السبت 11 يوليو 2020
كتاب الرأي

عزالدين الراجعي: صيام الأيام الستة من شوال.. سنة ولا بدعة

عزالدين الراجعي: صيام الأيام الستة من شوال.. سنة ولا بدعة عزالدين الراجعي
من رحمة الله تعالى بعباده الصالحين وفتحه لأبواب الرحمات أمام العالمين، أنه عدد لهم مواسم الخيرات، وشرع عز وجل بجانب كل فريضة نوافلا لجبر ما قد يكون فيها من نقص أو خلل، وحرصا على امتداد الوصل مع الله دون انقطاع، فمن حسنات الطاعات عليها والثبات على الخير بعدها.
ومما شرع الله عزوجل بعد رمضان، صيام الست من شوال؛ وهي ثابتة بنص أحاديث صحيحة وصريحة، تلقتها الأمة بالقبول، وتمسك بها المغاربة المحبون لدينهم وسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم، ودأبوا على صيامها أبا عن جد، حتى "خرجت" علينا شرذمة تدعي بدعية هذا الأمر، بعدما جنت عليهم وسائل التواصل الحديثة بنشرها لمقاطع اجتثت - من كلام العلماء عامة ومن كلام الإمام مالك رحمه الله خاصة- اجتثاتا، وبعدما ابتلينا في هذا الزمن بمن يتلقف النصوص دون تمكن من أدوات التحليل وعلوم الشريعة أو علوم الآلة التي تساعد على فهمها فهما صحيحا، وتنزيلها بما ينفع البلاد والعباد وفق شريعة الإسلام السمحة. 
لهذا لزم في الأول التذكير والتأكيد على سنية صيام الست من شوال، وهو ما تبث في في صحيح مسلم: عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه أنه حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من صام رمضان ثم أتبعه ستا من شوال كان كصيام الدهر. 
وفي سنن ابن ماجه عن ثوبان رضي الله عنه مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : من صام ستة أيام بعد الفطر كان تمام السنة ، من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها. وقد صحح الألباني هذه الرواية. ورواه ابن خزيمة في صحيحه عن ثوبان رضي الله عنه أيضا بلفظ: صيام رمضان بعشرة أشهر، وصيام الستة أيام بشهرين، فذلك صيام السنة يعني رمضان وستة أيام بعده. 
فهذه الأحاديث الصحيحة الصريحة أكدت على سنية صيام الست من شوال طمعا في مواصلة العهد مع الله ونيل فضلها من الله. 
إذن لماذا روي عن إمامنا مالك رحمه الله كراهية ذلك؟ هل يعقل أن يخالف الإمام مالك إمام دار الهجرة، والقائل رحمه الله: " كل يُؤخذ من كلامه ويُرد إلا صاحب هذا القبر " والقائل رحمه الله "إنما أنا بشر أخطىء وأصيب، فانظروا في رأيي، فكل ما وافق الكتاب والسّنّة فخذوه، وكل ما لم يوافق الكتاب والسّنّة فاتركوه" 
إن المتتبع لمنهج العلماء المجتهدين، يستلهم طريقهم في الفتوى وأصول مذهبهم في الاجتهاد، وللامام مالك أصول اجتهاده التي شيدها على أساسين متينين: كتاب الله وسنة رسوله الكريم، لكن بالنظر لوقائع الناس وتغير الأحوال وتطور الحياة كان لزاما من أصول أخرى تواكب هذا التغير والتطور، فقد استلهم الإمام مالك من القرآن والسنة وهو المحب لهما المتمسك بهما الحريص عليهما الداعي إليهما الفاهم لمعانيهما المدرك لمقاصدهما...