلة؟ ونعيش تفاصيله بين ثنايا يومياتنا وقصصنا المثيرة المختبئة وراء الأبواب وخلف النوافذ؟، لا يكسر النمط الممل لحياتنا إلا اجتماع خفيف وصغير بين أفراد العائلة حول مائدة الأكل.

 

أجسادنا محصورة في زوايا محددة بين الزمان والمكان، لا يفك هذا الانحصار إلا إبحار متعمد في عوالم نخلقها لأنفسنا، من إبداعنا وخيالنا، أو تفرضها علينا بشكل روتيني نشرات الأخبار التي تربطنا بالعالم الخارجي، نصحو على ايقاعها أو نبحث عنها في المواقع الالكترونية.. أو نخلقها من أحاديثنا حول هذا الخبر او ذاك.. كل ما نسمعه أو نقرأه من وراء الشاشات يصنع لنا متنفسا نكاد نتقاسمه حول ما نراه وسمعناه أو قرأناه ويتم بسطه وتداوله بيننا في محادثاتنا ولقاءاتنا لتزجية الوقت الذي بات بطيئا، ونكون بها عوالمنا المصغرة لذواتنا وتفاعلاتها عن بعد من أمكنتنا المحاصرة.

 

نملأ الثغرات تلو الثغرات.. بعد أن غادرنا النوم وعالم الأحلام من عالم الواقع الى العالم الافتراضي الرقميّ الّذي نقضي فيه أوقاتًا غير محسوبة بالساعات، لا تميز بين الليل والنهار.. ونحاول كسر عزلتنا، نحيا حياتنا بالارتكان لزاويا صفحاتنا الشخصيّة على شبكات مواقع التواصل الاجتماعي.. نروي كما نرتوي من قصصً عالمنا المنعزل. ونواجه اليوم في ظلّ زمن الكورونا، حالة مركّبة ومُربكة، تجعلنا حائرين أمام سطوة هذا الوباء على حياتنا البشرية، تتركنا في حالة من عدم الفهم المشلول وهو الأقرب إلى التيهان أو الاستسلام، ونشعر أحيانا.. أنّ الحالة الّتي يعيشها العالم بعيدة عنّا..، وحين ننظر إليها عبر شاشات التلفاز والحاسوب ونسمع قصص الأشخاص الذين مرّوا من الضائقة الوبائية أو أصيبوا بخسارة الفقدان لاحد من ذويهم.. ، ينتابنا الخوف والهلع من هذا الانتشار الكوروني المجنون.. فنحسبه قريبا منا ومن بيوتنا ومن أجسادنا.. ونستشعر رهبة هشاشتنا وضعفنا.. نتكوم كجنين في رحم حَجْرنا الصحّي الإجباري...