الاثنين 13 يوليو 2020
كتاب الرأي

أحمد عاطف: تعقيد أزمة مجتمع!

أحمد عاطف: تعقيد أزمة مجتمع! أحمد عاطف

لن أتكلم عن الحق في التعبير وهو حق عالمي تكفله المواثيق الدولية، ولن أتكلم عن الحق في التعبير المكفول في الدستور، ولن أدافع عن أفعال الناس كما لو كانوا ملائكة مظلومين أو أن أهاجمهم على أخطائهم على أنهم شياطين، فأنا إنسان ومواطن عاد وليس لي سلطة قضائية ولست النيابة العامة لمحاسبة الناس قانونيا، بالتالي لن ألعب دور المدافع عن الدين كأن الله يحتاجني ويحتاج العالمين للدفاع عن دينه من كل من يتكلم أو يهاجم أو يستهزئ أو ينتقد الدين، كأن الدين هش لهذه الدرجة ليدمر بالكلام والمنشورات عابرة لأشخاص عابرين في كلام عابر، لأنهم لا حول لهم ولا قوة لهم إلا بالكلام والتعاليق وهذا حقهم الأدنى إنسانيا، فذلك ضعف الطالب والمطلوب ومستطلبهما ولكن عندما أرى كل هاته الفوضى والمذابح الرمزية والغضب غير السوي الذي يريد به الكل تفريغ مكبوتاته وغضبه وشحناته السلبية نتيجة الحجر الصحي وإرهاصاته النفسية وتأثيراته السلبية على جيوب وحياة الناس، فالكل أصبح سجين نفسه ومشاكله التي ازدادت تفاقما في مجتمع يعيش تعقيدات أزمة صراع إيديولوجيات فكيف تظهر هذه الأزمة وما هي الأسباب المؤثرة فيها وماهي إشكالاتها؟

 

كلنا نرى هذا التهافت لخلق البوز وتطور الفكر الانتقامي والإقصائي ولعب دور الوصاية على البلاد والدين والفكر والعباد، لذلك نجد أنفسنا أمام مجتمع مهدد بالانهيار ويعيش مرحلة مخاض صعبة بين ثقافتين متعارضتين وأفكار متناقضة، مجتمع مركب من كل ما هو غير منسجم لا فكريا ولا مجتمعيا ولا نفسيا، مجتمع في مفترق الطرق، تتصارع فيه النخب مع الشعب كما النخب ضد بعضها البعض كما يحارب الشعب نفسه ويعيش صراعات اقتصادية واجتماعية مختلفة لكسب لقمة العيش وتحقيق الذات.

 

في هذا المخاض العسير تظهر ملامح هذا اللاتوازن الفكري والنفسي والمجتمعي في وسائل التواصل الاجتماعي الذي يعرف كوسيلة حديثة لتفريغ هذه الصراعات والخلافات، ولو أنه محتشم لحد الآن رغم كل هذا العبث والتهافت على التكفير المجاني والتنوير التقليداني أو دعشنة مستوردة أو مظلومية الضحية سواء أكان طرفها ليبراليا أو يساريا أو سلفيا وهابيا أو سنيا متصوفا، الكل يخلق من نفسه ضحية ومستهدفا وينتقد الآخر بل المجتمع برمته تنفيسا عن إقصائه فإذا كان كل المجتمع مقصيا فمن هو المستفيد والجاني إذن؟

 

إنه نمط عيش تعيشه فئات مجتمعات لم تجد الطريق بعد ولم تختر ما يناسبها فعلا لترقى لما تستحقه من تقدم وحضارة، لذلك تجد في طابع فكر المظلومية والقهر والظلم والغضب على واقع متنفسا لها حيث لا يستطيع الإنسان تغييره، يجعل الإنسان ينفجر بالنقد المبالغ فيه والجارح على مجتمع لا يحس بالانتماء له، هذا المجتمع يجب أن يتغير ليناسبه ويحقق طموحاته ويتلاءم مع أهوائه وأفكاره؟!