استلهم منهما أصولا لمذهبه؛ منها "عمل أهل المدينة" و"سد الذرائع" فأفتى في مسائل بعلمه وفهمه بما يراه صالحا للعباد محافذا على روح الدين، وإن ظهر أحيانا لغير المستبصرين بالعلم أنه يخالف السنة، ومن ذلك ما روي عنه من كراهيته لصيام الست من شوال، فحكى البعض كلامه دون علم، واجتثوا ذلك من ساق الكلام، ورموه بين العوام دون تقييد للكلام ولا تقعيد للفتوى بما ينفع الأنام ويزبل اللبس عن الأفهام، قَالَ يَحْيَى وَسَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ فِي صِيَامِ سِتَّةِ أَيَّامٍ بَعْدَ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ: إنِّي لَمْ أَرَ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْفِقْهِ يَصُومُهَا، وَلَمْ يَبْلُغْنِي ذَلِكَ عَنْ أَحَدٍ مِنْ السَّلَفِ وَأَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ يَكْرَهُونَ ذَلِكَ وَيَخَافُونَ بِدْعَتَهُ وَأَنْ يُلْحِقَ بِرَمَضَانَ مَا لَيْسَ مِنْهُ أَهْلُ الْجَهَالَةِ وَالْجَفَاءِ لَوْ رَأَوْا فِي ذَلِكَ خِفَّتَهُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ وَرَأَوْهُمْ يَعْمَلُونَ ذَلِكَ ) 
فالناظر لكلام الإمام في المسألة يتبين أنه "قيد" كراهية صيام الست من شوال وبدعيتها أوردها المتأخرون من المالكية في كتبهم ، مثل ما ورد عن الخرشي المالكي رحمه الله تعالى قوله " صَوْمِ (سِتةٍ) مِنْ الأَيامِ (مِنْ شَوالٍ) فَيُكْرَهُ لِمُقْتَدًى بِهِ مُتصِلَةً بِيَوْمِ الْعِيدِ مُتَتَابِعَةً مُظْهرَةً مُعْتَقِدًا سُنِّيَّةَ وَصْلِهَا وَإِلا فَلا يُكْرَهُ انْتَهَى. 
وتوضيح ذلك القول بالكراهة فيما يلي: 
1- أن يكون الذي يصومها ويظهرها بين الناس من العلماء الذين يقتدي الناس بأقوالهم وأفعالهم، خشية أن يأخذ الناس عنه ذلك علة وجه الوجوب. فإن صامها سرا خرج عن هذا الشرط، لهذا كان مالك يصومها كما قال مطرف رحمه الله تعالى وهو من علماء المالكية ( كان مالك يصومها في خاصة نفسه. قال: وإنما كره صومها لئلا يلحق أهل الجاهلية ذلك برمضان فأما من يرغب في ذلك لما جاء فيه فلم ينهه) 
2- ظن من يصوم هذه الست أنها فريضة لا سنة؛ فكثير من الناس يحرص عليها حرص الفريضة، وبهذا يزيد في الدين ما ليس منه ويبتدع للناس ما لم يشرعه الله ورسوله، وقلنا إن سد الذرائع أصل من أصول الإمام مالك، ولندع ابن العربي وهو أحد شيوخ المالكية العارفين بفقه الإمام ومنهجه يوضح ذلك وهو يقول في كراهة الإمام صيام الستة من شوال سدا لذريعة تبديل العبادات والزيادة فيها: (احترازاً مما فعل أهل الكتاب لأنهم كانوا يزيدون في صومهم على ما فرض الله عليهم أولاً وآخراً حتى بدَّلوا العبادة، فلهذا لا يجوز استقبال رمضان ولا تشييعه) 
وكذلك قال القاضي عياض: "ولعل مالكاً إنما كره صومه على هذا، وأن يعتقد من يصومه أنه فرضٌ، وأما من صامه على الوجه الذى أراد النبى -عليه السلام- فجائز" 
3- وصل صيام الست من شوال برمضان، مما يوقع البعض في صيام العيد وهو حرام. 
4- إظهارها بين الناس تباهيا بالطاعات واشاعة فعلها رياء بين الناس. 
5- الحرص على صيامها عقب رمضان مباشرة ومتتالية، خلافا للحديث الذي لم يعين ولم يشترط التوالي أبدا. وإنما كره مالك صومها لذي الجهل خوفا من اعتقاده وجوبها (معتقدا سنة اتصالها) أي معتقدا أن الثواب لا يحصل إلا إذا كانت متصلة (حاشية الدسوقي على الشرح الكبير) 
وخلاصة هذا الكلام هي أن صيام الست من شوال سنة مستحبة، شريطة –كما قال الإمام مالك رحمه الله- أن يصومها المسلم تطوعا، وأن يصومها مجتمعة متتالية أو متفرقة، وأن يخفيها ما أمكن حرصا على الإخلاص ودغعا للظهور والرياء. 
والله تعالى أعلم
 
عزالدين الراجعي، باحث خطيب وواعظ