الأحد 12 يوليو 2020
كتاب الرأي

مولاي عمر صوصي: صيام ست من شوال بين السنة والبدعة

مولاي عمر صوصي: صيام ست من شوال بين السنة والبدعة الدكتور مولاي عمر صوصي
مع كل موسم تعبدي جديد تتجدد الأسئلة المرتبطة به خاصة منها الخلافية ويحتدم الصراع حولها في صفوف العامة وأنصاف المتعلمين، وبعد انصرام الشهر المعظم وعيد الفطر يحيا السؤال: هل صيام الست من شوال قربة يتزلف بها الصائمون لربهم عز وجل نيلا لمرضاته وتعرضا لكسب الثواب الوارد في الحديث الذي رواه مسلم وغيره : «مَنْ صَامَ رمضانَ ثُم أَتْبَعَهُ سِتاً من شوال كانَ كَصِيامِ الدهْرِ»أم هو بدعة كما يراها قوم آخرون؟
قبل الجواب على السؤال أحب أن أشير إلى أمر هام وهو أن الأمة الإسلامية في هذا الزمان هي أحوج ما تكون في صرف أزمنتها وجهود أبنائها فيما يضمن لها الازدهار والارتقاء إلى مصاف الدول المتقدمة بل حيازة السبق صدارة الطليعة منها. ذلك أن مثل هذه الأسئلة تغص بها بطون الكتب ومواقع الانترنت المكتوبة والسمعية البصرية، وقد أخذت حظها وزيادة من البحث والنظر. وعليه فترتيب الأوليات وسلم الأحقيات من آكد الواجبات في نظر الشارع الحكيم وفي نظر كل لبيب نبيه. 
في البداءة ينبغي أن نعلم أن سائر الفقهاء لا يرون بأسا في صيام الست من شوال ومنهم الشافعي وأحمد وغيرهما من كبار الأئمة وإنما وجه الإشكال في هذه المسألة هو ما ورد في موطإ الإمام مالك عند قوله: " إنني لَمْ أرَ أَحَداً مِن أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْفِقْهِ يَصُومُهَا وَلَمْ يَبْلُغْنِي ذلِكَ عَنْ أَحَدٍ مِنَ السلَفِ وَإنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ يَكْرَهُونَ ذلِكَ وَيَخَافُونَ بِدْعَتَهُ وَأَنْ يُلْحِقَ بِرَمَضَانَ مَا لَيْسَ مِنْهُ أَهْلُ الْجَهَالَةِ وَالْجَفَاءِ لَوْ رَأَوْا فِي ذلِكَ رُخْصَةً عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ وَرَأَوْهُمْ يَعْمَلُونَ ذلِكَ". 
فهم بعض الناس من كلام مالك رحمه الله أن صيامها قد يلحق بالبدعة وينعت بالكراهة، فكيف نزيل هذا التشويش الحاصل وندفع تشغيب المشغبين؟ 
أولا: لما كرهها مالك قد نص على العلة في ذلك وهو مخافة أن يحسبها العوام والجهال من رمضان ويعتقدوا وجوبها بحكم الاعتياد والمداومة على التمسك بها وخاصة ممن يقتدى بهم من العلماء، فكان قطع دابر هذا الخوف وسد هذه الذريعة من أول الأوليات حفاظا على نقاء الدين أن تشوبه الشوائب ويلتبس فيه الواجب بالنفل والفريضة بالسنة. 
ثانيا: أشار مالك إلى أن صيامها لم يكن مشتهرا عند أهل العلم والفقه في المدينة المنورة، وجوابه أن عدم الاشتهار لا يعني النفي فقد يصومه آحاد الفقهاء دون الإعلان عن ذلك بالعلة نفسها التي قدمها ملك أي مخافة اعتقاد وجوبه، ولم يتناهى ذلك إلى علم مالك، كما أنه "لا يخفى أن الناس إذا تركوا العمل بسنة لم يكن تركهم دليلاً ترد به السنة." [نيل الأوطار ج 4 ص306]، وأكثر من ذلك فإن مالك عينه كان يصومها في خاصة نفسه كما يروي عنه مطرف (وهو من كبار علماء المذهب المالكي).[ تهذيب السنن ج 6 ص88]. أما إذا لم تصح هذه الرواية عنه فيمكن أن يكون هذا الحديث موضوع الدراسة لم يبلغه كما أشار إلى ذلك ابن عبد البر، فإنه من المعلوم أن الصحابة ومن تبعهم لم يستوطنوا كلهم المدينة، فبعضهم ذهب للعراق كعبد بن مسعود وبعضهم لليمن كمعاذ بن جبل وهكذا، فربما سمعوا من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم يسمعه غيرهم من أهل المدينة. 
ثالثا: يقصد الابتداع في الأصل اختراع شيء جديد لم يرد به نص من كتاب أو سنة في الأعمال التعبدية، وما دام صيام الست قد ورد في صحيح مسلم ومسند أحمد وسنن أبي داود وغيرها من المصنفات الحديثية فلا وجه ولا مساغ لإثارة البدعية في هذه المسألة. 
رابعا: كما يعتبر سد الذريعة أصلا شرعيا فإن فتحها أيضا أصل شرعي عند الأمن من المحظور، فإذا استقر في أذهان العوام أن رمضان وحده هو هو الواجب فلا حاجة إذن أن نحرمهم من التطوع لمن أراد القربى والتزود بزاد التقوى وجبر ما كان من تقصير في رمضان بالتنفل، لأن من أغراض النفل الاستدراك وطلب الإحسان، ولأن الصوم عموما جنة وفضله لا يخفى.
وعليه، كما بينت فإن صيام الست من شوال في زماننا لم يعد محل إشكال، تصام متتابعة لمن خاف أن تتكاسل همته بعد الرجوع للطعام، أو متفرقة لمن آنس من نفسه الاجتهاد أو اعتاد صيام الإثنين والخميس والأيام البيض من كل شهر، فينبغي أن تنصرف الهمم للعمل والاجتهاد، وطلب الرقي والكمال أفرادا وجماعات. والحمد لله رب العالمين.
 
الدكتور مولاي عمر صوصي: خريج كلية الشريعة وجامعة القرويين.