الثلاثاء 29 سبتمبر 2020
فن وثقافة

هل فيلم "وشمة" من إبداع الراحل البوعناني؟

هل فيلم "وشمة" من إبداع الراحل البوعناني؟ من اليمين إلى اليسار: حميد بناني، وعلي الصافي،ومحمد عبد الرحمان التازي،والمخرج الراحل البوعناني (في إطارالملصق)
يعرض المركز السينمائي المغربي، يومي فاتح وثاني يونيو 2020 على منصة "فيميو"، ضمن الأفلام المغربية الإحدى عشرة (11) التي أضافها إلى قائمته المقترحة بمناسبة الحجر الصحي، الفيلم الوثائقي "الباب السابع" لعلي الصافي والمتمحور موضوعه حول عوالم المبدع الراحل أحمد البوعناني (1938 – 2011) المتعدد الإهتمامات. 
 ومعلوم أن أول عرض عمومي بالمغرب لهذا الفيلم، بعد عرضه سنة 2017 بمهرجان برلين في فقرة "فوروم البرليناله"، قد احتضنته قاعة سينما النهضة بالرباط في يناير 2018، وأثار آنذاك ردود فعل مختلفة من طرف بعض النقاد والسينفيليين والمخرجين الرواد، وذلك نظرا لما تضمنه من تصريحات غير مسؤولة مفادها أن المخرج الحقيقي لفيلم "وشمة" (1970) هو أحمد البوعناني وليس حميد بناني، علما بأن "وشمة" من إنتاج شركة "سيغما 3" التي أسسها محمد عبد الرحمان التازي وحميد بناني والراحلان محمد السقاط وأحمد البوعناني.
وفي تدوينة لمؤلف ومخرج "وشمة" على صفحته الفايسبوكية كتب حميد بناني بالفرنسية نصا ترجمناه على الشكل التالي: 
"هذا الفيلم (يعني "الباب السابع") فيه شعوذة حقيرة، وذلك لأن تصريحات البوعناني داخله عبارة عن كذب مخجل وغموض صرف مصدرهما شخص واهم ومحبط بغيض وحسود. البوعناني كان مكلفا بمهمة السكريبت أثناء التصوير، الذي غادر ثلثي فترته بسبب المرض.
وأكثر من ذلك فعند قراءته للسيناريو الذي كتبته شخصيا ظل عاجزا عن إبداء مجرد رأي فيه."
تجدر الإشارة إلى أن مادة فيلم "الباب السابع"، الذي استغرق إنجازه حوالي عقد من الزمان (2007- 2017)، تتكون من تركيب لمقاطع منتقاة بعناية من أفلامه، التي وقعها باسمه كفيلمه الروائي الطويل اليتيم "السراب" (1979) وأفلامه القصيرة أومتوسطة الطول "الذاكرة 14" و"طرفاية أو مسيرة شاعر" و"أولاد سيدي احماد او موسى" و"المنابع الأربعة"، أو التي شارك فيها إلى جانب مبدعين آخرين كالفيلم الروائي الطويل "وشمة" (1970) من توقيع المخرج حميد بناني والفيلم الوثائقي القصير "6 و 12" من توقيع محمد عبد الرحمان التازي ومجيد الرشيش... 
كما تتكون مادة هذا الفيلم أيضا من مقتطفات حوار طويل أجراه وصوره مخرج الفيلم مع البوعناني من 2008 إلى 2011 حول أعماله السينمائية وغيرها، تضمنت بعض التصريحات التي لم تمر مرور الكرام، حيث جلبت ولا تزال على مخرج الفيلم بعض ردود الفعل من هنا وهناك. وقد تخلل تصريحات البوعناني ومقتطفات الأفلام التي أبدعها أو اشتغل فيها كموضب لحظات مصورة من حياته اليومية مع زوجته وإبنته تودة وصور ثابتة ومتحركة نادرة له بمفرده أو مع وزوجته الفنانة الراحلة نعيمة السعودي (1947- 2012)، التي ساهمت في العديد من الأعمال السينمائية في تخصصات عدة دون أن يشار إلى ذلك في جنيريكات الأفلام إلا فيما ندر، حسب ما صرح به البوعناني (خطأ أوكذبا) لعلي الصافي، وبعض رسوماته ومخطوطاته الكتابية وعلى رأسها مخطوط كتابه حول تاريخ السينما بالمغرب من 1896 إلى 1986 بعنوان " الباب السابع " (لم يصدر بعد رغم الإعلان عن قرب صدوره منذ أكثر من سنتين ) وغير ذلك من الوثائق التي يزخر بها الأرشيف الغني الذي خلفه. 