 

هنا يسقط الناس في تجهيل الناس، بل وتكفيرهم بل يدعون لقتلهم أو سجنهم أو أديتهم وسجية كل الأطراف اللعن كل حسب إيديولوجيته المقدسة فالآخر هو الجحيم والأنا هي الجنة، وحيث يتهم البعض البعض الآخر بالكفر أو يتهم البعض الآخر بالإرهاب والتطرف فالكل يمارس السلطات ويعتبر نفسه الوصي وحاكم المجتمع المركزي والباقي كراكيز لا نفع فيهم وهم سبب الأزمة والتخلف والقهر وهذه مركزية فكرية مرضية خطيرة.

 

الفكر الذي لا يحترم الاختلاف لن ينتج غير التخلف سواء أكان تقدميا أو إسلاميا لأن المجتمعات المتقدمة والتي فهمت ودرست نفسية الانسان وتعقيد مجتمعاته توصلت لفكرة لا غنى عنها أنه يجب فصل العاطفة عن القوانين وفصل الدين عن السياسة وفصل كل السلطات عن بعضها البعض، ولو كانت معنوية وتافهة في نظر البعض يجب مراقبتها قانونيا حتى لا تتعرض للاستغلال، هنا تمت محاربة الشمولية والشخصنة والظلم واللاموضوعية، بل ومراقبة الإنسان بالمؤسسات وقوانين وضعت بعناية عبر تراكمات مريرة حتى لا يكون هناك أحد فوق القانون أو تحت طائلته بنوع من الإقصاء فقط لانتمائه للأقليات أو اختلاف مع النسق العام والهدف الأسمى هنا. هو حماية الإنسان من أخيه الإنسان.

 

لذلك لا يستغرب أنه في أوطان تنتهج الأنظمة السياسية الهجينة من الممكن أن تسجن حتى لو قلت كلاما عابرا وأنت سكران رغم أنك اعتذرت عنه ولم تعنه هنا نسقط في فخ خطير لن يكون ضحيته هذا الشخص ولا يهم من يكون، بل المجتمع بأكمله الذي سيفقد حق التعبير أو حق الكلام التفريغي اللاواعي للأشياء التي يحبها وتغضبه.. فمجتمعنا يسب الدين والأم والنظام والملك والشعب والله وكل شيء ويلعنه حسب مزاجه فقط تنفيسا عن غضبه على ما يحب، لذلك فإن الوسيلة الوحيدة المتبقية في تفريغ المكبوتات وهي النقد أو الصراخ أو السخرية أو الجدال مهددة بشكل خطير وهذا أخطر ما في الموضوع بالنسبة لمجتمع يعاني كبتا في كل المستويات وكل الميادين خصوصا في ظل أزمة كورونا حيث يقبع الكل في سجن يمدد كل شهر.

 

هذا الشعب يحتاج لمتنفس جديد لا للقضاء على المتنفس الوحيد الذي يملكه رغم طبيعته العادية التي تتوفر عليها كل شعوب الأرض، فهل سنستخسرها على أنفسنا كما استخسرنا مئات السنين من التقدم على أنفسنا ودخلنا في صراعات فارغة مغلفة بالدين وما كانت إلا صراعات المصالح والخبز واللحم والزيت والسكر والمونة (وقتلني نقتلك) منذ عهد السيبة؟! والتي للأسف لم نتحرر منها كلها وهذا ما اظهرته كورونا التي عرتنا...