لقد استغرق إنجاز هذا الفيلم ما يقارب عشر سنوات من البحث والتنقيب والإعداد والتصوير وغير ذلك، ويمكن اعتباره بمثابة تكريم لهذا الرائد السينمائي المغربي الكبير، الذي طاله في فترات من حياته الإبداعية تهميش وإقصاء غير مبررين.
مجرد تساؤلات بصدد تصريحات البوعناني في الفيلم:
صرح الراحل البوعناني "بعظمة لسانه"، على حد تعبير الأشقاء المصريين، بأنه هو المبدع الحقيقي لفيلم "وشمة"، الذي كتب سيناريوه وأخرجه المبدع حميد بناني منذ نصف قرن من الزمان، مؤكدا على أن العوالم الإبداعية لهذا الفيلم هي نفس عوالم فيلمه اليتيم "السراب"، الذي أخرجه بعد فيلم "وشمة" بعشر سنوات، وهنا نتساءل: من تأثر بمن؟ ألم يغر نجاح فيلم "وشمة" نقديا ومهرجانيا البوعناني لإنجاز فيلم قريب من أجوائه ولونه الأبيض والأسود؟ لماذا صمت الراحل البوعناني طيلة عقود ليخرج علينا من خلال فيلم علي الصافي " الباب السابع " بهذا التصريح الغريب؟ ألم يكن ممكنا استضافة السينمائي حميد بناني للرد في نفس الفيلم على هذا التصريح مع الإستئناس بوجهة نظر السينمائي محمد عبد الرحمان التازي أيضا، باعتبارهما الطرفان الباقيان على قيد الحياة بعد رحيل البوعناني ومحمد السقاط، وهم جميعا مشاركون في تأسيس الشركة المنتجة للفيلم "سيغما 3" ؟ هل مسموح للمخرج علي الصافي قانونيا وأخلاقيا بتوظيف مقاطع مهمة من فيلم "وشمة" في فيلمه الوثائقي "الباب السابع" دون إذن مكتوب أو حتى علم من بناني والتازي؟
على أية حال، لقد رحل البوعناني بعد أن فجر قنبلة لن يستفيد من مخلفاتها حقلنا السينمائي المأزوم أصلا. وهنا نتساءل مرة أخرى: هل كان مخرج "السراب" في كامل وعيه لحظة تصفية حسابه مع ماضيه السينمائي المؤلم من خلال تصريحاته النارية في فيلم الصافي؟ ومن سيتحمل تبعات هذه التصريحات بعد وفاته؟ ألم يكن المخرج الصافي منحازا بشكل من الأشكال لأطروحة البوعناني على حساب الأطروحات الأخرى ومن بينها أطروحة بناني؟ 
أكيد أن حميد بناني لن يسكت، وقد تصل الإساءة إلى رأسماله الرمزي وسمعته الإبداعية وكرامته كمبدع إلى المحاكم .. إنه فنان مرهف الإحساس ومثقف كبير ينبغي أن تفتح له مختلف منابرنا الإعلامية أبوابها ليعبر عن وجهة نظره في الموضوع دون إقصاء أو تهميش، فالإساءة إليه وهو في أواخر عمره قد تكون قاتلة.
من جهة أخرى، وفي سياق الجدل، بخصوص ما قاله البوعاني صرح المخرج علي الصافي لموقع “الأول” أنه “بعد العرض الأول لفيلم الباب السابع عمت المواقع الاجتماعية ردود فعل بخصوص ما جاء في الفيلم عن تجربة "وشمة" و"سيغما3" الذي ربما شابه غموض أو لم يكن واضحا بما فيه الكفاية”.
وأوضح الصافي “لذا أود رفع اللبس وسوء الفهم بالتوضيح أن المرحوم أحمد البوعناني لم يعن أبدا أنه هو مخرج فيلم "وشمة" او شيء من هذا القبيل ! بل أراد أن يصحح بأن هذا العمل كان جماعيا ضحى فيه كل واحد منهم بالغالي والنفيس ولعب فيه هو شخصيا (أي البوعناني) دورا أساسيا في جميع مراحل إنتاجه بما في ذلك مشاكل الرقابة.. مضيفا “هذا ما يشرحه بإسهاب في كتابه الذي سيصدر قريبا بعنوان "الباب السابع، تاريخ السينما في المغرب".
واعتبر الصافي أن الهدف من تأليف البوعاني لكتابه هذا، كما هو الحال بالنسبة لفيلمه "الباب السابع"، “بعيد جدا عن تصفية أية حسابات شخصية بل يسعى إلى فتح ورش جديد للبحث والتفكير في تجربتنا السينمائية الفتية”.(موقع "الأول" بتاريخ 16 يناير 2018).