 

إن مدى تعقيد الأزمة يظهر في تناقض المنهاج الديني والقانوني والفكري للمجتمع نفسه مع فكر رسول الله (ص) فهو نفسه في سيرته لم يقتل شخصا تعمد التبول في مسجده بل تعمد استفزازه وجميع الصحابة. لو رآه أحد من متأسلمينا في بلدنا لضربه وسبه أو قتله لكن تصرف الرسول في النازلة يبين أنه حتى قبل 1400 سنة كان الناس أكثر تسامحا وعقلانية من اليوم، رغم كل الظروف التاريخية والواقعية الغير مناسبة ورغم دخولهم في حروب لا تنتهي نعم هذا تراثنا وليس قوانين تعاقب على أي خطأ كيفما كان وبكل العقوبات الممكنة حتى في اللاوعي أو بسبب الجهل المركب ومشاكل نفسية كثيرة لتراكمات إنسانية يعيش ويبحث عن هواء اللعن وغسل الروح من قاذورات مترسبة من مجتمع يعاني فقط بسبب الصمت عن الكلام والكلام في ما يصمت عنه!

 

لذلك سأترككم مع التراث الذي يدعي تقدميين أو متأسلمونا أنهم يعرفونه كما يعرفون أولادهم، وهذا التراث هو نفسه الذي يفهمه متأسلمونا وشيوخ العصر الحديث للإسلام فيه أكثر من نبيه وكل الرسل والصحابة مجتمعين وقلة نادرة منهم من قرأت فيه بحيادية وبحثت فيه بموضوعية بهدف معرفة ما يجهله لأن غالبية العامة أصبحت عالمة بالضرورة بسبب تكنولوجيا المعلومة والنسخ والنقر إلا أن يفقد عالمهم بروفيله نتيجة قرصنة شخص آخر أو عن طريق حضر يتسبب فيه معارضيه الأشاوس!

 

هنا أستحضر حديث أنس بن مالك قال: بينما نحن في المسجد مع رسول اللَّه وجاء أعرابي، فقام يبول في المسجد، فقال أصحاب رسول اللَّه: مَه مَهْ، قال: قال رسول اللَّه: ((لا تزرموه، دعوه))، فتركوه حتى بال، ثم إن رسول اللَّه دعاه فقال لـه: ((إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول، ولا القذر، إنما هي لذكر اللَّه، والصلاة وقراءة القرآن))، أو كما قال رسول اللَّه .

قال: فأمر رجلاً من القوم فجاء بدلو من ماء فشنّه عليه. فمعنى التسامح واضح هنا فهذا الفكر هو من كام سببا في كسب الإتباع وليس الفكر التهجمي والعقابي والترهيبي السمج والمتخلف.

كما تفسر هذه الرواية الروايات الأخرى عند غير البخاري، فعن أبي هريرة قال: دخل رجل أعرابي المسجد فصلى ركعتين ثم قال: اللَّهم ارحمني ومحمداً، ولا ترحم معنا أحداً! فالتفت إليه رسول اللَّه فقال: ((لقد تحجّرت واسعاً))، ثم لم يلبث أن بال في المسجد، فأسرع الناس إليه فقال لهم رسول اللَّه : "إنما بعثتم ميسرين، ولم تبعثوا معسرين، أهريقوا عليه دلواً من ماء، أو سجلاً من ماء".

قال: يقول الأعرابي بعد أن فقه، فقام النبي إليّ بأبي وأمي فلم. يسب، ولم يؤنب، ولم يضرب.

 

عندما يعتمد التراث والدين لتبرير عقوبات جنائية في القانون الوضعي هنا نسقط في التناقض لأن التراث هو نفسه قد يقف ضد التراث ويكشف أزمة تعقيد مجتمع.

ويكون مستنيرا أكثر من قوانين هجينة بل حتى أحكام شريعة وضعت لتوجهات سياسية معروفة مازالت لم تمت لأنها اعتبرت هي الأصل وهي الدين الذي على الجميع الخوف منه، ومن قوانينه لا الإيمان بها اقتناعا.

 

لذلك عندما تكون مختلفا فلك اختيار واحد في المجتمعات المقهورة هو أن تزاول النفاق الاجتماعي أو تعيش النفوق الفكري لتستمر.

 

- أحمد عاطف، رجل قانون ومؤلف وكاتب ومترجم